حين تنبض الكلمة بالروح
تصدير:
الكتابة ليست مهنة،بل رسالة،والإبداع ليس ترفا،بل ضرورة وجودية،والحقيقة ليست اكتشافا،بل عودة إلى الجوهر الذي كادت تغطيه غبار الأيام..(الكاتب)
في أعماق الذاكرة الإنسانية،حيث تتقاطع الأرواح وتتلاقح العقول،تبقى الكلمة هي الجسر الوحيد الذي لا ينهار..ليست الكلمة التي تخرج عابرة من بين الشفتين،بل تلك التي تُصاغ بحبر الروح، فتغدو أكثر من مجرد صوت أو رسم،تصير كائنا حيا يسري في الوجدان،ويخترق جدران الصمت، ويفتح نوافذ في قلوب غلفتها قسوة الأيام.
إن الكلمة حين تُكتب من ينبوع الجوارح،وتُصقل بمرآة التجربة،وتُخمر بأوجاع الإنسان وأفراحه، فإنها تفارق صفة الأداة إلى صفة الكائن.عندئذ، يتحقق معناها لا في قاموس اللغة،بل في صدر القارئ،حيث يجدها توأما لروحه،وكأنها كتبت له وحده في لحظة ميلادها الأولى.
وإذا كانت الكلمة روحا،فإن الأدب هو جسدها المتألق.فالأدب حين يكتسي بالإبداع،ويتوشح بالجمالية،ويتنفس من رئة الخيال،يتحول من حكاية إلى حالة،ومن سرد إلى وجع،ومن حلم إلى يقظة.إنه ليس تزيينا للفظ،بل إعادة صياغة للوجود.والأدب الجميل هو ذلك الذي يجعلك تقف طويلا أمام جملة،كأنك أمام مرآة لم تر وجهك فيها من قبل.
يلمس الأدب المتقن وجدان المتلقي لأن فيه من السر الإنساني ما يجعله لغة مشتركة بين القلوب، حتى وإن تباعدت الأزمنة والأمكنة..أليس في قصيدة أحمد شوقي حين يقول:
"وما نيل المطالب بالتمني**ولكن تؤخذ الدنيا غلابا"
ما يزلزل النفس،لا لقوّة المعنى فقط،بل لتلك النبرة التي تستشعر فيها صرخة إنسان يعرف قيمة ما يطلب؟!
الأدب الحقيقي لا يخاطب العقل وحده،بل يسري في الدماء،فيوقظ فينا ما كنا نجهله عن أنفسنا.
أما المعرفة،فتلك هي النور الذي يضيء الطريق. وحين تستقي المعرفة من رحيق الحقيقة،لا من زيف الظنون ولا من أوهام الموروثات،فإنها ترقى إلى مستوى الإشعاع والتجلي.والمعرفة الصادقة ليست حشوا للذاكرة،بل انكشاف للرؤية. إنها كشمس تطل بعد ليل طويل،فتُجلّي ما كان خافيا،وتُظهر ما كان مستترا.
والحقيقة في جوهرها بسيطة كالبساطة الأولى، ولكنّ المعرفة بها تجعلها تتجلى في صور لا تنتهي. فالنور لا يشرق إلا لمن يطلب الحقيقة بقلب صاف، وعقل متواضع،وروح تتوق إلى ما وراء المادة.
وإذا اجتمعت الكلمة بحبر الروح،والأدب بثوب الإبداع،والمعرفة بمنهل الحقيقة،اكتملت دائرة التأثير،وصار النصّ موقدا لا ينطفئ،ومنارة تهتدي بها الأجيال.
وهنا تبرز حكمة أولئك الذين عرفوا أنّ الكتابة ليست مهنة،بل رسالة،وأنَّ الإبداع ليس ترفا،بل ضرورة وجودية،وأنَّ الحقيقة ليست اكتشافا،بل عودة إلى الجوهر الذي كادت تغطيه غبار الأيام.
وفي نهاية المطاف،حين نغادر مقام الكلام إلى صمت التأمل،ندرك أننا لم نكن سوى حرّاس لحظة عابرة من وهج المعنى.فالكلمة التي تكتب بحبر الروح لا تموت بموت قائلها،ولا تتلاشى بانقضاء عصرها،إنها كالنخلة التي تغرس في التراب،فتمتد جذورها إلى ماء الأرض،وترفع سعفها إلى ضوء السماء،وتظلّ تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها.
والأدب الجميل،في عمقه،هو بكاء الإنسان على نقصانه،وغناؤه بكماله المُتخيَّل،وشهادته على أنّ في هذا الكون سرا لا تدركه الحواس،ولا تبلغه المنطقيات،إنما تذوقه القلوب العاشقة للجمال.
إنه صلاة غير معتادة،يرفعها الكاتب،فيؤم فيها كل من يمرّ بنصه.
والمعرفة المستنيرة بحقيقة الوجود ليست تراكما للمعلومات،بل تحوّلا في الكينونة.فمن عرف الحقيقة،وإن بشكل جزئي،صار شاهدا في محراب الكون،يرى في النسمة آية،وفي الحصاة ذكرى، وفي العابر قصة لم تُحك بعد.
فلنكتب إذن كما لو أن كلماتنا ستُقرأ في يوم لم نعد فيه موجودين.ولنبدع كما لو أن إبداعنا هو البصمة الوحيدة التي تثبت أننا مررنا من هنا. ولنطلب الحقيقة كما لو أن كل ما سواها سراب. فلعل كلمة واحدة،صادقة وجميلة،تكون أثرا أبقى من جبال،وذِكرا أعمق من بحار.
فيا قلمي،كن صادقا ويا روحي،كوني متجلية، جميلة،ويا حقيقة،تجلّي،فلعلنا في هذه العجالة العابرة من الدهر نكتب ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء،وما ينير دروبا لم تخلق بعد.
والله من وراء القصد،وهو الهادي إلى سواء السبيل.
محمد المحسن































