الأحد، 29 أكتوبر 2023

قوافل من شضايا الهموم *** بقلم الشاعر علي مباركي

 قوافل من شضايا الهموم *** بقلم علي مباركي

افلس النبض طاقتي فاشتددت أوجعي
اثخن السيل، شل افناني وهز مضجعي
كم خبت في الوجدان بها تصدعت أضلعي
شادت الأوهام بمفرقي غرة في أفق مطلعي
لا شذوذ فيها ولكنها لم تكن منبع مقطعي
ساوت الأوبار بالقران المفرد بأعلا مرتعي
كم أعناني يا فؤادي من ضيم في مهجعي
هل جنوحي عن ذنوبي ساه لا ولن يشفع
علي مباركي
تونس في 29 اكتوبر 2023

مَاذَا تَـقُـولُـونَ لِلـتَّارِيـخِ؟ بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف... تونس.

 مَاذَا تَـقُـولُـونَ لِلـتَّارِيـخِ؟ إِنْ سَكَبَتْ

كُـلُّ المَـحَـابِــرِ حِـبْـرَ الــعِـزِّ والأَدَبِ؟
كَيْفَ سَيَذْكُرُكُـمْ أَحْـفَادُكُـمْ عِــنْدَهَا؟
يَا لَهْفَ نَـفْـسِي عَـلَى قَوْمٍ بِلَا عَـتَـبِ
مَاتَـتْ كَرَامَتُـهُـمْ فِـي زَمَـنٍ كَـثُـرَتْ
فِيهِ المَـطَامِعُ: هُمْ لِـلـنَّـهْبِ والـسَّلَبِ.
قَدْ طَـبَّعُوا، وَيْحَـهُمْ، مَعْ قَاتِـلٍ إِخْوَةً
فَـهَلْ يُرَى، بَـعْدَ هَذَا، أَعْجَبُ العَجَبِ؟
حمدان حمّودة الوصيّف... تونس.
Peut être une image de 3 personnes et texte

الى درة الأقصى بقلم الأديب سعيد الشابي

 الى درة الأقصى

ما أقدس أن تمـوت ،
وأنت شهــــيد...
يا ولــــــدي...
يا درة الأقــــصى ،
الى الأبــــد...
أرادوا قتلك نقمــــة ،
نكالا ، صلفا في النقم ،
فكنت الشعلـــــه...
وكنت الـــدرس ،...
لمن لم يفـــــهم .
قتلـــــوك...
في حضـن أبيــــك ...
قتلــــــــــــــوك ...
امعــــــــانا في الصلف ،
فكنت النــــور ،
وبت النــــار التي ،
لن تنطـــــــفئ ...
* * *
الكل نعلـــــــم ،
الكل نـــــــــدرك ،
أنك لم تمـــــت ...
وان الله،..
أحياك الى الابـــــد.
بلامس أســـــــــرى،
بنبيــــــه لــــــــــيلا،
الى الاقصى،..
من الحـــــــــــرم.
واليوم،..نـــــــــهارا،
بك اســـــــــــرى،
الى ملكوت، هو الاعلى
في قـــدس العوالم...
يا نبيا ، صغــــــيرا،..
غض البــــــراءة،..
قـــــد أوحى...
اليـــــنا ما اوحى،
أننا ، شعب ذو بأس
من محيط الى خليج
خـــــــدر،... ولم يــــنم.
لا اليهود،.. قتلـــــوك،
لا... ولاالنصارى... بل،
زعــــــــــماء،... عفوا،
جبـــــــــــــــناء...
خفافيش قـــــــومي،..
بي... وبـــــــــك،..
وبالشعوب،قد نذروا.
ذبحـــــــــــونا...
لعــــــــدونا، قدمــونا،
قربــــــانا،.. أباحونا
مرضاة ربة عبدوها.
خــــــوفا، أللهـــــوها،
كي لا ينحــــــوا،
والقصور لن يبرحوا
كذا حكامك ، يا ولدي ،
اجسام ذل،.. كستهـــم،
جـــــــلابيب عــــــــار.
دون حياء، ينبطحون،
يركعون، ويسجدون،..
ليكـــونوا اســـودا،
على الشعوب تزار.
بل كلابا،.. مسعورة،
علينا تكشــــــــر...
تقمعــــــــــــنا،
لمجـــــد حطمـــوه،
في قصورهم،.. وأدوه،
على صدور القحاب،
تكــــــــــــسر...
دفنــــــــــــــوه،
فى حجور العاهرات،
بين قوارير الفجور،
وفي .الف.....، تحجر.
* * *
هم يخافون الجهاد،
لذا ولـــــووا الادبار،..
وسيماهم،.. أفواههم،
على وجوههم ادبارا.
ان تكلــــــموا، ما
نطقوا، بل ضــــرطوا
وان ضحكوا، اشاعوا،
ذلا كــــــريها، وعارا...
نخونك والله،.. يا ولدي،
لو اوقفنا الجــــــــهاد،
لو اخمدنا الانتفاضة،
من بعد مـــــــوتك...
لو ننــــــــساك، او
نتــــــــناسى صوتك.
ابدا،..ياشهيد القدس
لن يغيب طيفـــــــك.
وتاالله،..هـــــــــدرا،
لن تضيع دماؤك،
أو يستكين روحك.
سعيد الشابي

جنة في السماء بقلم د.حسين موسى

 جنة في السماء

بقلمي د.حسين موسى
في غزّة صبرٌ لا يطيقه البشر بما
أوتوا من جلادة وهي خصال الأنبياء
وكأن الله خصّ لهم في جنانه
غُرفٌ سكنها أطفالٌ وشيوخ ونساء
لم يفجعهم الله ببعضٍ أرواحهم
عرجت كما نصلي جمعاً لربّ السماء
هناك أثاب الله حصارهم وجوعهم
وعطشهم وغدر أخوتهم فارتقوا شهداء
فقد أخبرنا ربّ السماء عن الفردوس
وعَدْنٍ وعليين والمأوى وكانت لنا إنباء
وأحسب أنّ من غُرَفِ الجنان غزّة
كانت لأبناء فلسطين بعد تهجًيرهم إيواء
يارب ما خاب رجاؤنا فيك ولن
نتقوّل على ما لم تسمّه لنا وما جاء
تكالبت عليهم الأمم تكالب الأكلةِ
على قصعتها وخاب في إخوتهم الرجاء
فاحكم يا رب بيننا ونحن بين أصابعك
تقلّبنا في الثواب والعقاب بما وكيف تشاء
فهل يستوي من ملك الأمر بندقية
أو سيفاً و مدفعاً وغيره كمن ملك الدعاء
فالنهي عن منكر ٍ بيده أولاً أو بلسان
أو القلب وهذه تكون لمؤمنين ضعفاء
فيا غزّةَ الله لن تهدي العميَ أو من
ضلّ وهو يراك تحترقين صباح مساء
هذا مقام العابدين والعارفين يا غزّة
وعزّةُ الله أن اختارك ليصطفي الشهداء
يا ابنة فلسطين لا تجزعي فقد عُجِنَ
تربك بدماء صحابةٍ ارتقوا وكذا أنبياء
وما تحرر الأقصى دون التطهر بك
فاتحين وليس طوفان الأقصى انتهاء
فيا أيها الملائك لا تنزلوا على غزة
بأكفانٍ وحنوطٍ فدمهم عطّرالسماء
بل احملوا قوت الجنان لبناً وعسلاً
لأطفالٍ قضوا وعن العروبة كانوا فداء
صاموا عن حليب أمهاتهم قسرا وما
كتب عليهم صيام ومن الذنوب برءاء
عذرا ملائكة الله فقد أرسلوا لنا أكفانا
ونسوا أن الشهيد يوارى بثيابه والدماء
عذرا رسول الله فقد غيّروا سنّتك
بشهداء بدرٍ وما كان لهم بك اقتداء
د.حسين موسى
كاتب وصحفي فلسطيني

لماذا تبكي القصائد ؟؟؟ بقلم الأديب سعيد الشابي

 لماذا تبكي القصائد ؟؟؟

تنزّلت عليك القصائد ، يا وطني
حــزينة باكيه...
وسألت أقــداري
لماذا تبكي القصائد ؟ : قالت
انها عـربية مسلمه
قلت : تعنين يا أنت؟
ما أنا بالفاهم ، ولا المستوعب
قالت: لأنك مسلم عـــربي
أطرقت الى الوجود أســأله
قالت لي الــكائنات
في ذاتك الجواب ...ألا تعقل؟
وسألت الوجود الذي
أنا فيه تائه أتخبـط
أجابني الكون : قل اعرجـوا
أو في البحارغوصوا وانظروا
وانزويت الى الرمال
رمال بلادي الصفراء كعقاربها
والشهـــباء كأفاعيها
والضمآنة كزواحفها الفــارة
من الرمـضاء والهجير
أشكو عطشي ، أشكو غضبي
واذا الفراغ منها ثعبان طالع
يمتص دماء جريحة
على جثمان حقّ ، يردّد
يبكي با ولــدي
كل من اغتصـب عنزة
كل من ركب جحــشا
عليه تخـطى حغر الكبت
ويبــكي يا ولدي
كل من عانق حــصانا
على ظهره اجتازأودية الحرمان
ذاك حكــم القدر يا ولــدي
حـتى الدجاجة لم تسلم
ماتت المسكينة...
ولم تر النــور بيضتها...
واختنقت بيضتها ملطخة بأحشائها
ويبـــكي يا أنت
من لا يتـحرك ، وهو يبــصر
ناقة القوم تعقر ،
شيخ القبيلة ، الى نسي يـتوسّل
أمّه تحت الركــام تـــوؤد
زوجته تبقر ، والكبد يتــمزق
وأخته من عفّـــة ، تسلـب
تـــموت قهرا ، ...تحلم
والجميع تكفّــــنه
شــهادات طبية مزيفه
شــهادات فنّية معقده
شـــهادات فـضائية مركبه
حـتى الشـهادات ، يا ولدي
وقفت ، الى جـانب المعتـدي
وقد زكّاها ديـن متجـــدّد
قالوا : معتدلا ، متحضـــرا
يحترم الأصنام ، بالعنف يـندّد
عــدساته تبصـــر
كمن برسـم الحاء باء
على لوح تأريخ تعامت مرآته
لئن بكى ،...لا يجــد
في مـــآ قيه دمــــوعا
تغسل صعيدا طيّبا ...
على أعــتاب نــجاسة
تـــرامت شــضاياه تنــزف
وتهطل الفتاوى تغازل ،
جيوب الغاصب....
تـــعانق الشـــهادات العنيفة
تجر القانون ، الى حجرة الظلمات
الى المـــلفات البا كــيات
والـــدفاتر الحزينه
حيث تدفن ـ شتى المظالم
منها يصّعد ، بكاء المستضعفين
فيها يصول ، صوت الظالمين
يسجّل غـــياب العدالة
والقاضي ،أصدر الحكم ، قبل الوضوء
وخمر البارحة ما زال في جوفه
لم يتقيأه ، لم يبله ، لأنه يدرك
أن مقر، التجارة ، يستعمــل
حق النقض ، ضدّ من صلى وصام
والعدالة بقيت ، بنادي القضاة
تسكر ، ترقص، نغازل السياسة القطبية
ودولة القانون ،..
على أوتار المؤســسات ، تعزف
ألحان الكونية ، وأغاني الدولار المسيطر
وأبــكي مع الباكين ،...
كيف لا ؟؟؟ ياولـــدي؟؟؟
وجاري بالجنب ، ينتشل محفظتي
يســرقني ، يـــراود زوجـــتي
ودموع الجميع تنحدر ، من كثرة الحزن
من كثـــرة الضحك ...وأخي
يزور بكة اتجارا ، يعطي عدوي سلاحا
به يـــرهبني ، يقـــتلني
تحت جناح حجّ قام به من مال فاض ذلاّ
غـــزا الجبـــناء في وطني
فقراء العـــقول والـــذّمم
والتهم على بنيّ موزّعة ،
كتوزيعها بين السجون ...
دون حــكم ولا بيّنة...
بربكم ، يا سادتي : لا ترجموا الشيطان
بالحجارة ، بالأحذية ، وأنتم الحفاة
والطائرات من فوقكم ، بالقنابل ترجمكم
بالقهر تميتنا ، بالحقد بالصلف
والضمائر فينا تغفو، تتلاشى وتنعدم
وسط الدخان القاتم ...فتغيب القبلة
ويبكي المسلمون والعرب...
وتبكي القصائد ،...
وقد سئمت نعـــيقنا المــناير
سعيد الشابي

الامام علي وعروبة اليوم بقلم الشاعر عبد الغني يحيى اليحياوي

 (الامام علي وعروبة اليوم)

ماأصدق القول ان لم ينض بالصدقِ
وأكذب القول حين موعد الحقِّ !
في أمة سمسرية مطقطقة
بلهاء غارقة في الرقص والدقِّ
حتى اللباس علينا اليوم منقصة
والنوم عارٌ لنا يا معشر البقِّ !
أبا الحسينين عن ماذا أحدثك
عن الدعارة أم متافل البصقِ ؟
نعلو على الأمم الأخري مفاخرة
ونحن من أرذل الشعوب والخلقِ
وندّعي الوطنية المشرّفة
وكلنا عملاء الغرب والشرقِ
نصتفّ معهم ونحن لا نقلدهم
إلا بملبسهم والرقص والحلقِ
فما يفيد التحدي والمفاخرة
وقد تدسس أصل الجنس والعرقِ ؟
تبارز الأمم الأخري بوحدتها
ونحن نسعى إلى التفريط والشقِّ
غاثوا مواطنهم بالخير والعمل
ونحن نمطرها بالرقص والعشقِ
لا تمطر السحب السوداء غيمتها
إلا اذا حرّكتْ بالريح والبرقِ
يا أمتي هذهِ أسباب علتها
لا ينصر الله أهل العهر والفسقِ
فكيف تحلو لنا الدنيا وقوتها
وكل شيءٍ غدا معهم وما بقّوا
بقلم /عبد الغني يحيى اليحياوي
29/102023

كلم الكاتبة مسعودة بوبكر في اللقاء الذي نظمته إذاعة تونس الثقافية عشية أمس بمدينة الثقافة بتنسيق الإعلامي سفيان العرفاوي لتكريم روح فقيد الساحة الإعلامية والثقافية والأدبية الأستاذ محمد بن رجب في أربعينيّته ...

 كلمتي في اللقاء الذي نظمته إذاعة تونس الثقافية عشية أمس بمدينة الثقافة بتنسيق الإعلامي سفيان العرفاوي لتكريم روح فقيد الساحة الإعلامية والثقافية والأدبية الأستاذ محمد بن رجب في أربعينيّته ...

*** *** ***
أُسعِدْتَ حيث أنت يا صديقي سي محمد... في ظلال رحمة الله وعفوه وكريم قبوله... ولتنعم في مأواك بفيض رحمته...
ها نحن نلتقي حول ذكرك واسمك الذي لن تطويهما صحف النسيان في خاطر من عرفك وأحبّك.
ها نحن نلتقي في تحيّة ليست الأخيرة ولكنها الأولى بعد أن فارقت دنيانا... وكنت لا تذر فيها موعدا ثقافيا إلا واكبته، ولا احتفاء بأحد أصدقاء من كلّ جيل، إلا وكنت السبّاقَ لحضوره، وما من حدث طفى على سطح الأحداث وشغل الخواطر إلا وأبنْتَ عن رأيك منه وموقفك ...لا بحسّك الصّحفيّ بل بكلّ وجدانك الذي أورقت فيه حدائق حسّك الإبداعيّ والفنيّ وفروع الثقافة وشؤون الفكر بكلّ ألوانها.
من ستة أشهر كان لي آخرُ لقاء معك في بيتك مع ثلّة من أصدقائك وأحبابك ظللت أحاول جاهدة أن أثبّت الابتسامة على ملامحي و أن أمسك دمعة تصرّ على أن تطفرَ فأمنعها، وأنا أراك وقد تغيّرت. يرسم المرض سطوته على ملامحك وحركتك. أمسك دمعتي وانا أراك لم تتغيّر في حديثك، وذهنك الحاضر وإمساكِك بجوهر النقاش الذي تنامى، وإنصاتِك لما فاضت به قرائح الحاضرين من شعر. لقد جعلت من زيارتنا للاطمئنان على صحّتك لقاءً فكريا وأدبيا بامتياز... تشيع فيه تلك الحرارة والحيوية التي أعادتني إلى صيف 1988، أوّل مرّة التقيت بك فيها مباشرة عن قرب، كنت حينذاك المشرف على الصّفحة الأدبية بجريدتي الصّدى والصّباح حيث دأبت أن أنشر - بإشرافك – تجاربي الأولى في القصّة. وكنت المؤسّس لمهرجان الأدباء الشبّان المنعقد في شهر جويلية بدار الثقافة الطيب المهيري بحيّ الزّهور. ولمست حضورك وإشرافك على ذلك المهرجان الحدث، وإصرارك على أن يقام كلّ سنة رغم ما ندرك وما لا ندرك ما كنت تلقى من صعوبات بكلّ الأنواع، كان ذلك درسا في الثّبات من أجل الهدف، والمضي قدما رغم أنف العراقيل. لمست فيك سندا لا ينتظر جزاء ولا شكورا لخطى بداياتنا في عالم الكتابة والإبداع . كان الأستاذ المغفور له سي مصطفى الحناشي مدير دار الثقافة حي الزهور بحفاوته وابتسامته المعهودة يحاول جهده أن تمرّ أيّام المهرجان في ظروف مرضيّة. ظلّ مهرجان الأدباء الشبّان يستأثر باهتمام كلّ من عشق الكتابة وخاضها بتولّه. تظاهرة من الوزن الثقيل إن صحّ التعبير، منه برزت جلّ الأسماء التي اشتدّ عودها، ثمّ باتت معروفة. أثرى أغلبها المدونة التونسية والعربية، شعرا وسردا ونقدا.. كنّا نعيش أيّام المهرجان كما لو كان عيدا نلتقي فيه أصدقاء جمعتنا صحيفة الصدى تحديدا. يفدون من شمال البلاد وجنوبها، ومن وسطها وسواحلها. لقد استطعتَ أن تجعلنا جيلا بعد جيل نشعر أننا ننتمي إلى أسرة واحدة، تحديدا ما عرفت من جيلي، في الثمانينات. على امتداد سنوات جمعنا المهرجان فيما تتالى من مواسمه باعتبارنا متسابقين ثمّ مشاركين في لجان التحكيم ومتابعين مشجعين. وكما يحدث في كل الأسر حلّق من كبر واشتد عوده بأجنحته في أفق الإبداع والتحق بها من الولوعين الجدد برؤى جديدة ومختلفة.
كنت ربّان السّفينة وقائد المركبة بلا منازع بحضورك الغامر محبّة وحفاوة واعتناء، وبعينك التي تتابع كلّ شاردة وواردة. فلا تكتفي بنشر النّصوص في الأركان الأدبيّة عبر صحيفة الصدى وصحيفة الصباح آنذاك، بل توفّر لنا فرص اللقاء بأسماء في النّقد أذكر منها الأستاذ المرحوم المنجي الشّملي والمرحوم أبو زيّان السّعيدي والمرحوم عبد الله صولة. وأذكر كذلك ملاحظات الأستاذ مصطفى الكيلاني التي كنت تنشر فحواها في الصّفحة الأدبيّة.
كنتَ لي بصفة خاصّة، اليد التي تشدّ على قلمي وتحثّه على الثبات فيما يهدّده من ظروف الوظيفة، وانشغالي بأسرتي وضيق الوقت. أشكو إليك تارة هذا الوضع فتشحنني بقولك" أنتِ لها لا إفراط ولا تفريط لا في رسالتك الأسرية ولا في عالمك الإبداعي ولا تحمّلي نفسك ما لا طاقة لها به، إذ عشق الفنّ وممارسته معادلة صعبة لا يقدر عليها إلا الولوع الصّادق وأنت من هذا الصنف." ظللت مواكبا لخطاي تمدني بعناوين كتب في النّقد وتشير عليّ بالاطّلاع على مؤّلفات ظهرت حينها، ومن الأهميّة بمكان. ثمّ وأنا أنشر تجاربي الأولى، وأنا أكتب البطاقات الأسبوعية على أعمدة الصحف المحلية والعربية، لم تعدم كلمة تشجيع أو ملاحظة لتدارك فكرة ما، دون أن تشعرني، وأنت المعلّم، بتلك الوصاية الثقيلة، بل بنديّة المحاور. كنت حاضرا في مجالس احتفائية بتجربتي المتواضعة، وشاهدا على مرحلة، منتظرا منّي المزيد وبنفس جديد.
ظلّ خيط الودّ موصولا وكذلك الاستئناس بحضورك في اللقاءات الثقافية الفكرية. عمادٌ في المشهد الثقافي الإبداعي، وعلم من أعلام الصحافة وصديق متواضع نصوح حفيّ بأصحاب الأقلام . حين التحقت بلجنة التحكيم في مسابقة الكومار الذهبي للرواية العربية كان ذلك برعايتك، وتعلّمت من حضورك منسّقا صلب اللجنة. كنت صاحب مقترح أن تضيف تأمينات الكومار مسابقة للرواية باللغة العربية في الدورة الثانية من تأسيسها. إذ بعثت في البداية بصفتها مسابقة للرواية باللغة الفرنسية فقط. فسعيت لإقناع منظّميها أن تشمل الرواية العربية أيضا. وتحقّق ذلك، ولم تنقطع عن مواكبة هذه المسابقة المحليّة المهمة للرواية، فضلا عمّا يجدّ في السّاحة الثقافيّة، حتّى وأنت تلتحق بالمنظمّة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).
لئن استطعتَ أنت متابعة الكثير منّا حتّى بلغت نصوصنا المطابع، وعُرضت في رفوف المكتبات والمعارض المحليّة والعربيّة، فلم ننجح نحن أصحابك وأحبابك في أن نقنعك بجمع ونشر ما يضجّ به الخاطر وما تخزنه الذاكرة لديك لما فيه من أهميّة الشّمول حتّى لا يذوب في مجرى النسيان.. فضلا عمّا تكتبت من افتتاحيّات، أذكر أنّك أخبرتني بولعك بالقصة القصيرة وأن لك فيها تجاربَ وأيضا في الشّعر، وانّك نشرت بعض تلك النّصوص في مجلة الفكر ومنابر ثقافية أخرى، لكنّك لم تفكّر بضمّها في كتاب.، لا النّصوص الإبداعية ولا تلك المتفرّقة في الشّأن العام والفنّيّ والسّياسي. أذكر أنّي سألتك "لم لا تنتقي منها للنّشر في كتاب بل في كتب وأنت ذو القلم السيّال!" وكانت إجابتك حاسمة:" لا... لا رغبة لديّ الآن" ظللت دائما تبدي عدم رغبتك في جمع ما دوّنت وما في الذاكرة والوجدان والفكر... تحمل المصباح عاليا كي تنير درب الذين شاهدتهم يكبرون أمام عينك على امتداد سنوات.
إن أنسى لا أنسى يوم تكريمي من قبل منتدى الفكر التنويريّ التونسي، الدي يشرف عليه أ. محمد المي، فقد أبيت إلا أن تحضر رغم معاناتك للمرض، وأنت ترسم ابتسامتك السخيّة، مثلما عهدتك من سنوات، غير أنّها ابتسامة لم تنجح في أن تحجب الاصفرار على ملامحك المتعبة. وددت أن أجلس إليك بعد حصّة المداخلات غير أنّك سريعا ما غادرت وحزّ ذلك في نفسي.
بدأنا نقرأ لك من مدّة - وأنت تصارع المرض- نصوصا إبداعيّة على غير ما عهدنا منك من آراء حول ما يحدث هنا وهناك، كتابة طفرت فيها الكثير من الأسئلة الوجودية وتأمّلات في الموت والحياة والمرض.. حتّى حصل المقدّر ، ففقدنا فيك الصّديق العزيز والوفيّ الحفيّ المحبّ الذي بات مثيله اليوم قليلا...شخص آمن بالعطاء ورسالة أن يأخذ بيد من آمن بالثقافة وجورها وعشق الفنّ بأنواعه والكتابة تحديدا. فقدنا ذلك الرّجل الذي يؤسّس ويؤطّر ويقدّم دون انتظار مقابل. كما فقدنا ذاكرة ثقافية زاخرة تنطفئ ولم تدوّن - ربّما أكون مخطئة أمام إمكانية وجود أثر مكتوب عند الأسرة الكريمة.
ها أنّي فرد من تلك الأسرة الكبيرة التي رعيت من سنوات... أقف اليوم لتحية روحك في إجلال ووفاء. وفي قلبي ممّا تعلّمت منك ما أنا حريصة عليه أبديه فعلا دون القول.
تقبّل الله روحك بالقبول الحسن، وأبدلك دارا خيرا من دارك، وأهلا خيرا من أهلك ولْتَهْمِ مُزن الرحمة على قبرك وذكرك، من قلوب الذين خلّفت من نسلك، وممن خلفت من أحبابك وبينهم من تبنّيت بالرّوح والمودة والاهتمام وليجعل الرحمان لك عنده المقام الحسن.
مسعودة بوبكر
28 أكتوبر 2023