الثلاثاء، 7 يوليو 2026

بين صناعة الاهتمام وصناعة الغفلة!! بقلم علي سيف الرعيني

 بين صناعة الاهتمام وصناعة الغفلة!!

علي سيف الرعيني 


لم تعد وسائل الإعلام التقليدية ولا منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات لنقل الأخبار بل أصبحت قادرة على توجيه الاهتمام، وصناعة الأولويات  ورسم صورة الواقع في أذهان الناس. فما يتكرر أمام الجمهور يومًا بعد آخر يتحول إلى قضية عامة، وما يُهمَل أو يُغيَّب يبدو وكأنه غير موجود، مهما كانت خطورته 

وفي اليمن، حيث تتداخل الحرب مع السياسة والاقتصاد والإعلام، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

ففي كثير من الأحيان، تتصدر المشهد قضايا الجدل السياسي، والتراشق الإعلامي، والصراعات الحزبية، والشائعات، والخلافات الشخصية، والمحتوى المثير للانفعال، لأنها تحقق انتشارًا واسعًا وتجذب المتابعين وتخدم في بعض الأحيان أهدافًا سياسية أو اقتصادية أوإعلامية.

وفي المقابل، تتراجع قضايا أكثر إلحاحًا تمس حياة المواطن اليومية، مثل جودة التعليم، وتدهور الخدمات الصحية، وأزمات المياه والكهرباء، والبطالة، والتنمية، وحماية البيئة، ومستقبل الشباب، ومكافحة الفساد، وتحسين الإدارة العامة، رغم أن آثارها تمس كل بيت يمني.

ولا يعني ذلك أن جميع وسائل الإعلام أو المؤثرين يعملون وفق أجندة واحدة؛ فالمشهد الإعلامي متنوع، وتختلف دوافع الجهات الفاعلة فيه. فقد تكون الأولوية لدى بعض المؤسسات مرتبطة بخطها التحريري، أو بجمهورها المستهدف، أو بمصادر تمويلها، أو بالمنافسة على نسب المشاهدة والتفاعل، بينما يسعى آخرون بصدق إلى تسليط الضوء على القضايا المجتمعية والإنسانية.

كما أن خوارزميات منصات التواصل نفسها تلعب دورًا كبيرًا؛ فهي تمنح المحتوى المثير للجدل أو الصادم أو العاطفي فرصًا أكبر للانتشار، بينما قد يتراجع المحتوى الهادئ الذي يناقش حلولًا أو يقدم معرفة نافعة، حتى وإن كان أكثر أهمية للمجتمع.

وتكمن الخطورة عندما يتحول الاهتمام الجماعي إلى ردود أفعال لحظية، فينشغل الناس بقضايا ثانوية، بينما تستمر المشكلات الأساسية في التفاقم بعيدًا عن دائرة النقاش العام. وعندها يصبح الرأي العام أسيرًا لما يُعرض أمامه، لا لما يحتاج إلى التفكير فيه.

ومن المخاطر أيضًا أن يؤدي الاستقطاب الإعلامي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية، وإضعاف الثقة بالمعلومات، وانتشار الشائعات، وتغليب العاطفة على الحقائق، مما يجعل المجتمع أكثر قابلية للتأثر بالروايات المتنافسة، وأقل قدرة على النقاش الهادئ المبني على الأدلة.

لكن المسؤولية لا تقع على وسائل الإعلام وحدها، بل تشمل أيضًا المؤثرين والجمهور. فالمؤثر الحقيقي ليس من يجمع أكبر عدد من المشاهدات، وإنما من يلفت الانتباه إلى القضايا التي تصنع مستقبل المجتمع، ويوازن بين سرعة الانتشار وصدق الرسالة، وبين جذب الجمهور واحترام وعيه.

أما الجمهور، فهو شريك في صناعة المشهد؛ فكل مشاركة أو تعليق أو إعادة نشر تمنح قضية ما مزيدًا من الزخم، أو تترك أخرى في دائرة النسيان. ولذلك فإن الوعي الإعلامي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة، تقتضي التحقق من المعلومات، ومتابعة أكثر من مصدر، وعدم الانجرار وراء كل ما يثير الغضب أو الخوف أو الفضول.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى إعلام يوازن بين نقل الأحداث ومناقشة جذور المشكلات، ويمنح مساحة للقضايا التي تمس حياة الناس ومستقبلهم، دون أن يغفل عن التطورات السياسية والأمنية. كما يحتاج إلى مؤثرين يدركون أن الكلمة مسؤولية، وأن الشهرة يمكن أن تكون وسيلة لبناء الوعي لا لإغراق المجتمع في الضجيج.

وفي الغالب  فإن أخطر ما قد يحدث لأي مجتمع ليس كثرة القضايا المثارة، بل أن يُشغَل طويلًا بما هو أقل أهمية، بينما تتراكم التحديات الحقيقية في صمت. فحين تصبح الأولويات تُصنع خارج احتياجات الناس، يفقد المجتمع بوصلته، ويصبح الطريق إلى الإصلاح أكثر صعوبة، مهما كثرت الأصوات وازدادت المنصات!!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق