هَمَسَاتُ الخَرِيف
هَبَّ الخَريفُ فسالَ دَمعُ غَمامِة *** وانهارتِ الأوْراقُ مثلَ جِراحِ
وتناثَرَتْ هَمساتُهُ في أُفْقِنا *** تُذكي لهِيبَ الصمتِ في الأَرْواحِ
بانَ الغُروبُ على المَدى مُتثائِبًا *** وغَدَتْ مَآذِنُهُ بِلا أَفْراحِ
والشَّمسُ أَخفاها الغُبارُ كأنَّها *** قبَسٌ يُوارِيهِ الضِيا المُنْزاحِ
نَاحَتْ طُيورُ الحَقلِ بعدَ رَحيلِها *** وتناثَرتْ أعْشاشُها بِرياحِ
وغَدتْ غُصونٌ دونَ بُرعُمِ زهْرةٍ *** وتَهاوَتِ الأَحلامُ في الأَقدَاحِ
تَبكي الرُّبى صَمتًا كأَنَّ دُمُوعَها *** حَيرى تُحاكِمُ صَمتَها النوَّاحِ
حتَّى الصُّخورُ تَفَطَّرَتْ أحْزانُها *** والريحُ تَصرُخُ في الفَضا الصَيَّاحِ
والنَّهرُ أخفى سَيلَهُ مُتوجِّعًا *** ومَضى يُوارِي حُزنَهُ بِجراحِ
والزَّهرُ أَغفَى فوقَ تُربٍ يابسٍ *** فَكَأنَّهُ لَم يَحتفِلْ بِصَباحِ
والليلُ أخْفى سِرّهُ مُتلثِّمًا *** يَخْشى انكِشافَ نُدُوبَه للبَاحِ
والبَدرُ يَذوِي خَلفَ غَيمٍ باكِيًا *** حُزنًا يُقاسِمُ قَلبَهُ المُرتاحِ
إنّ الخَريفَ، مزار بوح نُفوسِنا *** أنَّ الفَناءَ مُقَدَّرٌ لِلصَاحِ
لكنَّ فيهِ حِكايَةً مكْنُونةً *** تُلقِي ضِياءً في دُجى الأَتْراحِ
وتُذكِّرُ الأرْواحَ أنَّ رَبيعَها *** لا بُدَّ يَأتي بَعدَ طولِ كِفاحِ
فالمَوتُ بابٌ للحَياةِ مُجَدَّدًا *** والنُّورُ يَسكُنُ مَوْطِنَ الإِصْباحِ
فإذا تهاوَتْ في المدى أَوْراقُنا *** نَبْقى كَصَوتٍ خالدٍ في الساحِ
ونَعُودُ نُزهِرُ في حَديقَةِ خالِقٍ *** جَعَلَ الخُلودَ لِأهلِهِ الفَوَّاحِ
بقلم سليمان بن تملّيست
جربة في 2025/09/12
الجمهورية التونسية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق