الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

هنا تطاوين رأس السنة على مقهى الطريق: حكايات الجنوب بين كأس شاي..ودمعة..! متابعة الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 هنا تطاوين

رأس السنة على مقهى الطريق: حكايات الجنوب بين كأس شاي..ودمعة..!


الليلة تختلف عن كل الليالي في مدينتي الجاثمة على التخوم الفاصلة بين البسمة والدمعة..إني أتحدث هنا عن تطاوين الشامخة..الهواء البارد القادم من الصحراء يحمل نسمات متناقضة: رائحة الشاي بالنعناع تختلط مع صمت الليالي الطويلة، وأضواء متفرقة هنا وهناك تحاول أن تقاوم عتمة السماء المرصعة بالنجوم.

بدأت جولتي من "ساحة السوق القديم"، حيث يجتمع العابرون للزمن كما يجتمعون للدفء.كل وجه يحمل حكاية،كل عين تختزن ذاكرة.

عند المقهى الشعبي....،جلست مع الحاج محمد (65 عاماً) وهو يدير أصابعه المتعبة على مسبحته.قال بصوته الهادي الذي يحمل نبرة مفعمة بعطر الصحراء: "كل عام وأنا هنا في هذه الساحة.أتذكر عندما كان أولادي الصغار يرقصون حولي والفرح يملأ المكان.اليوم،اثنان في تونس العاصمة وواحد في الضفة الجنوبية للمتوسط (فرنسا).يرسلون تحايا عبر الفايس بوك..جميلة لكنها ليست دافئة كحضن.العام الماضي كان عام فراق،دفنت أخي وصديق عمري.ولكن الحمد لله،العائلة باقية والصحة لم تتخلى عني كلياً".

انتقلت إلى محل الحلويات حيث يقف الشاب خالد (28 عاماً) يعد صناديق الحلويات للمنازل التي ستستقبل العام الجديد.ابتسامته لا تخفي التعب: "2025 علمتني القسوة والجمال معاً. فقدت عملي في السياحة ستة أشهر،ولكن تعلمت إصلاح الأجهزة الإلكترونية وأسست مشروعي الصغير.أحياناً يخيفني المستقبل،ولكنني أنظر إلى هذه الحلويات وأقول: الحياة مثلها،تحتاج بعض الحلاوة لتستمر.الليلة سأحتفل مع أهلي ثم أتصل بحبيبتي...ربما أطلب يدها في الربيع القادم على مهل".

في الزقاق الضيق المقابل للمسجد القديم،جلست مع السيدة فاطمة (52 عاماً) على عتبة بيتها. تمسكت بغطاء رأسها وهي تحدثني عن العام: "كأم،عامي يقاس بأفراح أبنائي وحزنهم.ابنتي تخرجت من الجامعة وابني تزوج،هذه فرحة لا تنسى.لكنني أيضاً شاهدت دموع جارتي التي فقدت زوجها وصرت أشاركها الصلاة كل جمعة. رأس السنة يأتي ليذكرني بأن الأيام تمر سواء ضحكت أو بكيت.الأهم أن نحافظ على القلب الطيب".

الشاب منير (19 عاماً) يقف مع أصدقائه عند سيارة مكشوفة،يسمعون الأغاني بصوت عال. عندما سألته عن مشاعره،صمت قليلاً ثم قال: "أنا في حرب مع نفسي.أريد أن أفرح لأنني شاب وعمري أمامي،لكنني أخاف.الفرص هنا قليلة، وأحلامي كبيرة.العام الماضي كان عام خيبات في الدراسة والحب أحياناً،لكنه أيضاً عام تعرفت فيه على نفسي أكثر.الليلة نريد أن نغني كأن لا غد، لكن في الصباح سأستيقظ وأفكر: ماذا بعد؟!".

منارة الأمل جاءت من السيدة مريم (40 عاماً) التي قالت: "أدركت هذا العام أن السعادة ليست حدثاً كبيراً،بل لحظات صغيرة نجمعها.طفل في الصف تعلم القراءة،شجرة زيتون في بستاننا أثمرت رغم شح الماء،جار سأل عني عندما مرضت.الذكريات المريرة تبقى،لكني اخترت أن أضعها في جيبي لا على كتفي".

في محطة البنزين،التقي السيد الطاهر (60 عاماً) العائد من ليبيا لزيارة أهله: "كل عام وأنا في بلد مختلف.ولكن القلب هنا.هذا العام رأيت الموت يتمطى في اتجاهي،لكنني أيضاً رأيت كيف أن الغرباء يمكن أن يصيروا إخوة في الظروف الصعبة.ربما جئت لأموت في أرض أجدادي،هذه أمنيتي للعام الجديد".

عند منتصف الليل،ستجتمع عائلات قليلة في الشرفة.قد تسمع الألعاب النارية البعيدة من مدينة أخرى..ربما..،بينما هنا،الاكتفاء سيكون بصلاة جماعية وتهانٍ دافئة.دموع تختلط مع ابتسامات، ذكريات تروى،وأمنيات تهمس للرياح الحاملة لها.

في-مدينتي- الهاجعة في كهف التهميش ( تطاوين) حيث تدق الساعات بلطف،ويعرف الناس أن الحياة قاسية لكنها جميلة،سيكون رأس السنة خليطاً من كل ذلك.ليس فرحاً صاخباً ولا حزناً مطلقاً،بل اعترافاً بأن العام الماضي كان مدرسة،وأن القادم هو صفحة جديدة نكتبها بيدين مرتعشتين لكنها قادرة على حمل الأمل.

عند الفجر، بينما يكون أول ضوء يلامس الروح..ويداعب الوجدان ،سأدرك حتما،أن جمال الناس هنا ليس في قدرتهم على النسيان،بل في شجاعتهم على أن يتذكروا،وأن يستمروا رغم بعض الجراح وندوب الزمن الأخرس..


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق