في عش الدبابير
صرخة العاجز وشوشات وأنين
" أنا وزياد في مستشفى المجانين".
(باب حديدي يُفتح ببطء، صرير طويل، خطوات ثقيلة، مفاتيح تُغلق، صدى بعيد لضحكات مبعثرة وصوت جرة ماء تُسحب على الأرض).
ليلى بصوت منخفض رزين :
هنا
عند بوابة المستشفى، يبدأ العالم بالتفتت.
الخارج يشبه الداخل،
لكن الداخل يملك مرآة مشروخة تعكس الوجوه بلا أقنعة.
طارق متردداً :
زياد ، لم أرك منذ زمن.
زياد هادئاً، ساخر النبرة :
لم ترني ؟ أم لم تر نفسك؟
صمت قصير،
يقطعه صوت نزيل بعيد يغني لحنًا طفوليًا مكسورًا.
طارق متأمل :
ما أقسى أن يتكلموا هنا بالأغاني،
بينما الخارج يتكلم بالحسابات.
زياد ساخراً :
وما الفرق؟ كلاهما هروب
لكننا هنا نهرب إلى الداخل،
وأنتم تهربون إلى الخارج.
ليلى بابتسامة مسموعة :
كلاهما جنون ، لكن الأسماء تختلف.
طارق باندفاع :
زياد ، هل صدقتَ حقاً أنك حر هنا؟
زياد متحمس :
طبعاً! هنا لا يطاردني أحد بالأسئلة.
لا يطالبني أحد بإجابات.
هنا كل صرخة هي جواب، وكل ضحكة حكم نهائي.
طارق بعصبية :
لكنها أجوبة لا يفهمها أحد!
صوت نزيل يصرخ فجأة: "أنا ملك الأرض! كل شيء لي!"
زياد مشيراً للصوت، بنبرة انتصار :
أرأيت؟
هذا ملك، له عرشه الخاص،
لا يحتاج اعترافاً من أحد.
ليلى :
في كل جناح ملك، وفي كل سرير نبي،
وفي كل صرخة وطن لم يولد.
المجانين لا يكذبون ، فقط يقولون ما يخافه الآخرون.
(صوت آخر يبكي بصوت طفولي: "أمي جاءت… لكنها بلا وجه!").
طارق بصوت متهدج :
زياد ، وهل أمك جاءت بلا وجه أيضاً؟
زياد بصوت منكسِر :
أمي لم تفقد وجهها ، بل فقدتني.
ليلى بتنهيدة :
الفقد هنا ليس حادثة ، بل حالة دائمة.
من يفقد مرآته، يصير ظلّاً يمشي بلا اتجاه.
طارق بهمس :
إذن نحن ظلال يا ليلى ، حتى حين نصرخ.
زياد مشتعلاً :
لا! نحن النار ، التي تلتهم نفسها وتبقى ناراً
صوت نزيل يردد بإيقاع ثابت:
"الوقت توقف ، الوقت توقف".
طارق ينفجر :
الوقت لم يتوقف! نحن الذين توقفنا!
دفنّا السؤال وصنعنا لأنفسنا جدراناً أعلى من هذا المشفى.
زياد بصوت عالٍ متحدٍ :
ألا ترى يا طارق؟
نحن نبني عالماً جديداً من أصواتنا.
كل واحد إله، كل واحد كوكب!
طارق صارخاً :
بل أنتم أشباح… تصرخون في فراغ!
الأصوات تتضاعف: "أنا نبي!"، "أبي يذوب!"، "الوقت توقف!" ، تختلط وتتعالى حتى تصبح جوقة جنونية.
ليلى بصوت مرتفع، يعلو فوق الجميع :
ليس ضجيجاً، بل نشيد!
كل وتر مكسور هنا يعزف لحن الحقيقة.
الحقيقة التي لفظها العقلاء خوفاً ،
فوجدت مأواها بين هؤلاء.
زياد بهمس مضطرب :
طارق ، ربما كنا نحن العقلاء ، في المكان الخطأ.
طارق بصوت يتهدج :
أو كنا المجانين ، في الزمن الخطأ.
انفجار صوتي ضخم: ضحكات، بكاء، صرخات، غناء،
كلها تتداخل في دوامة واحدة،
ثم تُقطع فجأة بصمت مطبق.
ليلى بصوت صارم حاد :
في مستشفى المجانين ، الجنون مرآة.
من جرؤ على النظر فيها طويلاً، رأى نفسه عارياً.
زياد: كل الأصوات هنا تتشابه ،
لا فرق بين صرخة ألم وضحكة مجنونة.
كلاهما ينتهي إلى صمتٍ طويل يشبه القبر.
طارق: وأنت تسمع الصمت إذن؟
غريب ، كثيرون لا يسمعونه.
زياد: الصمت هو اللغة التي لا تخون
زياد :احيانا أضع أذني على صدري،
لاستكشاف ماذا يحدث بداخلي .
مرات عديدة لا أسمع شيئا ،
. ومرات أسمع صوت دقات
تخيل ، ذات مرة سمعت دوي دقات عنيفة ،
وأحسست أن سيل الدم كان يحاول أن يهرب ،
متسارعا من داخل قلبي .
ليلى:
يتبادلان سرّاً لا يُسمع ،
إلا لمن اعتاد الإصغاء إلى ما بين الكلمات.
'صوت مقعد يُسحب فجأة.
يظهر نزيل آخر،
بصوت متقطع لكنه واضح، اسمه "سليم"'
سليم: (يضحك ضحكة قصيرة ثم يصمت)
أنتم تتكلمون عن الصمت؟
الصمت هو ما يعلّمني كيف أعدّ خطواتي.
كل يوم أعدّها
إن تجاوزت المئة أعرف أنني ما زلت حيًّا.
زياد بهدوء :
وأحيانًا تخطئ العدّ يا سليم،
ومع ذلك تبقى حيًّا ، أليس هذا أجمل سخرية؟
طارق: ينظر إليه بدهشة
تعدّ خطواتك لتطمئن أنك موجود؟
سليم: نعم
لأن الذاكرة تخون.لكن الخطوات لا تكذب.
أثرها يبقى على الأرض حتى إن نسيت.
ليلى:
نزيل آخر يدخل الدائرة
واحد يحصي خطواته ليؤكد وجوده،
وآخر يواجه جرحه بالصمت،
وطارق يختبر نفسه بينهما.
ثلاث مرايا لوجهٍ واحد يبحث عن يقين.
زياد موجّهًا كلامه لسليم :
لكن ماذا لو أُطفئت الأنوار، ولم ترَ خطواتك؟
سليم: يبتسم بطفولة
حينها أعدّ دقات قلبي
وإن صمت قلبي، لن أحتاج للعدّ بعد ذلك.
طارق: بصوت يتهدج
كلنا نبحث عن شيء يثبت أننا لسنا وهماً
أن الحياة ليست مجرد خدعة طويلة.
ليلى:
يا لها من معزوفة !
كل نزيل يعزف على وتره الخاص،
لكن اللحن واحد:
الخوف من العدم،
والحنين إلى أثر يبقى بعد الرحيل.
(صوت خطوات حارس يقترب،
ينادي على سليم باسمه،
يأخذه بعيدًا.
يعود الصمت بين طارق وزياد.)
زياد : رأيت يا طارق؟
حتى كلماته تُساق مثل جسده
ومع ذلك تظل كلمات أكثر صدقًا من صخب الخارج.
طارق : ربما لأن الخارج نفسه ليس سوى مستشفى أكبر.
ليلى:
ها هو المعنى يتسع
كل جدار هنا يعكس جدارًا هناك،
وكل صرخة هنا مرآة لصمتٍ في الخارج.
من المجنون إذن؟ ومن العاقل؟
ستار
وليس للنمرود سوى خُفي حُنين
وخليك يا شعب غلبان ، عامل زي شخشوبان ، بجسم خشب وعيون زجاج ، منين تشوف؟
يا إدريس : جهز جلسة الكهربا
طارق غريب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق