السبت، 20 سبتمبر 2025

في عش الدبابير بقلم الكاتب طارق غريب

 في عش الدبابير

صرخة العاجز وشوشات وأنين

" أنا وزياد في مستشفى المجانين".

(باب حديدي يُفتح ببطء، صرير طويل، خطوات ثقيلة، مفاتيح تُغلق، صدى بعيد لضحكات مبعثرة وصوت جرة ماء تُسحب على الأرض).

ليلى بصوت منخفض رزين :

هنا 

عند بوابة المستشفى، يبدأ العالم بالتفتت. 

الخارج يشبه الداخل، 

لكن الداخل يملك مرآة مشروخة تعكس الوجوه بلا أقنعة.

طارق متردداً :

زياد ، لم أرك منذ زمن.

زياد هادئاً، ساخر النبرة :

لم ترني ؟ أم لم تر نفسك؟

صمت قصير، 

يقطعه صوت نزيل بعيد يغني لحنًا طفوليًا مكسورًا.

طارق متأمل :

ما أقسى أن يتكلموا هنا بالأغاني، 

بينما الخارج يتكلم بالحسابات.

زياد ساخراً :

وما الفرق؟ كلاهما هروب 

لكننا هنا نهرب إلى الداخل،

 وأنتم تهربون إلى الخارج.

ليلى بابتسامة مسموعة :

كلاهما جنون ، لكن الأسماء تختلف.

طارق باندفاع :

زياد ، هل صدقتَ حقاً أنك حر هنا؟

زياد متحمس :

طبعاً! هنا لا يطاردني أحد بالأسئلة.

 لا يطالبني أحد بإجابات.

 هنا كل صرخة هي جواب، وكل ضحكة حكم نهائي.

طارق بعصبية :

لكنها أجوبة لا يفهمها أحد!

 صوت نزيل يصرخ فجأة: "أنا ملك الأرض! كل شيء لي!"

 زياد مشيراً للصوت، بنبرة انتصار :

أرأيت؟ 

هذا ملك، له عرشه الخاص،

 لا يحتاج اعترافاً من أحد.

ليلى :

في كل جناح ملك، وفي كل سرير نبي، 

وفي كل صرخة وطن لم يولد.

 المجانين لا يكذبون ،  فقط يقولون ما يخافه الآخرون.

 (صوت آخر يبكي بصوت طفولي: "أمي جاءت… لكنها بلا وجه!").

طارق بصوت متهدج :

زياد ، وهل أمك جاءت بلا وجه أيضاً؟

زياد بصوت منكسِر :

أمي لم تفقد وجهها ، بل فقدتني.

ليلى بتنهيدة :

الفقد هنا ليس حادثة ، بل حالة دائمة. 

من يفقد مرآته، يصير ظلّاً يمشي بلا اتجاه.

طارق بهمس :

إذن نحن ظلال يا ليلى ، حتى حين نصرخ.

زياد مشتعلاً :

لا!  نحن النار ، التي تلتهم نفسها وتبقى ناراً

 صوت نزيل يردد بإيقاع ثابت: 

"الوقت توقف ، الوقت توقف".

طارق ينفجر :

الوقت لم يتوقف! نحن الذين توقفنا!

 دفنّا السؤال وصنعنا لأنفسنا جدراناً أعلى من هذا المشفى.

زياد بصوت عالٍ متحدٍ :

ألا ترى يا طارق؟ 

نحن نبني عالماً جديداً من أصواتنا.

 كل واحد إله، كل واحد كوكب!

طارق صارخاً :

بل أنتم أشباح… تصرخون في فراغ!

 الأصوات تتضاعف: "أنا نبي!"، "أبي يذوب!"، "الوقت توقف!" ، تختلط وتتعالى حتى تصبح جوقة جنونية.

ليلى بصوت مرتفع، يعلو فوق الجميع :

ليس ضجيجاً،  بل نشيد!

 كل وتر مكسور هنا يعزف لحن الحقيقة. 

الحقيقة التي لفظها العقلاء خوفاً ،

 فوجدت مأواها بين هؤلاء.

زياد بهمس مضطرب :

طارق ، ربما كنا نحن العقلاء ، في المكان الخطأ.

طارق بصوت يتهدج :

أو كنا المجانين ، في الزمن الخطأ. 

 انفجار صوتي ضخم: ضحكات، بكاء، صرخات، غناء، 

 كلها تتداخل في دوامة واحدة،

 ثم تُقطع فجأة بصمت مطبق.

ليلى بصوت صارم حاد :

في مستشفى المجانين ،  الجنون مرآة.

 من جرؤ على النظر فيها طويلاً، رأى نفسه عارياً.


زياد: كل الأصوات هنا تتشابه ،

 لا فرق بين صرخة ألم وضحكة مجنونة.

 كلاهما ينتهي إلى صمتٍ طويل يشبه القبر.

طارق: وأنت تسمع الصمت إذن؟ 

غريب ، كثيرون لا يسمعونه.

زياد: الصمت هو اللغة التي لا تخون

زياد :احيانا أضع أذني على صدري، 

لاستكشاف ماذا يحدث بداخلي .

مرات عديدة لا أسمع شيئا ،

. ومرات أسمع صوت دقات

تخيل ، ذات مرة سمعت دوي دقات عنيفة ، 

وأحسست أن سيل الدم كان يحاول أن يهرب ، 

متسارعا من داخل قلبي .

ليلى: 

يتبادلان سرّاً لا يُسمع ،

إلا لمن اعتاد الإصغاء إلى ما بين الكلمات.

'صوت مقعد يُسحب فجأة. 

يظهر نزيل آخر، 

بصوت متقطع لكنه واضح، اسمه "سليم"'

سليم: (يضحك ضحكة قصيرة ثم يصمت)

أنتم تتكلمون عن الصمت؟

الصمت هو ما يعلّمني كيف أعدّ خطواتي. 

كل يوم أعدّها

 إن تجاوزت المئة أعرف أنني ما زلت حيًّا.

زياد بهدوء :

وأحيانًا تخطئ العدّ يا سليم، 

ومع ذلك تبقى حيًّا ، أليس هذا أجمل سخرية؟

طارق: ينظر إليه بدهشة

تعدّ خطواتك لتطمئن أنك موجود؟

سليم: نعم

 لأن الذاكرة تخون.لكن الخطوات لا تكذب. 

أثرها يبقى على الأرض حتى إن نسيت.

ليلى: 

نزيل آخر يدخل الدائرة

 واحد يحصي خطواته ليؤكد وجوده، 

وآخر يواجه جرحه بالصمت،

 وطارق يختبر نفسه بينهما.

 ثلاث مرايا لوجهٍ واحد يبحث عن يقين.

زياد موجّهًا كلامه لسليم : 

لكن ماذا لو أُطفئت الأنوار، ولم ترَ خطواتك؟

سليم: يبتسم بطفولة

حينها أعدّ دقات قلبي 

وإن صمت قلبي، لن أحتاج للعدّ بعد ذلك.

طارق: بصوت يتهدج

كلنا نبحث عن شيء يثبت أننا لسنا وهماً

 أن الحياة ليست مجرد خدعة طويلة.

ليلى: 

يا لها من معزوفة !

كل نزيل يعزف على وتره الخاص، 

لكن اللحن واحد: 

الخوف من العدم، 

والحنين إلى أثر يبقى بعد الرحيل.

(صوت خطوات حارس يقترب،

ينادي على سليم باسمه،

يأخذه بعيدًا.

يعود الصمت بين طارق وزياد.)

زياد : رأيت يا طارق؟ 

حتى كلماته تُساق مثل جسده

ومع ذلك تظل كلمات أكثر صدقًا من صخب الخارج.

طارق : ربما لأن الخارج نفسه ليس سوى مستشفى أكبر.

ليلى: 

ها هو المعنى يتسع

كل جدار هنا يعكس جدارًا هناك،

 وكل صرخة هنا مرآة لصمتٍ في الخارج.

 من المجنون إذن؟ ومن العاقل؟

ستار

وليس للنمرود سوى خُفي حُنين

وخليك يا شعب غلبان ، عامل زي شخشوبان ، بجسم خشب وعيون زجاج ، منين تشوف؟

يا إدريس : جهز جلسة الكهربا

طارق غريب



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق