الخميس، 2 أكتوبر 2025

** ((قَليلُ أَدَب))ِ../1/ - سلسلة قصص عن أبي - قِصَّة: مصطفى الحاج حسين.

 ** ((قَليلُ أَدَب))ِ../1/

- سلسلة قصص عن أبي - 

 

    قِصَّة: مصطفى الحاج حسين. 


كانَ (جدّي) في سَنةٍ واحدةٍ قد دَفعَ عن أبي "خَمسَ مئةِ ليرةٍ"، ليُعفيَهُ من "الخِدمةِ العسكرية"، ثمّ صرفَ في ذات السّنةِ "خَمسَ مئةِ ليرةٍ أخرى" على زواجِه من أُمّي.


كان (جدّي)، في غايةِ القَسوةِ عندما يغضب، يُريد ويَطلُب من أبي، ومن جميع أفرادِ أسرتِه، أن يَلتزموا بالأُصول، وألاّ يَخرُجوا عنها، وإلّا لَقُوا منهُ ما لا يُتَوقَّع.. وهذا ما حدثَ بالفعل، مع أبي.


كان أبي منصرفًا من شُغله، عند المساء.. فوجد (جدّي) وعددًا من رِجال الحارةِ جالسين، يُسنِدون ظهورَهم إلى الحائط، عند الزّاوية.


سلَّم والدي على جميعِ الجالسين، ثم تقدَّم من (جدّي)، وأخذ يدَهُ، وقبَّلها "ثلاثَ مرّات" ، وفي كلّ مرّة، كان يَضعُ يدَ (جدّي) على رأسِه، بعد أن يُقبّلَها.


فقال له (جدّي) بسعادةٍ بالغة:


– الله يرضى عليك، يا ابني (محمّد).


ثمّ وقف أبي يتأمّل الرّجال العجائز، أصحاب (جدّي) وجيرانه.. وأراد أن يُمازح أباه، ليتباهى أمام هذا الجمع من الحضور، فقد كان قابضًا مبلغًا من المال، لا بأس به، هي أُجرته، وربّما تكون "المرّة الأولى" التي يقبض فيها أبي أُجرته بيده!


إذ عادةً ما كان ابن عمّه (أبو حسن) يُسلّمها إلى (جدّي)، لكنّه في هذه المرّة، تكرّم على أبي، وأعطاه الأُجرة بيده شخصيًّا.


وكان مقدارها" خَمسُمِئةِ ليرةٍ"، حصيلةَ عملِ" مئةِ يومٍ"، من شُغلِ أبي، لأنّ أُجرته في اليوم الواحد كانت "خَمس ليراتٍ" بالكامل.


وكان (جدّي) يمنح أبي "خَمسَ ليراتٍ" في الأسبوع، تمثّل أجرةَ يومٍ واحدٍ فقط.


وكان على أبي، أن يُنفق على نفسه، وعلى أمّي، وأخي (سامي) الذي سبقني إلى هذه الحياة.  

أمّا أنا، فبقي لأمّي ما يُقارب "السنتين والنصف" لتنجبني.


وكان أبي، يدفع من هذه" "الخمس ليرات" ثمن الدخان، ومصاريفه الشّخصيّة، وما يتطلّبه تصليح درّاجته، التي لا تنتهي متطلباتها، بالإضافة لما تحتاجه أمّي من أشياء كالألبسة، و(المكياجات)، والعُطورات، وغيرها…


كذلك أجرة (حمّام السّوق)، إذ كان لا بدّ لها أن تذهب إلى (حمّام السّوق) ولو لمرةٍ واحدةٍ في الأسبوع.


إلى جانب بعض النّفقات على رضيعها، مثل (البودرة) و(الكولونيا).


قبض أبي أُجرته، "مبلغ خمسمئة ليرة" ، وكانت عبارة عن "خمس قطع ورقيّة" من فئة (مائة ليرة).


وبعد انصرافه من عمله، وهو في طريقه إلى الدّار، عرّج على السّوق الكبير المكتظ بالمحلّات والمتبضّعين، والذي يحتوي على جميع الأصناف والطّلبات، من مواد غذائيّة، وموالح، وحبوب، وسُكّر، وشاي، وبُنّ، وزيوت، وسَمن، إلى كافّة أنواع اللحوم، والأسماك، والدّجاج.. وغيرها من الأحذية، والألبسة، وصولاً إلى المنظّفات، والمكياجات، والسّاعات المتنوّعة، إلى الفِضّة والذّهب.  


كان أبي بحاجةٍ إلى حزامٍ جلديّ لِخَصرِه (قِشاط)، فمرّ على محلٍّ يحتوي على طلبه.. انتقى أبي (قِشاطاً) يُناسبه، وحين سأل عن ثمنه، قال له البائع:


- ثمنه نصف ليرة.


فأخرج له ورقةً من فئة (المئة ليرة)، وأعطاه إيّاها، ليردّ له البائع البقيّة، بعد أن يَقطع من (المئة) ليرة، ثمن القِشاط.


ولأنّ أبي كان يُريد أن يتباهى أمام الحاضرين من الجيران، أهل حارته، من العجائز، والمسنّين، والرّجال، والشباب، وفِتيَة، وأطفال من كلّ الأعمار، كانوا متواجدين قُبيل غروب الشّمس بدقائق قليلة..


مدّ أبي يده إلى جيب شرواله، وأخرج ما يحمل من نقود، وقدّمها بزهوّ إلى (جدّي)، وهو يقول:


- تفضّل يا أبي.. خُذ، هذه أُجرَتي.


تطلّعت عيون كلّ من كان حاضراً، فالمبلغ ليس بالقليل، إنّه أجرة عمل (مئة) يوم، من الأيّام الشّاقّة، والطّويلة، والمُضنية، بالنّسبة لأبي، الواقف أمام النّاس، وهو مغترّ، يشعر بالزّهو، والفخر، والكِبر، والكِبرياء.


تلقّف (جدّي) من أبي حُزمة النّقود، كانت أربع قطع من فئة (المئة) ليرة، والباقي نقود (فراطة)، فيها أنواع عدّة، ورقيّة ومعدنيّة.


عدّها (جدّي) بعَجَلة، والعيون تُراقبه وتُشاركه العدّ.. كرّر (جدّي) العدّ مرّات ومرّات.. ثمّ رفع رأسه صوب أبي، وقال:


- يُوجَد نقص نصف ليرة!


ابتسم أبي، وكشف عن بطنه، وأشار إلى (قشاطه) المحزَّم به، وقال:


- مررتُ إلى السّوق، واشتريت هذا..


وكان يُشير بيده إلى (القشاط) الجديد.


بان الغضب على وجه (جدّي).. ارتسمت عقدة حاجبيه، التي يخشاها أبي، واتّسعت حدقتا عينيه المُرعبتين، وحاول أن يكظم غيظه، أمام النّاس المُندهشين من انقلاب مزاجه المُباغت، فقد كان منذ لحظات، يتمتّع بالهدوء، ويُمازحهم، ويضحك معهم بصوتٍ عالٍ فيه رنين.


عاد وسأل أبي، والدهشة والاستغراب باديتان عليه:


- أتصرف "المئة ليرة".. من أجل "نصف ليرة*؟!


ردّ أبي، مُرتبكاً وفي حرجٍ

.. فقد أراد أن يزهو ويتباهى أمام الحاضرين، فإذا به يجد نفسه قد وضع ذاته في موقفٍ حَرِج للغاية.  

قال مخاطبًا أباه:


- أبي، لا (فراطة) عندي.. أُجبرتُ على الصّرافة.


فردّ عليه (جدّي) بانفجار غاضب:


- ولماذا لم تأتِ لعندي لتأخذ منّي النصف ليرة؟!  

ثمّ هل تريد أن تقطع مصروفك من تلقاء نفسك، دون أن أعطيك أنا؟!  

قل لي: ما هذه الوقاحة، وقلّة الفهم، والذوق عندك؟!  

هل أنا ربّيتك على هذه الأخلاق؟!  

أم ظننتَ نفسك صِرتَ رجلاً، لأنّك أصبحتَ أبًا؟!  

اللعنة عليك، وعلى ابنك، وأمّه، يا ابن الكلب!


قال (جدّي) هذا الكلام، ثمّ أخذ جميع النّقود التي تناولها من أبي، وجمعها في يده، ورماها بكلّ قواه في الباحة الترابيّة، حيث العشب اليابس الباقي من الحصاد...


فتراكض الصبية، والأطفال، والشباب، والرجال، وحتّى الكهول..

يتسابقون لالتقاطها والبحث عنها، وكان الزّحام، والصّياح، والزّعيق...  

في حين كان أبي، يمسح دموع قهره، التي انسابت من عينيه رغمًا عنه،  

فهو الآن في أفظع موقفٍ تعرّض له في حياته حتى تلك اللحظة.


جمعوا النقود التي قذفها (جدّي)، فكانت ناقصة "ليرةً ونصفًا"، وبقي الأطفال مستمرّين في البحث عنها.


تقدّم (أبو عبّاس)، صديق (جدّي)، وقال بصوتٍ متّزنٍ وهادئ:


- طوّل بالك يا (أبو حسين)، الله يخليك.. ابنك (محمد) من أروع وأعقل شباب الحارة.


لكنّ (جدّي) لم تهدأ ثورته بعد،  فها هو يقسم أمام الجميع، قائلاً:


- أُقسم بالله العظيم، لن تدخل الدّار، ولن تنام فيها، لا أنت، ولا امرأتك، ولا حتّى ابنك!


وتعالت الأصوات من كلّ مكان:


- لا.. لا.. يا (أبو حسين).. طوّل بالك، وتعوّذ من الشّيطان الرّجيم.


وأفلتت من أبي شهقةُ بكاءٍ مرّ، حين التفّ الرّجال حوله، ودفع بيده (بسكليته) على الأرض بقوّةٍ وحنق، وقعت الدراجة، ونهض (جدّي) من جلسته، وغادر مكانه، متّجهًا إلى داره، مخلّفًا وراءه أبي، المخنوق في بكائه، والمحاصر بالرّجال الذين راحوا يعرضون عليه. أن يقبل ويذهب مع أحدهم، لينام عنده إلى أن تنقضي هذه الليلة المشؤومة.


لكنّ أبي لم يستجِب لأحد. انحنى فوق درّاجته، جلّسها، ومضى بها بعيدًا عن الحارة.  

وكان الليل قد سيطر على الأرض والسّماء،. بينما القمر يرفض الظهور، فوق مدينةٍ يبكي فيها أبي… وأمّي التي أمرها (جدّي)، فور دخوله البيت، أن تغادر، وتذهبَ إلى بيت أهلها. وبعد أن بكت أمّي بشدّة،. شاركتها في البكاء كلٌّ من "جدّتي" وعمّتي "حميدة"،. حتّى عمّي "عُمر"، لم يستطع أن يُخفي حزنه.  


جهّزت أمّي نفسها،  

لبست "مِلحفتها"،  

وحملت رضيعها، أخي "سامي"، ثم غادرت برفقة عمّي "عُمر"، الذي أوصلها إلى دار أهلها:  

بيت "جدّي عبيد" و"جدّتي عَيّوش".


أمّا "جدّي سامي"،  

فقد دخل غرفته،  

وأغلق على نفسه الباب،  

دون أن تجرؤ "جدّتي" أو عمّتي "حميدة"  

على الدخول إليه.


وما زال الليل يخنق المدينة، وما زال القمر مختبئًا عن سماءٍ بكى فيها الأب، وغادرتها الأم… وحُمِل فيها الطفل الرضيع

، بعيدًا عن دفء البيت…  

لأجل "نصف ليرة".*


 مصطفى الحاج حسين.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق