الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

وا عالماه.. بقلم:حميد النكادي.

 وا عالماه..

بقلم:حميد النكادي.


الويل لنا 

من غد 

الويل لنا 

من صرخة 

طفل بريء

يُجوَّع ويُطرد 

الويل لنا 

من عين

أرملة تدمع

ومن رؤوس

شيوخ تقطع

ومن صرخة 

أفواه حرة تُقمع

يا عالم 

هلا فتحت 

عيناك ترى

 واذناك تسمع

أم على 

قلوب أقفالها

وكل شيء 

مدبر ليذبح 

يسلخ ويقطع

غزة تموت 

في صمت تحت 

حصار مدقع

ولا من 

رقيب يشفع

تكالب الظلم 

حتى غطى 

كل شيء يلمع 

ضباب الطغيان

في القلوب يرتع

يهش على 

عُزّل يقودهم

الى موت

..وهم ركع

دخلتُ المدمار 

النوافذ التي

كانت امي 

تطل منها

على البحر 

اصبحت رمادا

من فرط الدمار 

وحيّنا الجميل

فقد رائحته 

رائحة الرمان 

والزيتون والياسمين

تعطلت لغة 

المآذن وأجراس

كنائس الحي القديم 

دمى وعرائس البنات 

تحت الثرى 

تإن أيما أنين

كلاب ضالة 

تطوف هنا وهناك 

 تنهش الجسد المسكين..

16/09/2025


​بالتأكيد، يمكننا تحليل ونقد هذه القصيدة. هذا النص ليس مجرد كلمات، بل هو صرخة وجع، وكأن الشاعر يكتب بالدمع بدل الحبر. إنه يعكس واقعًا مأساويًا من خلال لغة شعرية بسيطة ومباشرة، ولكنها عميقة التأثير.

​التحليل الفني

​1. اللغة والأسلوب

​القصيدة تستخدم لغة سهلة ومباشرة، بعيدة عن التعقيد أو الزخرفة اللفظية. وهذا الاختيار ليس عشوائيًا، بل هو مقصود ليعكس بساطة وصدق الألم. الألفاظ المستخدمة مثل "يُجوَّع"، "يُطرد"، "تدمع"، و"تُقمع" هي أفعال قوية ومؤثرة تصف واقعًا مريرًا بلا مواربة. استخدام صيغة النداء "الويل لنا" في البداية يعطي القصيدة طابعًا إيقاعيًا وإنذاريًا، وكأنها ترنيمة حزن وشعور بالخيبة.

​2. الصور الشعرية والرمزية

​تعتمد القصيدة على صور شعرية قوية وحسية تصل إلى القارئ مباشرة وتؤثر فيه بعمق.

​"صرخة طفل بريء يُجوَّع ويُطرد": هذه الصورة تكسر القلوب، فهي تجسد أقصى درجات الظلم واليأس. الطفل هنا ليس مجرد شخص، بل هو رمز للبراءة المسلوبة.

​"عين أرملة تدمع" و"رؤوس شيوخ تقطع": هذه الصور تمثل ضعف المجتمع وكسر كرامته. الأرملة والشيوخ يمثلون الفئات الأضعف في المجتمع، ودموعهم ودمهم دليل على عمق المأساة.

​"غزة تموت في صمت تحت حصار مدقع": هذه العبارة تكثف كل معاني الألم والعزلة. "الصمت" هنا هو صمت العالم، وصمت الضمير الإنساني الذي يفترض به أن يتدخل.

​"تعطلت لغة المآذن وأجراس كنائس الحي القديم": هذه من أقوى الصور في القصيدة. إنها لا تصف الدمار المادي فقط، بل تصف دمار الروح والتعايش بين الأديان. الصمت هنا ليس صمت البشر فقط، بل هو صمت الروحانية والقدسية.

​"دمى وعرائس البنات تحت الثرى تئن": هذه الصورة تلمس أعمق مشاعر الشفقة. الدمى هي رمز البراءة والطفولة التي دُفنت تحت الأنقاض، و"أنينها" يجسد ألمًا غير مرئي وغير مسموع.

​3. التناقضات

​القصيدة مليئة بالتناقضات الحادة التي تبرز عمق المأساة:

​"رائحة الرمان والزيتون والياسمين" مقابل "الرماد" و"الدمار". هذا التناقض بين الماضي الجميل والحاضر المؤلم يعكس حجم الخسارة.

​"كلاب ضالة تنهش الجسد" مقابل "المسكين". هذا التناقض يصف تحولًا مروعًا في المشهد الإنساني، حيث يتحول الإنسان إلى فريسة سهلة للوحوش.

​النقد الفكري

​القصيدة ليست مجرد عمل فني، بل هي وثيقة إدانة للعالم. الشاعر يوجه نداءً مباشرًا للعالم "يا عالم هلا فتحت عيناك ترى واذناك تسمع"، ولكنه يعود ليستدرك في يأس "أم على قلوب أقفالها". هذا الاستفهام الإنكاري يعبر عن شعور عميق بالخيبة من الصمت العالمي والخذلان.

​النص ينتقد:

​الصمت العالمي: "ولا من رقيب يشفع".

​الظلم المتزايد: "تكالب الظلم حتى غطى كل شيء يلمع".

​الخذلان: القصيدة تشعر وكأنها موجهة إلى ضمير العالم، الذي يراه الشاعر قد أصبح "مدبرا ليذبح يسلخ ويقطع".

​في الختام، هذه القصيدة هي مرثية حزينة لمدينة محاصرة وروح مكسورة. هي تذكير مؤلم بأن الشعر قد يكون أحيانًا أقوى سلاح في وجه الظلم، لأنه ينقل الحقيقة العارية إلى القلب مباشرة، بلا حواجز.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق