في عش الدبابير
صرخة العاجز وشوشات وأنين
"أنا ومحكمة الأحلام "
القاعة
(إضاءة خافتة.
جدران ضبابية تتحرك،
سقف يتنفس ببطء،
الأرضية مرآة تعكس الوجوه لا الأجساد.
طارق يدخل متردّدًا.)
طارق بهمس : أين أنا؟
هذه ليست يقظة،
وليست نومًا
إنها مكان يختبئ بينهما.
صوتي الداخلي: أنت في قاعةٍ ليست لك وحدك،
لكنها بُنيت من أحلامك أنت.
تجلس "ليلى" في مقعد بعيد،
ظلها يسبقها إلى الأمام.
ليلى : مرحبًا بك، أيها الشاهد والمتهم معًا.
هنا لا محامٍ ولا خصم،
الأحلام نفسها ستقف أمامك.
حلم الطفولة
(يظهر طفل صغير يحمل لعبة خشبية مكسورة.
خطواته بلا صوت.)
الحلم: لماذا تستدعيني الآن؟
كنت أرافقك، كنت أُشعل دهشتك،
فلماذا تتهمني بأنني تركتك؟
طارق : كبرتُ، وابتلعتني جدران الواقع.
الحلم: لا تكذب
أنت الذي خفت من الدهشة .
ليلى تبتسم بحزن
ليلى : لا تحاكم طفلك،
فهو لم يخنك.
أنت الذي نسيته عند أول منعطف.
حلم الحب الأول
(امرأة غامضة، وجهها نصفه نور ونصفه ظل،
تحمل رسالة ممزقة.)
الحلم: أنا الذي أعطيت قلبك معنى،
ومع ذلك تركتني أموت في منتصف الطريق.
طارق: كنتَ وعدًا هشًا،
لم أجرؤ على حمله.
الحلم: بل كنتَ أنت هشًا،
لم تحتمل أن تحيا كاملاً.
ليلى بصوت هادئ : لا تبرر، أنت لم تهزم الحب
بل خفت أن ينتصرك.
حلم المجد
(ظل طويل، يرتدي عباءة من نار،
يلوّح براية لا تُقرأ.)
الحلم: أردتَ أن تصعد،
وأنا أعطيتك سلّمًا من ذهب.
لماذا توقفت؟
طارق: لأن الذهب احترق بين يدي.
الحلم: بل لأنك توقفت عند أول جدار،
خائفًا من صورتك في عيون الآخرين.
ليلى : المجد لا يُعطيك وجهًا جديدًا،
بل يفضح وجهك القديم.
المواجهة
(الأحلام كلها تجتمع، أصواتها تتداخل:
الطفولة، الحب، المجد، أحلام أخرى غير مسماة ،
العودة، الفقد، الأمنيات المؤجلة.)
الأصوات: نحن لم نخنك
أنت الذي هربت.
نحن لم نتركك
أنت الذي غلّقت أبوابك.
(طارق يصرخ في مواجهة الظلال.)
طارق : إذن من المسؤول؟
أأنا؟ أم أنتم؟
أم أنني مجرد رهينة لأشياء ،
لا أعرف من أين جاءت؟
القاضي
(كيان ضبابي يتشكل،
نصفه نور، نصفه عتمة،
صوته عميق كأنه يأتي من بئر بلا قرار.)
القاضي: لا حكم هنا.
هذه ليست محكمة للعدل،
بل مرآة للروح.
الحكم سيُكتب حين يذوب آخر حلم في صدرك.
(القاعة تهتز،
الضباب يتفتت،
المقاعد تتلاشى،
يبقى طارق وليلى.)
الوعي
(إظلام كامل. لا مكان، لا زمان.
فقط صدى يتردد بلا بداية ولا نهاية.)
طارق بصوت يتشظّى :
أنا المتهم ، أنا القاضي ،
أنا الحلم الممزق الذي لا يعرف ،
إن كان ولد من دمعة أم من رغبة.
كل ما أردته أن أجد مرآةً لا تنكسر،
لكنني وقفت أمام آلاف المرايا،
وكلها أعادت لي وجهي مشوهًا.
هل أنا الذي صنعتكم؟
أم أنكم أنتم من صنعتم خوفي؟
الأحلام هائمة :
نحن لم نصنعك ولم تُصنعنا.
نحن ومضةٌ في مسافة بين غفوة ويقظة.
نحن ما فاض من روحك،
وما تبقى من نسيانك.
نحن طفلك، نحن حبك،
نحن المجد الذي أفلتَ منه.
نحن سلالمك المكسورة
ونجومك التي لم تلمسها.
طارق يتنفس ببطء :
إذن من أنا؟
هل أنا حلم يختبئ داخل حلم آخر؟
هل حياتي يقظة،
أم أن اليقظة لم تكن سوى كذبة طويلة؟
هل أنا مجرد ظلٍّ على حائطٍ لم أره يومًا؟
ليلى (صوتها يقترب ويبتعد، يذوب أحيانًا في صوته) :
أنت كل هذا، ولست أيًّا منه.
أنت الحلم الذي لم يكتمل،
واليقظة التي لم تُشفَ من جراحها.
أنت الصرخة التي تنتظر أن تجد صدى.
أنت محكمة بلا جدران،
وأحكام بلا أوراق.
طارق يتوه في التيار :
أسمعكم تتكلمون بداخلي ،
لكنني لا أعرف إن كنت أسمع،
أم أنني صدى آخر.
أيتها الأحلام،
هل أنتم أعدائي أم أحبّائي؟
يا ليلى هل أنت صديقتي
أم مجرد قناع آخر من وجهي؟
الأحلام بصوت عالي :
نحن لحمك وأعصابك،
نحن دمك حين يندلق في المنام.
لا تفرّق بيننا وبينك
إن فعلت، ستفقد كل شيء.
ليلى هامسة قرب أذنه :
لا تسأل من يحاكم من
اسأل فقط: من سيصحو أخيرًا؟
طارق يصرخ :
إذن
لم تكن محكمة!
إنها أنا
محاكمة نفسي بنفسي
إلى ما لا نهاية!
(صوت ارتطام بعيد،
كأن العالم انكسر لحظة واحدة.
ثم صمت تام.
من هذا الصمت ،
ينبعث همس جماعي،
متداخل، لا يُفهم أوله من آخره.)
الأصوات متداخلة :
ربما نحن جميعًا حلمًا واحدًا
حلمًا لم يجرؤ صاحبه على الاستيقاظ
حلمًا لا يعرف أين يبدأ وأين ينتهي
حلمًا يحاكم نفسه في كل لحظة
ليلى : حلمًا يحلم حلمًا آخر
ولم يستيقظ بعد.
ليلى بصوت عالي
استيقظ يا طارق
جلسة الكهربا جاهزة
ستار
وليس للنمرود سوى خُفي حُنين
وخليك يا شعب غلبان ، عامل زي شخشوبان ، بجسم خشب ، وعيون زجاج ، منين تشوف؟
يا إدريس : جهزت جلسة الكهربا
طارق غريب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق