الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

قصة قصيرة. الأنثى نجمة الصباح بقلم أيمن حسن محمد

 قصة قصيرة.            الأنثى نجمة الصباح   بقلم أيمن حسن محمد

دخلت أمي إلى البيت نشيطةً ضاحكة، وقد ذهب عنها صداع رأسها.


قالت وهي تبتسم:


— يا الله، ما أجمل الإنسان حين يتمتع بالصحة!


أجابها سمير، وقد وضع قلمه على الصفحات التي كان يكتب فيها مقالًا فلسفيًا لإحدى الجرائد، ضمن زاوية أسبوعية خاصة به:


— الحمد لله على سلامتك يا أمي. هل تشعرين بالراحة الآن؟


— أجل، والحمد لله.


ثم تابعت وهي تضحك:


— والفضل يعود إلى نجمة، ابنة جارتنا. ذهبت إلى أمها لأشرب معها فنجان قهوة، وكعادتها وضعت أغنية راقصة، وجعلتنا نرقص أنا وأمها. لم تنتهِ الأغنية حتى ذهب وجع رأسي!


ضحك سمير وقال:


— آه، فهمت عليكِ... نجمة ضحوكة لعوبة.


ثم أضاف:


— لكنها لا تملك شهادة.


نظرت إليه أمه باستغراب:


— وماذا يعني هذا؟ هل المرأة التي لا تملك شهادة لا يحق لها الزواج؟


صمت سمير، وجمع أوراقه.


— أنا ذاهب إلى الجريدة.


قالت أمه:


— حسنًا يا بني، وفي طريق عودتك أحضر لي دواءً مسكنًا للصداع.


في طريق عودته، دخل سمير الصيدلية.


كانت نجمة هناك، تشتري دواءً لوالدتها.


كان يعرفها من قبل، فقد رآها مرات كثيرة وتحدث إليها أكثر من مرة، لكنه حين التقت عيناه بعينيها في تلك اللحظة شعر كأنه يراها للمرة الأولى.


ألقى عليها السلام.


ردت عليه بابتسامة.


كانت ابتسامة عابرة، لكن عينيها أخفتا شيئًا لم تستطع شفتاها قوله.


تأملها سمير لحظات.


يا إلهي... ما أجملها!


رقيقة، ضحوكة، وفي حضورها شيء يجعل المكان أكثر حياة.


خرجت نجمة من الصيدلية، فناداها:


— يا نجمة، دعينا نذهب معًا.


التفتت إليه وقالت:


— الحمد لله على سلامتك... أنت مريض؟


تذكر سمير فجأة سبب دخوله الصيدلية.


— آه... نسيت أن أشتري الدواء لأمي!


ابتسمت نجمة ومضت في طريقها.


لم تقل شيئًا، لكن عينيها قالتا ما لم تستطع شفتاها قوله.


بقي سمير يفكر فيها.


أصبحت نجمة الصباح ونجمة المساء في تفكيره.


وتكررت اللقاءات بينهما؛ بعضها صدفة، وبعضها بدا وكأن الصدفة نفسها بدأت تبحث عنهما. وفي كل لقاء كان شيء من بريق نجمة الصباح يتسلل إلى داخله.


حتى جاء يوم قال فيه لأمه:


— أمي، اذهبي أنت وأبي واطلبا لي يد نجمة.


ضحكت أمه وقالت:


— والله، إذا وافقت السماء فسوف أزوجك إياها!


بدا على سمير شيء من الارتباك.


— وهل يمكن ألا توافق؟


ضحكت أمه:


— لا تخف يا بني. سأحدثهم عنك بأجمل صورة.


وبالفعل، ذهب والد سمير ووالدته إلى بيت نجمة، وتحدثا مع أهلها في أمر الزواج.


كانت نجمة في الغرفة المجاورة تسترق السمع، وأختها إلى جانبها.


قالت لها أختها:


— أنت ستتزوجين، ولا تعرفين حتى كيف تدبرين أمور البيت! ستبقين كأنك لا تعرفين من أين تؤكل البيضة.


ضحكت نجمة.


تابعت أختها:


— انظري إلى أبي. كلما طلبنا منه نقودًا غضب في وجوهنا. أما أمي، فتذهب إليه وتعرف كيف تستخرج منه المال، بل وتعود بأكثر مما طلبت. وأنت لا تهتمين حتى بالطبخ!


نظرت نجمة إليها مبتسمة، لكنها لم تجب.


كان قلبها مشغولًا بشيء آخر.


كانت تسمع أصوات الرجال في الغرفة المجاورة، وكلما سمعت اسم سمير، شعرت أن قلبها يسبقها إلى الباب.


تمت الموافقة، وتزوج سمير ونجمة الصباح.


كانا أجمل زوجين في نظر من حولهما.


كان سمير بين الجد والكتابة والبحث في سير الفلاسفة وعلومهم، وكانت نجمة الصباح بين مرحها وضحكتها وفيض حبها له.


كانت تمنحه حبًا يدفعه إلى الكتابة، وتشجعه على البحث، حتى أصبح وجودها جزءًا من عالمه الفكري.


لكنها كانت تعرف كيف تنتزعه أحيانًا من عالم الكتب.


كانت تضع له نظارات شمسية سميكة، ثم تضحك قائلة:


— اكتب يا طه حسين!


فيضحك سمير.


وأحيانًا كانت تقف خلفه، تلف ذراعيها حول رقبته وتسحبه من عالمه إلى عالم آخر، فيضحك ويترك قلمه للحظات، ثم يعود إلى مقاله.


وفي أحد الأيام تأخر سمير في الجريدة، ولم يعد إلى البيت إلا في المساء.


استقبلته نجمة بحضن وقبلة، ثم وضعت الطعام أمامه.


لكنها لاحظت أن شيئًا ما يشغل باله.


قالت:


— ما بك يا حبيبي؟ لماذا أنت منزعج؟ هل فعلت شيئًا أزعجك؟


أجاب سمير:


— لا، لا... لكن الوقت تأخر، وأحتاج إلى ساعة أخرى أبحث فيها عن المصادر للمقال الذي سأكتبه غدًا، ولا أعرف أين سأجد الوقت.


ضحكت نجمة وقالت:


— يعني إذا لم تكتب المقال تتوقف سياسات العالم؟ ويتوقف الاقتصاد؟ وينتهي الفقر والجوع في العالم الثالث؟


ابتسم سمير وقال:


— ليس الأمر كذلك. أنا أكسب المال من هذا المقال، وأحصل على نسبة من مبيعات الجريدة.


هزت نجمة رأسها وكأنها فهمت الأمر أخيرًا، ثم قالت بمكر:


— آه، فهمت عليك... حسنًا، اكتب عني. أم أنني لا أعجبك؟


أعجب سمير بالفكرة، لكنه تردد.


ماذا سيقول رئيس التحرير؟ وماذا سيقول القراء؟


ثم قال في نفسه:


سأتحمل الخسارة وحدي... سأجرب.


وجلس يكتب.


الأنثى نجمة الصباح


روضة زهراء، فاتنة جميلة، يفوح منها عطر أبدي لا ينتهي، وتمنحك من عبير حبها إكسيرًا يصعب عليك أن تتخلى عنه.


هي كتاب فلسفي ملغز لشدة وضوحه؛ طيبة، معطاءة، كريمة، ولكن إياك أن تجرحها، فهي لا تنسى الجرح بسهولة.


هي كوكب يضيء غيمة الرجل.


كأنها نجمة الصباح أو نجمة المساء؛ تمنحك الهدوء والسكينة والطاقة. وإن عرفت الأنثى حق معرفتها، أزهر ربيع الوجود من حولك، وتجلى في عينيها فيض الحب لمن تحب، وشرارة غضب الآلهة إن غضبت.


أنثى ملهمة للفلاسفة والأدباء والشعراء.


طفلة لا تكبر.


هي سكون الليل ونسيم الصباح، ياسمين العشاق.


وهي الأم أيضًا؛ أمومتها صدر يضمك بلا قيد، وحضن يجد فيه الطفل أمانه، ودفء تستطيع فيه الروح أن تستريح. تحمل طفلها، وتحمل معه خوفه وفرحه وأحلامه، وكأن قلبها خُلق ليكون وطنًا صغيرًا لمن تحب.


وهي حواء التي حوت في قلبها أشياء كثيرة؛ لا تبخل بما تملك على من تحب، وتمنحه من حنانها ما لا تستطيع الكلمات وصفه.


لكنها ليست الحنان وحده.


هي قوة حين يجب أن تكون قوية، وغضب حين تُمس كرامتها، وصمت حين تعجز الكلمات عن حمل ما في داخلها.


لا أكتب عنها لأنها جميلة، ولا لأنها زوجة أو أم أو حبيبة.


أكتب عنها لأنها أنثى.


لأن فيها سرًا لا تستطيع الكتب أن تحيط به، ولا الفلسفة أن تضع له تعريفًا نهائيًا.


وفي النهاية أقول لك أيتها الأنثى:


لا تضعفي.


أنت لطيفة من لطائف الله...


بل أنت نبيّة.


خرج سمير مسرعًا إلى مبنى الجريدة، وفي يده المقال.


دخل إلى مكتب رئيس التحرير ومدّه إليه.


أخذ رئيس التحرير الأوراق وبدأ يقرأ.


قطّب ما بين عينيه، ثم هز رأسه، وأخذ ينقر القلم على سطح مكتبه.


رفع عينيه إلى سمير وقال:


— ما هذا يا سمير؟ أهذا مقال؟ ماذا سأقول للقراء؟


أجاب سمير بهدوء متوتر:


— لم يبقَ وقت، سيدي. تأخرنا اليوم بسبب الاجتماع، والبحث عن المصادر ليس بالأمر السهل. أنا أتحمل كامل المسؤولية، حتى لو خسرنا بسبب هذا المقال.


صمت رئيس التحرير لحظة، ثم قال:


— حسنًا، سنضطر إلى نشره. لم يبقَ في العدد سوى زاويتك، لكنك ستتحمل مسؤولية أي خسارة تحدث.


خرج سمير من المكتب منزعجًا، وأخذ يحدث نفسه:


الحق ليس عليّ... تأخر الوقت، والبحث عن المصادر صعب. وأنا قلت له إنني أتحمل المسؤولية.


ثم ابتسم فجأة.


لكن يجب ألا تعلم نجمة شيئًا.


قرر أن يعود إلى البيت وكأن شيئًا لم يحدث.


سأضحك معها، وسأمزح، بل سنرقص الليلة... وسأشرب نخب نجاح المقال.


في عصر اليوم التالي، رن هاتف سمير.


كانت نجمة هي التي تتصل.


— سمير، رئيس التحرير على الهاتف.


جاءه صوت رئيس التحرير:


— ألو... سمير؟ تعال إلى الجريدة بسرعة.


ثم أغلق الخط.


وقف سمير لحظات وقد بدأ القلق يتسلل إلى داخله.


ماذا حدث؟


خرج مسرعًا إلى الجريدة، وطوال الطريق كان يضرب أخماسًا بأسداس، ويستعيد في ذهنه كل كلمة قالها رئيس التحرير بالأمس.


وصل إلى مبنى الجريدة.


وما إن دخل حتى فوجئ بزملائه من الصحفيين والصحفيات يستقبلونه بالتهاني.


— مبروك يا سمير!


— أحسنت!


— مقال رائع!


ازداد خوفه بدل أن يطمئن.


ما الذي يحدث؟


نظر حوله، فرأى أمام مكتب رئيس التحرير عددًا من الصحفيين ينتظرون دورهم، وكان كثير منهم يحلمون بالحصول على زاوية أسبوعية في الجريدة.


فتح رئيس التحرير باب مكتبه، وما إن رأى سمير حتى ابتسم ابتسامة عريضة، ومد يده إليه وصافحه بقوة.


— أحسنت يا سمير! لقد نفد العدد كله!


ثم أضاف:


— وهذه أرباحك، بالإضافة إلى مكافأة مالية. كنت أعلم أن مقالك سيُحدث ضجة إعلامية!


نظر إليه سمير لحظة، ثم قال في سره:


بالأمس كنت تقول إنني سأتحمل الخسارة وحدي... واليوم أصبحت صاحب نظرة ثاقبة!


أخذ المال وشكر رئيس التحرير، ثم خرج مسرعًا.


كان يريد أن يصل إلى البيت قبل نجمة.


هذه المرة لم يكن يريد أن يخفي شيئًا.


كان يريد أن يحتفل معها بصدق.


فهي صاحبة الفكرة الأولى، وهي المرأة التي جعلته يكتب ما لم يكتبه من قبل.


رفعت نجمة عينيها عن المقال، ونظرت إلى سمير مبتسمة.


قالت:


— كل هذا وأنا؟


ابتسم سمير وقال:


— بل أنت أكثر مما استطعت أن أكتب.


ضحكت، ثم عادت إلى قراءة المقال.


وفي تلك اللحظة أدرك سمير أن المرأة التي طلبت منه أن يكتب عنها لم تكن تعرف أنها ستدخل عالم الفلسفة من أوسع أبوابه.


كانت نجمة الصباح...


تضيء عالم الفلسفة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق