قراءة في المجموعة القصصية للأديبة هيام الفرشيشي:
العنوان :خيال الموج
الصنف الادبي:مجموعة قصصية
الكاتبة:الاديبة هيام الفرشيشي
عدد الصفحات:95
صورة الغلاف:تمثل امراة تداعب الماء مع انعكاس صورتها على سطح الماء
خيال الموج مجموعة قصصية متكونه من تسع قصص تستجيب لمواصفات القصة القصيرة
والمجموعة تحمل عنوان
أول قصة(خيال الموج)—
والكاتبة الاستاذة الأديبة
هيام الفرشيشي
سحبتني الى عالم أقاصيصهابكل نعومة وسلاسة فوجدتني تحت
خدر عنفوان اللغة
حيث تعزف على أوتار الحروف ليكون للكلمات موسيقى ولون
كما عشت بكل حواسي التداخل العجيب بين الخيال الواقع والواقع الخيال
ووجدتني أنط على عدة حبال في نفس الوقت
فتارة تتقاذفني الامواج
فأغوص في عمق البحر مع سرعة تلاطم الأحداث
سفر في حلم رحلة خيال بنكهة الواقع تذكرنا بأفلام الآكشن الهليودية
مع محاولة اختطاف فتاة هي ابنة لرجل أعمال وتبرز الأحداث شهامة وبطولة المنقذ— فنلهث وراء النهاية لنجد انفسنا على عتبة حلم عابر لحال سبيله مع اشراقة شمس الواقع
وما شدني في (خيال الموج )هو سعة أفق خيال الكاتبة وحضور اللون الأحمر
(لن تكون إلّا صاحبة لباس البحر الأحمر تراوده في فراشه..عليه أن ينير الأضواء ويبحلق في جسدها الأبيض المستدير..) ونلمس هنا التلاعب بدلالات الألوان خاصة في علم النفس فاللون الأحمر يعني الشغف والرغبة بالمقابل نجد اللون الابيض الذي يعبر عن النقاء والصفاء والهدوء وورد هنا ليخفض قوة اللون الأحمر لانه لون محايد
أما (طائر السماء)
في طيات أحداث هذه القصة
يمتزج الأسطوري بالواقع
حيث نقارب طيورا تعشش وتعيش في
السما ءولا تموت كما انها تحسن الانتقام ممن يدنس قداسة التاريخ والجغرافيا اي قداسة المكان والزمان
واذا كان الحلم مجتمعا مسترسلا في خيال الموج
فهو مشتّت في طائر السماء
وهناك تقاطع عجيب بين تفاصيل ذكرى الرحلة وحضور الانسان الفرنسي
الذي جاء لسلب خيرات الوطن وتدنيس معالمه
وطائر الساف يقوم بدور الحارس الامين لكنوز الوطن انه احرس عليه من ابنائه(ومن مذياع الحافلة يتحدث قارئ الأخبار عن سقوط أستاذ تاريخ فرنسي في ممر صخري فجرا وجدت في حقائبه خرائط عن كنوز بالمنطقة كما وجدت على جسده آثار مخالب طائر الساف)
هذا الطائر الوطني الذي ينتقم من الخائن ويشبع رغبة الكاتبة
في الثأر للوطن من العملاء والخونة —هناك لغة البحر ولغة المطر ورقصة الحنين وروح انثى تكتب بطلاقة شاعرة وفصاحة قاصّة...
وأغادر مع حافلة المغادرين
لأجد نفسي في(غافية على ركبة الزمن)
حيث طالعتني أصداء حلم قديم
ممزوجة بالخرافة والأسطورة
هناك الدهشةوملامسة اللامعقول(ارواح سجينة بالحياةوبعد الموت)
طالبة تتقصّى ما حدث في هذه القرية المنسية
والأحداث تفتح منافذ يلجها الخيال بحرية حيث تُفك طلاسم الفج
(أجل كنت أنا من تفطّن إلى تلك العصابة التي تهرّب السلاح عبر منافذ الفج )،
وهنا أجد نفسي بين أحضان
(كوابيس مفعمة بماء المطر)
فأبحر مع الكوابيس التي ما صورت الا واقعا هو تجليات رحلة الذات الى الذات
وتتم الاشارة الى الوضع السياسي المتردي والفساد المالي والإعلامي —باختصار
هو نقل مباشر وبكل أمانة لما آل اليه الوطن
(ومن الحلم الى رنين الهاتف الذي يعيدنا مع البطلة الى الواقع
(أتطهّر من بقايا الحلم)
ورحلة الكوابيس لا تنتهي
—وفي قصة(صاحب العمامة)
يهلّ علي صاحب العمامة ليصطحبني الى عالم الجريمة المتسترة بعمامة التقوى والزهد والنص صور الفساد المستشري بين تجار الدين الذين تناسي الانساني والعيب وامتطوا صهوة الحلال والحرام ،والتأويل الخاطئ لمفهوم القِيم التي وجدت قبل نزول الاديان السماوية
وما العمامة الا رمزا للنفاق والاتجار بمشاعر البسطاء ،والعقول الجوفاء التي سيطر عليها الفكر الخرافي(منزل مسكون)
وحضور الماء يعني التطهر من دنس الفكر المتحجر
ومع رافائيل يسرد قصة قديمة
في ذاكرتي شجرة سرو—فالشجرة هي القادح وسفر في الذاكرة مع هذا الخفاش المسالم الذي نسجت حوله الاساطير
فهو مصاص الدماء وهو سبب انتشار الوباء في اشارة الى الكورونا
وبتداخل عجيب بين الأحداث
نرى قرية وهان الصينية
تقف جنبا الى جنب مع الفنان(يوهان هنريخ فوسيلي فنان الرعب القوطي رسام لوحة الكوابيس
كما يتم استعراض الصمت والشلل الذي احدثه الوباء
وعودة الى الحلم(كان علي ان أقص الحلم لأكثر من طرف
ويوهان الرسام في الواقع قد يعوضه رافاييل في الحلم(كان رجلا من الزمن القديم رزح به الوباء الى العالم السفلي
فانت تعايش الأحلام والكوابيس وتتنقل في عالم عجائبي فريد من نوعه من نسج خيال كاتبة تطوع الأحلام وتروض الكوابيس
ومع قصة(شياطين الغابة)
حريق الغابة التي هي رزق متساكنيها الباقي
انها حكاية مفتعلي الحرائق المدبرة والمتزامنة التي يستفيد منها السياسي والإعلامي
والبرجوازي
تحت عنوان فلسفة( النار لا تحرق بل تضيء)
وتعري الكاتبة حقيقة قائمة الا وهي اذا اردتِ ان تغزو بلدا ادخله باهله
هكذا فعل شياطين الغابة وعلى رأسهم هذا الذي فتح لهم ابواب الغابة وكشف سرها لنرى عبدة النار يقيمون طقوس النار على ملك غيرهم حيث يحافظون على وطنهم ويدمرون اوطان غيرهم
ويكفي الوطن عميل واحد ليحترق ويدمر ويقسم الخ
في قصة(أهازيج ناي جنائزي)
نعيش مع الكاتبة مهرجان الرعاة وحفلات الرقص ونرافق الراعي عازف الناي وهو يروي للإعلام قصة الراعي الشهيد
ونعود إلى الواقع باسترجاع
قصة مبروك الراعي الذي ذبحه الإرهابيون في مرتفعات جبل مغيرة في الجنوب التونسي
هذا الجبل الصامد الذي عاش ملاحم المقاومة والنضال إبان حقبة الاستعمار الفرنسي
يصبح مأوى ووكر للإرهاب
ونقف عندما ام الشهيد وهي تهزج كلمات جنائزية تعبيرا عن حزنها (يشير أحدهم إلى أم الراعي وقد تحلقت حولها النسوة في خيمة تترنم بصوت طاعن في الحزن-يا عين نوحي....)
وتردد الارض والجبال والسماء صدى حزن أم ثكلى....
وأطرف ما في أسلوب قصّ الكاتبة- هيام الفرشيشي المراوغة حيث تجعل النهاية تخذل كل توقعاتك وتلقي بك في غياهب جاذبية سحر النهاية الخارقة والعجائبي والفوق العادي ولا يمتّ للمتوقع باي صلة....
لدرجة انني حاولت قراءة كل قصة من هذه المجموعة القصصية من النهاية لأعود الى البداية...فاستنتجت ان البداية يمكن ان تكون نهاية تتعدّى التوقعات...
وكقارئة صدق فيّ
قول(تزيفتان تودوروف)
أن العجائبي ينهض أساسا على تردد القارئ الذي يتوحد بالشخصية الرئيسية منفعلا أمام غرابة حدث لا يمكن إدراكه أو تصنيفه نهائيا...
وهذه المجموعة القصصية جنحت بي الى عالم غريب وساحر
ولا أستغرب الأمر لأن (للعجائبي أصول في الموروث العربي كمفهوم وكنص قبل ظهوره كمصطلح في الأدب الغربي) وسعة اطلاع الكاتبة على الأساليب السردية تسمح لها بذلك
وتستمر رحلة الكوابيس
والحديث عن الخفاش يطول
حيث في قصة(للخفاش أثر) نجد انفسنا مع المحقق نقتفي اثر الخفاش هذا الكائن المخيف الذي يبث الرعب في الاطفال ويعطي الكهول فرصة لنسج حكايات حوله
هذا الخفاش الذي مثل في قصة(رافاييل يسرد قصة قديمة) الكائن المسالم المتورع عن الأذى والذي يحب العزلة وجدته شريرا يعتنق إلحاق الضرر بغيره بكل سادية حيث يكتب رسائل تهديدبالحبر السري المعطر بالليمون يرسلها لطبقة معينة من سكان المدينه
هم ( اصحاب الأقلام)
وكاننا امام صراع الخير والشر او العلم والجهل
خفاش يتعقب العقول النيرة وما اكثر الخفافيش التي تستهدف
الطبقة المثقفة الواعية
لانها عدوها اللدود...
شخصيا تابعت الأحداث
وانا الهث وراء نهاية الخفاش الذي(حلق بعيدا الى أعالي السماء تشوشت أجهزة الرادار التي كانت ترصد حركته رجمته النجوم ورمت به الى خندق العدم)
وبقصة للخفاش أثر
أنهيت هذا الحج الادبي لهذه المجموعة القصصية التي سافرت بي بعيدا في مركبة المستحيل الممكن والممكن المستحيل
ومن خلال قراءتي المتواضعة لقصص هذه المجموعة
لمست ان الكاتبة تؤسس لأدب الكوابيس وأدب الجنون
كما لمست نقدا للواقع السياسي والاجتماعي وهجوما سافرا على العقل الخرافي العقيم
كما عايشت امتزاج الحلم بالواقع
كما لاحظت
حضور المدينة والبحر والماء والحلم والكابوس
حضورا صارخا
مع اختلاف التوظيف الادبي بحرفية كاتبة تملك ناصية الأحداث
وتسيرها في انسيابية وانسجام
فائزه بنمسعود

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق