الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

زارني معلمي بعد خمسة وخمسين سنة بقلم الكاتب طه دخل الله عبد الرحمن

 زارني معلمي بعد خمسة وخمسين سنة

ها هو صباحٌ لم أعتدْ عليه، صباحٌ يحملُ بين طيّاته حدث استثنائي ينتظرُ قدومَه. جلستُ في غرفةِ مكتبي أتأمّلُ من النافذةِ سحبَ الخريفِ المتكسّرة، وكأنّما هي نفسُها السحبُ التي كنّا نصفَها في حصصِ التدريس قبلَ خمسةٍ وخمسينَ عاما. وفجأةً، دقّ جرسُ البابِ دقّاتٍ كأنّما يَدٌ تَخْشَى إزعاجَ صَمْتِ المكان أو قَدَم تَخْطو بِثَقَلِ الذِّكْرَى وَالزَّمَن.

كان الموعد هو الذكرى. والذكرى هي ذلك الجسر الرقيق الذي يربط بين الماضي الحافل بالحنين، والحاضر المشغول بالنسيان.

فتحتُ البابَ، فإذا بي أمامَ رجلٍ لم تره عيناي منذ أكثر من نصف قرن، لكن صورته لم تفارق مخيلتي يوما انه معلمي، الأستاذ صبحي سرحان. طويلِ القامة، قويّ الهيبة، تعلو وجهه ابتسامة هادئة، وعينان لم تفقدا بريقهما، تحملان نفس ذلك النور الذي كان يضيء به علينا في الفصل. لم يحتج إلى تعريف، فنور المعرفة في وجهه كان هو البطاقة التي عرفته بها وعينيهِ تبرقانِ ببريقٍ أعرفه جيدا. إنّها نبرةُ الصوتِ ذاتُها، وإنْ غلَبَ عليها حفيفُ السنين، وإنّها النظرةُ الحانيةُ الحازمةُ ذاتُها التي كانت تُخْضِعُ الفصلَ بأكملهِ بهيبتِها وحكمتِها.

جلست أمامه، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث. ما زال يحفظ أسماءنا جميعا، يذكر حكاياتنا الصغيرة، يضحك من مواقفنا الطريفة. سألته عن سر هذه الذاكرة، فقال: "لأنكم كنتم أغلى من الذهب، كنتم المشروع الذي استثمرت فيه حياتي". تحدث عن التعليم بوصفه رسالةً سماوية، وعن المدرسة بوصفها معبدا نُعَلِّم فيه أبناءنا تقديس العقل والروح معاً.

ما بين استقباله وتجاذب الحديث ارتسمت على وجهه ابتسامةٍ نقيةٍ صافية، كأنّها شمسُ شهرِ آذارَ في قرانا الجليلية. قال: " هل ما زلت تذكر يا بُني؟" فقلتُ: "وكيف لي أن أنسى منْ غرسَ فيّ أوّلَ بذرةِ معرفةٍ، وسقاها بحبِّه وصبرِه حتى استوتْ على ساقها، كيف لي أن أنسى منْ علمني أنَّ الحرفَ نور، والكلمةَ مسؤولية والعلمَ رسالة.

جلسنا وكأنّما بيننا حصصٌ لم تنتهِ بعد. حدّثني عن مسيرتِه الطويلةِ في التعليم، عن جيلٍ حملَ المشعلَ ومرَّرهَ لمن بعدَه. حدّثني عن الجليل، عن أرضِ الأجدادِ والصمود، عن جبالِها الشامخةِ التي تروي قصصَ الكفاحِ والعزيمة. ثم مدّ يده إلى كتاب وضعه على المنضدة، وقال: "هذا هو عصارة ما جمعت". فأخذته، وإذا هو كتابه الجديد: "أعلام ومنارات من أعالي الجليل". غلافه يحمل صورة الجبل الشامخ، وداخله سِفْرٌ من التراث والتاريخ والبطولة، يحكي سير أبناء هذه الأرض الطيبة الذين صدحوا بالحق، وعلموا وبنوا، وكانوا منارات تهتدي بها الأجيال. كتبه بدم القلب، وحبر الأمل، وبخط اليد التي ما زالت تحمل رائحة الطباشير التي كانت ترسم على اللوح الخشبي أحرف مستقبلنا.

قال لي وهو يهديني إياه: "خذها ذخيرةً للماضي، وزادا للمستقبل. لقد علمتكم كيف تقرأون الحروف، واليوم أعهد إليكم أن تقرأوا التاريخ لتصنعوا المستقبل".

تلقّفتُ الكتابَ بيديَّ، فوجدتُ فيه دفءَ الأيادي التي سهرتْ لتحيكَه. تصفّحتُ صفحاتِه الأولى، فإذا هي سجلٌّ حافلٌ بسيرِ الرجالِ العظامِ الذينَ انطلقوا من هذه الأرضِ الطيبةِ فكانوا أعلاما في العلمِ والأدبِ والكفاح، فأناروا الدربَ للأجيالِ التي أتتْ بعدهم.

نظرتُ إلى المعلمِ وأنا أقولُ في نفسي: ها هو ذا يستمرُّ في العطاءِ بعدَ كلِّ هذه السنين. ها هو ذا لا يزالُ المنارةَ التي تهدي، لا يزالُ الأستاذَ الذي يعلمُ حتى عندما لا يكونُ هناكَ فصلٌ ولا تلاميذٌ بالمعنى التقليدي. لقد جاءني اليومَ ليعطيني درسا جديدا، درسَ العطاءِ بلا حدود والوفاءِ للجذورِ والأرض والإصرارِ على أن تتركَ أثرا جميلا في هذه الحياة.

لم يكنْ لقاءً عاديا، بل كان حدثا استثنائيا اختزلَ خمسةً وخمسين عاما في لحظاتٍ من الحنينِ والامتنان. كان تذكيرا جميلا بأنّ بعضَ الأشخاصِ لا يغيبونَ عن حياتنا، بل يظلّونَ فيها كالنجومِ التي تُضيءُ سماءَنا حتى عندما تغيبُ عن أعيننا.

غادرَ المعلمُ، بعد أنْ غمرني بحبِّه وحكمتِه، وتركني وكتابَه الثمين. جلستُ أتأمّلُ الغلافَ من جديد، وأنا أعلمُ أنّ هذا الكتابَ ليس مجرّدَ حبرٍ على ورق، بل هو شعلةٌ من نورٍ سُلّمتْ من يدِ المنارةِ نفسِها. إنّه تذكارٌ ثمينٌ من زمنٍ جميل، وإهداءٌ من رجلٍ صنعَ من التعليمِ رسالةً، ومن الحرفِ فنا، ومن التلميذِ إنساناً.

شكرا لكَ أستاذي.. شكرا لأنّك لم تتوقّفْ عن كونكَ معلّما حتى بعدَ كلِّ هذه السنين. شكرا لأنّك تذكرتَ تلميذا غابَ عنكَ منذُ أكثرَ من نصفِ قرن. لقد علّمتنا ذاتَ يومٍ أنَّ الجليلَ في القلبِ لا يغيب، وأنّ المعلمَ في الضميرِ لا ينسى. واليومَ جئتَ لتؤكّدَ لي هذه الحقيقة، فزُرْتَني وزرْتَ قلبي بذكراك، وزرْتَ عقلي بفكرك وزرْتَ روحي بوجودك.

تلميذكم

طه دخل الله عبد الرحمن

البعنه == الجليل

15/09/2025  



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق