الجمعة، 12 سبتمبر 2025

التراث الثقافي درع الهوية في زمن العولمة. بقلم د. آمال بوحرب – باحثة وناقدة.

 التراث الثقافي درع الهوية في زمن العولمة.


بقلم د. آمال بوحرب – باحثة وناقدة.


في عالم يتسارع نحو التوحيد الثقافي الممزوج بالنمط الاستهلاكي تبرز أهمية استعادة التراث بوصفه مشروعًا وجوديًا وليس مجرد استذكار للماضي فقد حاولت تونس عبر مشروع مدن الفنون أن تدمج التراث في النسيج الثقافي المعاصر من خلال عروض الحكي الشعبي في المسارح والفضاءات العامة بينما شكّلت سلطنة عمان تجربة رائدة بتدريس الفنون التقليدية بالمدارس الابتدائية وتعليم الأطفال رسم الزخرفة العمانية والغناء الشعبي كذلك في السعودية تم تأسيس مركز الملك عبدالعزيز للحرف والمركز الوطني للفنون الشعبية لتدريب الشباب على الحرف اليدوية العربية الأصيلة وقد جسدت الجزائر في مبادرة ليالي القصبة التي تحتفي، بالموسيقى الأندلسية وتدرّب الأطفال على العزف والغناء ضمن فضاء تراثي حي وهذا ما يجعل الهوية الثقافية لا تُدرّس فقط بل تُعاش يوميًا كما تقول الباحثة أليسون جيمس إن الهوية لا تتجلى في الخطاب الرسمي بل في الممارسات اليومية والعلاقات الصغيرة.


العولمة وتحديات التراث كيف تصنع المبادرات المحلية جسورًا قوية للحفاظ على الهوية الثقافية.؟


تُعتبر تجربة العراق مع التراث الثقافي في ظل العولمة حالة معقدة تعكس صراعات بين الحفاظ على الهوية الوطنية من جهة وضغوط التحديث الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى العراق بتراثه الحضاري العريق الممتد من سومر وأكاد وبابل إلى العصر الإسلامي ،شهد في العقود الأخيرة تحديات جسيمة بفعل الحروب الاحتلال والتغيرات الاقتصادية السريعة التي رافقتها موجات عولمة ثقافية.


واحدة من أبرز مظاهر هذا التأثير هو التراجع الحاد في الحرف اليدوية التقليدية التي كانت تشكل عصب الثقافة العراقية فقد أشار الباحث العراقي د. حيدر الساعدي في دراسته التراث العراقي بين التدمير وإعادة البناء 2017 إلى أن بغداد القديمة شهدت تراجعًا ملموسًا في الحرف مثل النجارة والنحاس بسبب انتشار الأسواق الحديثة والمولات التي تعرض بضائع مستوردة لا تعكس الهوية الثقافية للمدينة ووفقًا له هذا التغير الاقتصادي والاجتماعي أدى إلى فقدان المجتمعات المحلية روابطها التقليدية مع صناعاتها اليدوية التي كانت تُشكّل ذاكرة جماعية حية.


على مستوى آخر تحدث الناقد العراقي محمود عبد الكريم في كتابه ثقافة العولمة وتأثيرها على الهوية العراقية 2019 عن كيفية هيمنة السلع الثقافية الأجنبية مثل الأفلام الغربية والبرامج التلفزيونية على المشهد الإعلامي العراقي مما أدى إلى تفريغ الساحة الثقافية المحلية من محتواها التراثي وأدى إلى انصهار ثقافي يمحو الفوارق والخصوصيات خاصة بين الشباب الذين أصبحوا أكثر انفتاحًا على رموز ثقافية غير محلية.


ولا يمكن إغفال تأثير الحروب المتكررة التي أدت إلى تدمير كثير من المواقع التراثية والمكتبات مثل المتحف العراقي الذي تعرض للنهب والتخريب في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003 وهي خسارة جسيمة حسب تأكيد إدوارد سعيد في كتابه الثقافة والإمبريالية حيث يرى أن استهداف التراث هو جزء من استراتيجية استلاب الهوية وطمس الذاكرة الجماعية لشعوب محتلة.


في المقابل برزت عدة مبادرات محلية في العراق تهدف إلى إعادة إحياء التراث الثقافي وتوفير مقاومة رمزية للعولمة المُذوّبة مثل مبادرة مكتبة بغداد المتنقلة التي تهدف إلى نشر القصص والكتب التراثية للأطفال والشباب في الحدائق والأسواق وهو مشروع أشاد به الباحث العراقي علي عبد الله بوصفه مثالًا حقيقيًا على المقاومة الثقافية التي تعتمد على إعادة ربط الأجيال الجديدة بموروثهم الثقافي.


كذلك أُحيي سوق المتنبي في بغداد كنقطة التقاء للمثقفين والفنانين حيث يشكل هذا السوق العريق فضاءً للتجديد الثقافي الذي يعيد توطين الهوية بين أروقة الكتب والتراث الأدبي وفقًا لما قالته الناقدة العراقية فاطمة حسن في دراستها عن دور الأسواق التقليدية في الحفاظ على الهوية.


هذه التجارب تُبرز أن العراق لا يزال يحتفظ بجذوره الثقافية العميقة رغم الضغوط الكبيرة وأن صون التراث والهوية يتطلب من جهة دعمًا رسميًا مؤسسيًا وحراكًا شعبيًا متجددًا من جهة أخرى مما يؤكد أهمية الثقافة كمقاومة وجودية في وجه عولمة تذويب الهويات.


رغم الإيجابيات العديدة التي تقدمها العولمة خصوصًا في مجال الاتصال ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلا أنها في جانبها الثقافي حملت معها اختلالات خطيرة تهدد التنوع الثقافي والخصوصيات المحلية فالعولمة الثقافية كما يشرح المفكر الفرنسي بيير بورديو تمثل نوعًا من الهيمنة الرمزية التي لا تقل خطورة عن الهيمنة الاقتصادية إذ تعمل على قمع الاختلاف والتنوع تحت شعار الحداثة والكونية فتفرض نموذجًا ثقافيًا موحدًا يسعى إلى تذويب الفوارق بين الشعوب والثقافات.


وعلى صعيد عالمي هناك أمثلة عديدة على هذا التذويب الثقافي ففي المكسيك على سبيل المثال تواجه الصناعات الحرفية التقليدية مثل النسيج والفخار منافسة شرسة من المنتجات المستوردة والسلع الرخيصة التي تكتسح الأسواق المحلية مما أدى إلى تراجع عدد الحرفيين وتلاشي مهارات متوارثة عبر أجيال وفي الهند رغم الجهود المبذولة للحفاظ على الصناعات اليدوية يواجه الحرفيون تحديات بسبب سيطرة المنتجات الصناعية ذات الإنتاج الكبير فضلًا عن تأثيرات الثقافة الغربية التي تميل إلى الاستهلاك السريع والمنتجات الجاهزة.


من ناحية أخرى توضح الباحثة أرلي هوتشيلد أن العولمة لا تنتقل فقط عبر الأسواق والسلع بل تمتد إلى المشاعر والخيال الثقافي مما يعني أن نماذج الهوية والتعبير الثقافي تتعرض لإعادة تشكيل مستمرة وغالبًا ما تكون على حساب الثقافات المحلية الأصيلة فالسينما العالمية والإعلام يروجان لقيم وأنماط حياة لا تعكس التنوع الإنساني بل تبسط الصورة لتصبح موحدة ومكررة مما يسهم في تقليل الوعي بالخصوصيات الثقافية ويُضعف قدرة المجتمعات على مقاومة الاستلاب الرمزي.


لذلك فإن مواجهة هذه التحديات لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو السياسية بل تتطلب وعيًا ثقافيًا عميقًا واستراتيجيات للحفاظ على التنوع الثقافي من خلال دعم الصناعات التقليدية وتطوير برامج تعليمية ترسي قيمة التراث وتحفيز الإعلام المحلي على إنتاج محتوى يعكس هوية المجتمع ويُثري الخيال الجمعي بثقافته الخاصة.


اللغة والتراث أدوات مقاومة.


رمزية اللغة ليست مجرد أداة للتواصل بين البشر ولكنها كذلك الوعاء الذي يحمل ثقافة الشعوب ويجسد رؤيتها للعالم وللوجود فهي تحوي في طياتها مفردات وقيمًا ورموزًا تنسج هوية الإنسان وتعكس تجاربه الجماعية وعندما تنهار اللغة أو تضعف مكانتها ينهار معها جزء جوهري من الذات الثقافية للإنسان إذ تفقد المجتمعات بذلك قدرتها على التعبير عن هويتها ومقاومة الاستلاب الثقافي وقد أكّد المفكر والناقد الأدبي جورج شتاينر في كتاباته أن كل لغة تحتضر تأخذ معها عالمًا كاملًا من الرؤية والرموز مما يجعل الحفاظ على اللغة وحمايتها أمرًا حيويًا لاستمرارية الذاكرة الجماعية والتجربة الثقافية.


في هذا السياق برزت في العالم العربي العديد من المبادرات التي تعيد الاعتبار للغة كجسر بين التراث والحداثة وأداة للمقاومة الثقافية ومنها مبادرة مدرسة الخط العربي في القاهرة التي، لا تقتصر على تعليم الأطفال كيفية كتابة الحروف بل تزرع في نفوسهم إحساسًا جماليًا وروحيًا مرتبطًا بالفن العربي الأصيل مما يعزز تعلقهم بثقافتهم ويجعل اللغة حية في تجربتهم اليومية.


أما في العراق فبرزت تجربة مكتبة بغداد المتنقلة التي تعتمد على قراءة القصص التراثية للأطفال في الحدائق العامة والأماكن المفتوحة فتعيد بذلك إحياء الحكايات الشعبية التي تحمل قيمًا إنسانية وتاريخية عميقة وتربط الأجيال الجديدة بجذورهم الثقافية في زمن يشهد اضطرابات وهجرات مستمرة هذه المبادرة لا تنقل فقط المعرفة بل تعيد بناء علاقة الأطفال بلغتهم وتراثهم عبر القصص التي توثق تجارب أجدادهم وتحفظ الذاكرة الشعبية كذلك هناك جهود في مدن مثل النجف وكربلاء حيث تُنظّم ورش عمل لتعليم الشعر العربي القديم والنثر التراثي مما يعزز فاعلية اللغة كأداة للتعبير عن الذات الجماعية.

نماذج أخرى يمكن ذكرها من تونس والمغرب حيث تُنظم مسابقات في الخط العربي والشعر الفصيح وتُنشأ نوادٍ ثقافية تجمع الشباب لمناقشة نصوص تراثية في إطار معاصر وهذه التجارب تؤكد أن اللغة هي أداة أساسية للمقاومة الرمزية التي تتخطى مجرد الحفاظ على الشكل إلى إنتاج معاني جديدة ترتبط بالواقع اليومي وتعكس تجربة المجتمعات.

بالتالي تبقى اللغة بوصلة الهوية ومرآة الذات الثقافية التي تستدعيها الشعوب ليس فقط لتثبيت وجودها وإنما لإعادة إنتاج ذاتها بوعي وجعل التراث مادة حية تنبض في الوجدان وتدافع عن الإنسان من التشتت والاغتراب في عوالم العولمة المتسارعة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق