الاهتمام بالآخر بين فعل المثقف وواجب الإنسان
يظن البعض أن الاهتمام بالآخرين مجرد هدر للوقت أو فعل ثانوي، غير أن الحقيقة أن هذا الاهتمام فعل جوهري يتجاوز الفرد ليصبح موقفًا فلسفيًا وأخلاقيًا فالمثقف الحق كما يؤكد إدوارد سعيد يحمل مسؤولية الكلمة في المجال العام ويعمل لأن يكون الفكر جسرا لا جدارا.
إن الإصغاء إلى الآخر والحرص على دعمه في مجال الأدب والفكر لا أعتبره ترفا أو منّة ولكنه من صميم الواجب الإنساني لأن الفكر لا يولد في عزلة مطلقة بل في تفاعل جدلي مع العقول الأخرى كما نرى في قراءة التراث وإعادة اكتشاف الحضارات السابقة لنرتقي بوعينا الحاضر.
قد يقال إن هذا الانشغال بالآخرين يجيء على حساب الذات والكتابة الخاصة غير أن الحقيقة أن القراءة والكتابة جزء من نسق حياتي اليومي يدخل ضمن العادات التي تصوغ الكينونة وتشكلها وإن بدا أن هناك تقصيرا في بعض شؤون الحياة الخاصة فإن الكتابة ذاتها تمثل هذه الحياة بالنسبة لي بعد العائلة فهي الامتداد الروحي الذي يمنحها معناها والسعادة ليست في الانعزال بل في العطاء وفي القدرة على أن نجعل كلماتنا ومواقفنا محطات نور للآخرين.
ولأننا أكثر وعيا وهذا من فضل الله فإننا مدعوون ألا نرى فقط الجوانب السلبية في أي موضوع بل أن نمارس نقدا واعيا يفتح إمكانات جديدة وإن المراقبة الحقيقية تبدأ من الذات من مساءلة الضمير لا من فرض الأحكام على الآخرين وحتى لو اختار البعض أن يغلق أبواب الحوار عبر الحجب أو الانقطاع فإن الاختلاف سيبقى ضروريا بوصفه محركا للتطور لا عائقا أمامه.
من هنا أجد نفسي دائما مع كل فكر نقي ومع كل رؤية سامية تدعو إلى التطور ومواكبة الحداثة وضد كل فكر زائف أو منافق يتستر بالمسميات إن المثقف الحقيقي لا يكتفي بالوجود في الساحة ولكن عليه أن يثابر من أجل الارتقاء بالوعي الجمعي واضعا الكلمة الصادقة فوق كل اعتبارات المصالح والوساطات هكذا فقط نحيا حياة فكرية مثمرة قائمة على الحب والاحترام والتشجيع حيث يلتقي المثقف بأخيه المثقف ليصنعا معا وعيا أكثر إشراقا.
لإن "الإنسان لا يتحقق وجوده إلا بالآخرين فهو لا يفكر ولا يبدع إلا من خلال الحوار” — جان بول سارتر (الوجود والعدم).
وكذلك هناك ملاحظة أود أن أسوقها وهي أني أفرح لنجاحات الآخرين وأتمنى للجميع أن يكونوا في أعلى مراتب النجاح وهذا يثلج القلب كم هي سعادتي كبيرة حين أنشر عملاً مميزاً لأحد الكتاب أو أثني على شاعر أو كاتب يستحق الشكر وأشجعه، وعندما أرى كتابه في أي معرض أو حتى ترجمته، أشعر ببهجة عميقة
فهذا هو البعد الإنساني الذي أحب أن أغرسه في كتاباتي أو في توجهاتي لانه يحب أن ندرك أن مشاركة الإبداع وتشجيع الآخرين ليس مجرد فعل خارجي فقط ولكنه
فعل يغذي الروح ويرتقي بالوعي الجمعي
غير أن الأمانة تحتم علي القول بأنه عندما تتصدر الأسماء الصحف والمحافل لا يعني بالضرورة أن ذلك هو النجاح بعينه فأنا أعرف العديد من الكتاب والشعراء كتاباتهم جيدة جدا وهم من الأقلام الذهبية لكنهم لا يتكالبون على نشر صورهم في كل مكان لأن النجاح والكتابة القيمة تفرض نفسها حتى لو بعد حين.
وإن عدنا للتاريخ لعرفنا أن كتابات البحتري والتوحيدي أو المتنبي أو زهير بن أبي سلمى لم تُروَّج على المجلات ولا في المنابر الدعائية ولكنها فرضت نفسها بين عامة الشعب وفي المجالس بقوة البلاغة والصورة فحضرت بيننا وتجاوزت التاريخ لتبقى شاهدا على أن القيمة الحقيقية للعمل الأدبي والفكري لا تحتاج إلى زينة خارجية بل إلى صدق الروح وقوة الكلمة.
تحياتي ومحبتي
د/ آمال بوحرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق