أحلام مستغانفي في "المالغ" بتونس:
زيارة تاريخية لإحياء الذاكرة ودعوة لتجسيد الثورة لا تخزينها
زارت الروائية الجزائرية أحلام مستغانفي مقر القنصلية الجزائرية بتونس،الذي احتضن سابقا وزارة التسليح والاتصالات (المالغ) للحكومة المؤقتة،حيث دخلت مكتب المجاهد عبد الحفيظ بوصوف واطلعت على معرض تاريخي مصغر. وعبرت مستغانفي عن تأثرها العميق،مؤكدة أن "عيش التاريخ" أهم من حفظه في الكتب،ودعت إلى تثمين المآثر الميدانية كأفضل وسيلة للدفاع عن الهوية.
من جانبه،ربط القنصل العام نصر الدين لعرابة الزيارة بثلاث مناسبات: عيد الاستقلال، الانتخابات التشريعية الأخيرة (جويلية 2026)، واحتفائه بإسهام الأديبة،مشيرا إلى أن كل ركن في المبنى يتلفع بروح الثوار.كما أشار كاتب الدولة سفيان شايب إلى التزامات الدولة تجاه الجالية، بينما اعتبر الباحث رياض شروانة أن إعادة تثمين المقر خطوة ضرورية لحفظ الذاكرة الوطنية.
لا تقتصر زيارة أحلام مستغانفي لهذا المقر على كونها وقفة عاطفية،بل تحمل دلالة رمزية عميقة في زمن تسوده محاولات طمس الذاكرة الجماعية. فالأديبة التي أسست في أعمالها لملحمة وطنية كبرى،تجد نفسها وجها لوجه مع "متحف حي" لم يعد مجرد جدران،بل شاهداوعلى عبقرية التخطيط الثوري في أصعب الظروف.
هذه اللحظة تجسد التكامل بين النضال السياسي والإبداع الثقافي،فبينما حرر "المالغ" الأرض،تحرر مستغانفي الكلمات،ويلتقيان اليوم في حيز واحد ليؤكدا أن مشروع الدولة الجزائرية لا يقوم على الاستقرار السياسي فحسب،بل على استمرارية الوعي التاريخي الذي يحصن الأجيال القادمة ضد النسيان،ويجعل من التاريخ قيمة حية تُمارس،لا مجرد فصل في الكتب المدرسية.
إن وقوف أحلام مستغانمي في ذلك المكتب الضيق، حيث كان عبد الحفيظ بوصوف يخطط لنقل الرسائل السرية ويدبر أوزار المعارك، يحمل من المفارقة العميقة ما يجعل التاريخ يتنفس. فهي التي أمضت عمرها تبحث عن "الجزائر العميقة" في ثنايا الروح، وجدتها هذه المرة مرصعة في جدران مكان لم يتغير فيه ترتيب الأوراق، بل تغيرت فيه خارطة العالم. إنها لحظة تتقاطع فيها رصاصة الثائر مع قصيدة الأديب، ليكتشفا أنهما كانا يقاتلان في جبهتين مختلفتين لهدف واحد: منح هذا البلد استثناءً أبدياً عن النسيان.
وإذا كان "المالغ" قد صنع انتصار السلاح،فإن زيارة مستغانمي تصنع انتصار الذاكرة،فتعيد للثوار صوتا يليق بتضحياتهم،وتُذكّر الأجيال بأن أعظم الأمجاد لا تتحقق في لحظة اندلاع الشرارة، بل في استمرار الوهج عقودا بعد ذلك.
إنها ليست مجرد جولة سياحية في متحف،بل هي قسم متجدد يرفع باسم كل من حملوا الجزائر في عيونهم وكتبوها بحبر الدم،مؤكدين أن الكلمة،حين تسير على خطى البارود،تصبح تاريخا لا يموت،ووعداً لا يخون.لأن الجزائر التي دافع عنها رجال "المالغ" بالأرواح،هي ذاتها الجزائر التي تدافع عنها أحلام مستغانمي بالكلمات: عصية على الزوال، شاهقة على الجراح،وأبدية كالنصر.
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق