الأحد، 5 يوليو 2026

"أمي وأبي" بقلم: الأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

 "أمي وأبي"

بقلم: الأديب المصري

 د. طارق رضوان جمعة


في زمنٍ صارت فيه البيوت تُبنى ثم تُهدم في شهور، صار الصبر عملةً نادرة.  

أرى بيوتاً يملأها الصُراخ. وأرى رجالاً يخرجون من الباب عند أول حمل.  ثم أتذكر بيتي.


مال البيت ذات ليلة. ذاب أبي على مهل حتى صار ظهره جسراً نمشي عليه. ثم انحنت أمي فحملت السقف على كتفيها وقالت للبيت: "اهدأ". ومن تحت هذا الميل وقفنا نحن.


١. أمي كانت تعرف كيف يعاد للرجل قلبه


لم تتعلم القراءة، لكنها كانت تقرأ وجوهنا.  وحين يعود أبي من الخارج مثقلاً بالتعب والصمت، كانت تجلس بجواره ولا تسأل. وبعد قليل كان صوته يعود قبل جسده.  

وحين ينطفئ الحي كله كانت تجمعنا وتطلب الصمت، فكنا نسمع ضوء صوتها. لم تكن تملك حلولاً، كانت تملك صدراً يتسع حتى يمر اليوم.


٢. بيتنا كان من أشياء بسيطة


لم يكن من رخام، كان من رضا. وأي ريحٍ تهزه كانت تثبته أمي بدعوة.  

وكان رزق أبي يأتي ناقصاً كل شهر، فتتكفل أمي بإكماله.  

تكمله بطبقٍ ساخن، وتسده بحدوتةٍ قبل النوم، وترقعه بضحكة.  

وكلما سقطت مني كلمة كانت تلتقطها من الهواء وتمسحها وتقول: "قلها مرة أخرى ولكن وأنت واقف".  

لم تقل يوماً "طلقها" ولا "اتركه". قالت: "طول بالك".


٣. وأبي كان يحملنا بسكوته


لم يكن كثير الكلام، كان كثير الوجود.  يخرج مع الفجر ويعود مع الليل محملاً بما يكفي لنعيش.  

أتذكر منه يده على رؤوسنا قبل الخروج وكأنها دعاء، وتَعبه على عتبة الباب ودليل أنه كان في الخارج يحارب لأجلنا، وضحكته مع أمي في الليل وهي شهادة أن اليوم مر بسلام.  

لم يترك لنا وصايا، ترك لنا أشياء صغيرة. قلماً لم نطلبه، وحذاءً بمقاس الغد، ودراجةً قديمة معلقة على الحائط.


٤. وحين خلا البيت


في الليلة التي سقط فيها السقف لم أبحث عن أشيائي، بحثت عنه.  

قلبت الحجارة حجراً حجراً كمن يبحث عن ملامح في وجه غائب.  

جربنا بعده الصمت والدعاء والوقت، لكن البيت ظل ينقصه شيء.  

كنا ننام ويداه فوقنا كغطاء، يعد على جباهنا النجوم التي لم نرها. وفي الصباح كنا نتقاسم لمسته كأنها خبز، ويكفي أن يلمسنا حتى نشبع.  

وحين رحل ضمتني أمي بذراعيها، لكن ذراعيها لم تكونا بيتاً. فذهبت ووضعت دراجته فوق قبره وقلت: حتى لا ينسى الطريق إلينا.


٥. وأنا وهذا النص


لا أحد يعرف من أب هذا الكلام. كان أبي ينظر إلى كلامي ويقول: "ناقص".  

فكنت آخذه وأمشي به بعيداً، أطعمه من وحدتي حتى يكبر وأزنه حرفاً حرفاً، ثم أرفعه إلى السماء وأقول: "هذا ما صنعه رجل متعب".  

وفهمت متأخراً أن الكلام مثل الماء، كلما ضغطت عليه خرج أنقى.


الخاتمة - لكل أرملة ولكل يتيم


يقولون: "وراء كل رجل عظيم امرأة". وأنا أقول: "خلف كل بيتٍ قائمٍ رجلٌ انحنى وامرأةٌ رفعت".  


وإليكِ أيتها الأرملة التي تحمل السقف وحدها:  

اعلمي أن تعبك ليس ضائعاً. أنتِ لستِ نصف بيت. أنتِ البيت كله الآن.  

وحين ينطفئ النور، لا تبحثي عن أحد. أغمضي عينيكِ واسمعي صوته يقول: "أنا فخور بكِ". فكملي.


وإليك أيها الطفل الذي ينام بلا يدٍ على جبهته:  

اعلم أن أباك لم يتركك. تركك في حضن امرأة تعرف كيف تصنع من القليل الكثير.  

وحين تشتاق، ضع يدك على قلبك. ستجده هناك يعد لك النجوم التي لم ترها بعد.


أمي لم تزرع ولم تخبز، أمي كانت تعرف أن البيت لا يُبنى مرةً واحدة.  

يُرمم كل يوم بالحنية، وبالصبر، وبدعوة في عز الضلمة.


وإلى اليوم...  

حين ينطفئ النور أغمض عيني فأسمع صوتين:  

همسها وهي تقول "هتعدي"، وأنفاسه وهو يقول "أنا جنبك".  

فأعرف أننا بخير. وأن البيوت التي تُبنى بالحب لا تهدم أبداً.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق