طوق الحرية..الممتد
تصدير:
"أنا حر يا زوربا".."كلا،لست حرا،كل ما في الأمر أن الحبل المربوط في عنقك أطول قليلا من حبال الآخرين"
نيكوس كازنتزاكيس.(زوربا اليوناني)
بهذه الكلمات الموجعة يفضح نيكوس كازنتزاكيس وهمنا الأكبر.ذلك الوهم الذي نغذي به أرواحنا حين نظن أن امتداد الحبل يعني انقطاعه،وأن طول المسافة تعني تحرر الرقبة من قبضته.
كم منا يرفع رأسه عاليا معلنا حريته،وهو لا يدرك أن ما يتخذه انتصارا هو مجرد راحة مؤقتة،وهدنة يمنحها له الحبل قبل أن يشتد مرة أخرى.
نحن نخلط بين اتساع دائرة الحركة والحرية ذاتها، كما يخلط الطير بين اتساع القفص وسماء اللانهاية.
الحبل الأطول لا يجعلك حرا،إنما يجعلك أكثر قدرة على التوهّم.فالمقيد بسلسلة طولها كيلومتر قد ينسى أنه مقيد،وقد يعتقد أنه يطوف العالم، لكنه في النهاية يدور في فلك ثابت،مركزه تلك العقدة التي لا تفارق عنقه.
إنها لعبة النفس البشرية العجيبة،نمدّ حبالنا ظنا منا أننا بذلك نحررها،ونغفل أن الحرية الحقيقية ليست في طول الحبل،بل في فك العقدة من الأساس.لكن من منا يجرؤ على مواجهة هذا السؤال المرعب: ماذا لو انقطع الحبل؟ ماذا لو أصبحنا بلا حدود تحددنا،وبلا قيود تعرفنا؟ هل سنعرف أنفسنا خارج دائرة التقييد؟!
في لحظة صراحة مع الذات،نكتشف أننا متعلقون بحبالنا،خائفون من تحررنا،فالحبل يمنحنا هوية المقيدين،ويمنحنا أعذارا نبرر بها تقاعسنا.أما الحرية الحقيقية فمسؤولية ثقيلة،تحتاج إلى جرأة لا نملكها غالبا..!
عندما أدرك زوربا حقيقة كازنتزاكيس،لم يكن قد اكتشف عيبا في الرجل،بل كان يكشف عن جرح إنساني مشترك.فكلنا نحمل في أعناقنا حبالا بأطوال مختلفة،بعضها قصير يجعلنا نختنق بصراحة،وبعضها طويل يخدعنا بالحرية.
لكن السؤال الأعمق ليس: كم طول حبلك؟ بل: متى ستشعر بوجوده رغم طوله؟! لأن الشعور بالحبل هو بداية تحررك.فمن يعيش ظانا أنه طليق لا يبحث عن مخرج.أما من يعرف أنه مقيد،ولو بحبل طويل،فإنه يبدأ رحلة البحث عن العقدة الحقيقية.
وإذا ما تأملنا،نجد أن أطول الحبال هي أخبثها، لأنها تجعلنا ننسى أننا في سجن،وتوهمنا أننا في فضاء مفتوح،بينما نحن ندور في حلقة مفرغة نسميها عمرا.!
الحرية الحقيقية ليست في مد الحبل،بل في أن نقرر أن نكون نحن من يمسك بطرفه،لا أن يكون هو من يمسك بأعناقنا.وهي لحظة لا تأتي إلا بوعي مؤلم،بأننا لسنا أحرارا،وهذا الإقرار هو أول خطوة نحو أن نصبح كذلك.
فهل أنت مستعد يا صديقي،أن تنظر إلى عنقك اليوم،وترى حبلك،مهما كان طويلا،وتعترف أنه لا يزال هناك؟! لأن في هذا الاعتراف،لا في الإنكار، تكمن بداية التحرر الحقيقي.
وخلاصة القول: ليس العيب أن يكون الحبل في عنقك،فكلنا مقيدون.العيب أن تظن أن طوله حرية،فتمضي عمرك تتباهى بمساحتك الوهمية، بينما العقدة تبقى كما هي،لا تنفك إلا بجرأة المواجهة.
الحرية الحقيقية ليست في مدّ الحبل،بل في أن تضع يدك على عنقك،وتهمس لنفسك: "أنا مقيد"، فتلك الهمسة هي أول فكّ للعقدة،وآخر صرخة للوهم.لأنك لن تصبح حرا حين يطول حبلك،بل حين تعرف لماذا هو هناك،وحين تختار أنت إن كنت تريد أن تبقيه،أم تقطع ما تبقى منه بأسنان الوعي.
ختاما،أيها السائل عن فك العقدة: لا تنتظر انقطاع الحبل،فالحياة لا تمنحنا ذلك الرفق.والتحرر الحقيقي هو أن ترى العقدة بعينيك،فترتخي هيبة لرؤيتك،لا خضوعا ليدك.عندها فقط،لن يكون الحبل في عنقك،بل في ذاكرتك،تذكّرا لبداية الطريق،لا نهاية للسجن.وهكذا،تصبح الحرية ليست خلع القيد،بل احتضانه واعيا،فتتحول الرقبة التي كانت تخنق إلى نافذة تطل على اللانهاية.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق