الخميس، 11 سبتمبر 2025

فن القيادة في زمن الذكاء الاصطناعي بقلم المستشار الدكتور أبو العز الإدريسي

 فن القيادة في زمن الذكاء الاصطناعي :


القيادة لم تعد كما كانت تُعرّف قبل عقدين ؛ شخص يرسم الخطط، يوزّع المهام، ويتأكد من سير العمل. اليوم، مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل حياتنا المهنية والشخصية، تغيّر المشهد تماماً. فالقائد لم يعد فقط من يعرف كيف يُدير فريقاً، بل من يفهم كيف يوازن بين عقل آلي يحسب بلا توقف، وإنسان يبحث عن المعنى والاعتراف.  


من السهل أن ينبهر المرء بالتقنيات الجديدة ؛ خوارزميات تتنبأ بالسوق، أنظمة تتخذ قرارات أسرع مما يمكن للبشر تخيّله. لكن المسألة ليست في سرعة الحاسوب بقدر ما هي في قدرة القائد على إعطاء هذه القرارات بُعداً إنسانياً. فالحكمة ليست في أن تترك الآلة تحكم، بل في أن تضع لها حدوداً أخلاقية ومعايير تجعلها أداة مساعدة لا سيداً بديلاً.  


هنا يبرز تحدٍ آخر: كيف يُقنع القائد فريقه بأن الذكاء الاصطناعي ليس منافساً لهم؟ في بعض الأحيان، مجرد إدخال أداة جديدة قد يثير قلق الموظفين أو شعورهم بأن دورهم سيتلاشى. ومن هنا تظهر قيمة القائد الذي يفتح باب الحوار، يشرح، ويُشعر العاملين أن التقنية وُجدت لتُحررهم من الروتين الممل، لا لتسلبهم مكانتهم.  


وبينما تتطور الأدوات بوتيرة تكاد تُربك العقول، يظل القائد مطالباً بأن يتعلّم باستمرار. لا يمكنه الاتكاء على خبراته القديمة فحسب. بل يحتاج أحياناً إلى أن يبدأ من جديد، أن يجازف بخوض تجربة لا يعرف نتائجها. واللافت أن القيادة في هذا السياق لم تعد مرتبطة باليقين المطلق، بل بالشجاعة على مواجهة المجهول.  


في النهاية، يمكن النظر إلى القيادة في زمن الذكاء الاصطناعي كفنٍّ معقد ،ليست مجرد إدارة بشر، ولا هي مجرد استخدام للتكنولوجيا. إنها أشبه بعزفٍ متوازن بين وترين مختلفين؛ أحدهما بارد ودقيق مثل الحاسوب، والآخر دافئ ومليء بالعاطفة مثل الإنسان. ومن ينجح في هذا العزف، يصنع مستقبلاً لا تُلغى فيه الإنسانية لصالح التقنية، ولا تُهمل فيه التقنية لصالح الحنين.  


المستشار الدكتور أبو العز الإدريسي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق