الجمعة، 12 سبتمبر 2025

هَمَسَاتُ الخَرِيف بقلم الشاعر سليمان بن تملّيست

 هَمَسَاتُ الخَرِيف


هَبَّ الخَريفُ فسالَ دَمعُ غَمامِة *** وانهارتِ الأوْراقُ مثلَ جِراحِ

وتناثَرَتْ هَمساتُهُ في أُفْقِنا *** تُذكي لهِيبَ الصمتِ في الأَرْواحِ

بانَ الغُروبُ على المَدى مُتثائِبًا *** وغَدَتْ مَآذِنُهُ بِلا أَفْراحِ

والشَّمسُ أَخفاها الغُبارُ كأنَّها *** قبَسٌ يُوارِيهِ الضِيا المُنْزاحِ

نَاحَتْ طُيورُ الحَقلِ بعدَ رَحيلِها *** وتناثَرتْ أعْشاشُها بِرياحِ

وغَدتْ غُصونٌ دونَ بُرعُمِ زهْرةٍ *** وتَهاوَتِ الأَحلامُ في الأَقدَاحِ

تَبكي الرُّبى صَمتًا كأَنَّ دُمُوعَها *** حَيرى تُحاكِمُ صَمتَها النوَّاحِ

حتَّى الصُّخورُ تَفَطَّرَتْ أحْزانُها *** والريحُ تَصرُخُ في الفَضا الصَيَّاحِ

والنَّهرُ أخفى سَيلَهُ مُتوجِّعًا *** ومَضى يُوارِي حُزنَهُ بِجراحِ

والزَّهرُ أَغفَى فوقَ تُربٍ يابسٍ *** فَكَأنَّهُ لَم يَحتفِلْ بِصَباحِ

والليلُ أخْفى سِرّهُ مُتلثِّمًا *** يَخْشى انكِشافَ نُدُوبَه للبَاحِ

والبَدرُ يَذوِي خَلفَ غَيمٍ باكِيًا *** حُزنًا يُقاسِمُ قَلبَهُ المُرتاحِ

إنّ الخَريفَ، مزار بوح نُفوسِنا *** أنَّ الفَناءَ مُقَدَّرٌ لِلصَاحِ

لكنَّ فيهِ حِكايَةً مكْنُونةً *** تُلقِي ضِياءً في دُجى الأَتْراحِ

وتُذكِّرُ الأرْواحَ أنَّ رَبيعَها *** لا بُدَّ يَأتي بَعدَ طولِ كِفاحِ

فالمَوتُ بابٌ للحَياةِ مُجَدَّدًا *** والنُّورُ  يَسكُنُ مَوْطِنَ الإِصْباحِ

فإذا تهاوَتْ في المدى أَوْراقُنا *** نَبْقى كَصَوتٍ خالدٍ في الساحِ

ونَعُودُ نُزهِرُ في حَديقَةِ خالِقٍ *** جَعَلَ الخُلودَ لِأهلِهِ الفَوَّاحِ


بقلم  سليمان بن تملّيست

جربة في 2025/09/12

الجمهورية التونسية



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق