عِمادُ الرُّوح
ليستْ تُقاسُ المرأةُ بحُسنِ وجهٍ عابرٍ، ولا بزينةٍ تزولُ مع الأيام، ولكن تُعرَفُ بقلبٍ إذا أحبَّ أخلص، وإذا وهبَ أغنى، وإذا حضرَ أزالَ عن الأرواحِ وحشةَ المسافاتِ، فهي النورُ إذا ادلهمَّتِ الخطوبُ، وهي المطرُ إذا أقحلتْ مواسمُ الحياة، وهي اليقينُ حين تتكاثرُ الظنون.
تمضي على دربِ الوفاءِ هادئةَ الخُطا، تُشيِّدُ من الصبرِ صروحًا لا تهدمها العواصف، وتغرسُ في القلبِ بساتينَ الطمأنينة، حتى يُزهرَ العمرُ بعد طولِ انتظار، وتبتسمَ الأيامُ بعد قسوةِ الأسفار.
تعرفُ خفايا الروحِ دون سؤال، وتقرأُ ما تخفيه العيونُ من وجعٍ وآمال، فإن رأتْ حزنًا احتضنتْه، وإن لمحتْ انكسارًا جبرتْه، وإن أحسَّت بثقلِ الدنيا على كتفيه، كانت أوَّلَ من يرفعُ عنه حملَ السنين.
هي الأمُّ في حنانِها إذا اشتدَّ التعب، والزوجةُ في مودَّتها إذا ضاقتِ السُّبل، والعاشقةُ في شوقِها إذا هبَّ النسيمُ يحملُ الأشواق، والأختُ في صدقِها إذا عزَّ الرفيق، والصديقةُ في وفائِها إذا غابَ الجميع، فتجتمعُ فيها أنقى المعاني، وكأنَّ اللهَ جمعَ في قلبِها مفاتيحَ الرحمةِ كلِّها.
وقد تختلفُ يومًا، ويعلو صوتُ العتابِ بين الحينِ والحين، غير أنَّها لا تجعلُ للخلافِ سلطانًا على المحبة، ولا تسمحُ للغضبِ أن يهدمَ ما شيَّدهُ الإخلاص، فتعودُ بقلبٍ أوسعَ من البحر، وصفحٍ أنقى من الغمام.
وأمامَ الناسِ تحفظُ له مكانتَه، وتصونُ هيبتَه، وتكسوه من الاحترامِ ما يجعلهُ عظيمًا في أعينِ الخلق، فلا تُظهرُ نقصًا، ولا تُفشي سرًّا، ولا تُطفئُ نورَ كرامتِه، بل ترفعهُ بمواقفِها حتى يبدو سيِّدًا وإن كان يحملُ في داخله ألفَ تعبٍ وألفَ انكسار.
هي لا ترى الحبَّ كلماتٍ تُقال، بل أفعالًا تُروى، ومواقفَ تبقى، وقلوبًا تُؤنس، وأرواحًا تُحيي، لذلك تمنحُ بلا حساب، وتُخلصُ بلا رياء، وتنتظرُ من الحياةِ أن ترى من تُحبُّه سعيدًا، فتلك عندها أعظمُ الكنوز.
فطوبى لرجلٍ رزقهُ اللهُ امرأةً إذا حضرَت أزهرتْ أيامُه، وإذا ابتسمتْ أشرقتْ دنياه، وإذا دعتْ له فُتحتْ أبوابُ السماءِ، وإذا أحبَّتْ جعلتْ من قلبِها وطنًا لا يعرفُ الخذلان، ومن روحِها مأوى لا تدخلهُ الوحشة، ومن وفائِها عهدًا لا تنقضهُ السنون.
فالمرأةُ السندُ ليست لقبًا يُقال، بل رسالةُ حبٍّ، ومدرسةُ وفاءٍ، وآيةٌ من آياتِ الرحمة، إذا سكنتْ قلبًا أحيتْه، وإذا أحبَّتْ روحًا صنعتْ منها أجملَ الحكايات، وبقيَ أثرُها في العمرِ نورًا لا يخبو، وعطرًا لا يذبل، وذكرى تُخلِّدها الأيامُ في صفحاتِ الزمن.
بقلم عزه كامل 🖋️
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق