الاثنين، 19 يناير 2026

نافذة مفتوحة..على الإبداع التونسي في أبهى تجلياته..) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 نافذة مفتوحة..على الإبداع التونسي في أبهى تجلياته..)

د. طاهر مشي: شعلة إبداع تتوهّج من مدينة مهد الثورة التونسية المجيدة..لتُثري المشهد الثقافي العربي


تصدير :

تكمن ضرورة تكريم المبدعين والاحتفاء بإنتاجاتهم الثقافية والشعرية والأدبية في كون هذا التكريم ليس مجرد رد جميل،بل هو استثمار في رأس المال الحضاري للأمم.فالمبدع مرآة مجتمعه وعصارة روح زمنه،وتقدير عطائه يشجعه على المزيد من العطاء،ويرسخ قيمة الإبداع في الوجدان الجمعي،ويحفز الأجيال الناشئة على السير على الدرب نفسه.كما أن الاحتفاء بالإبداع يسهم في حفظ التراث الثقافي ونقله للأجيال القادمة،ويؤكد أن الأمم لا تقاس بثرواتها المادية فحسب،بل بما تنتجه من فكر وأدب وجمال يخلد وجودها ويغني الإنسانية جمعاء..


عندما تُذكر سيدي بوزيد،تثور في الأذهان صورة شرارة الثورة التونسية الخالدة التي غيرت وجه التاريخ.ومن هذه الأرض الطيبة نفسها،أرض الثورة والعطاء،انبثق صوتٌ أدبي شجيّ،وُلد من رحم المعاناة والأمل،ليُثري المكتبة العربية بإبداعات متنوعة في الشعر والقصة والنقد.إنه الشاعر والكاتب التونسي الكبير د-طاهر مشي،الذي حمل همّ وطنه وأمته على جبينه،فجاءت كتاباته صادقة نابضة،تعانق وجدان الإنسان أينما كان.

من سيدي بوزيد،منبع الإبداع والثورة

تنحدر جذور د.طاهر مشي..من هذه المدينة الشامخة التي تُعدّ مهد الثورة التونسية المجيدة، وأرض البهاء والعطاء والتجلي،تشرب هذا الشاعر والكاتب السامق ( د-طاهر مشي) من تراب الأرض معاني الصمود والكرامة،فانعكست في نتاجه الأدبي روحٌ ثائرة على القبح والظلم،ومتطلعة نحو الجمال والحرية..

إن ارتباطه بهذه المدينة ليس مجرد علاقة مكان فحسب،بل هي هوية وروح تغذي إبداعه،مما يجعل تكريمه اعترافا بتلك الأرض الخصبة التي أنبتت ثورة خلّادة وأدبا خلاقا..

يتميز مشروع د.طاهر مشي الأدبي بـالتنوع والغنى،فهو شاعرٌ مرهف،وقاصٌ بارع،وناقدٌ ذو بصيرة.

في الشعر،لا يمكن للقارئ إلا أن يقع في فتنة قصائده التي تمتاز بلغة شفافة واضحة،بعيدة عن التعتيم والغموض المُفتعل.إن شعره "عمليّة استشهاد على الورق"،حيث يمتزج الإحساس الوجودي العميق بالالتزام تجاه قضايا الإنسان. فتارة يكون شاعر الحب والعشق،وتارة أخرى يكون شاعر الهمّ الوطني والقضية الفلسطينية،مناحيا على المسجد الأقصى وغزة في قصائد تحمل همّة عالية وحماسة توقد القلوب.لغته الشعرية تستخدم الانزياح والانزياحات الدلالية ببراعة،مما يخلق طاقة جمالية وتأويلية فريدة.أما في القصة والنثر فيبرع د. طاهر مشي في البناء القصصي والحبكة المشوقة.نصوصه النثرية،تُظهر قدرته على استبطان الداخل الإنساني وخلق عوالم سردية مشبعة بالحلم والرمز.إنه كاتب لا يسعى لاسترضاء القارئ،بل يصافح البؤس البشري ويكشف الواقع بألمه وأمله،محافظا على حس جمالي رفيع.

بخصوص رؤيته النقدية والإبداعية،فهو يرى أن "القصيدة الحديثة تحمل أدواتها معها".وهو يرفض فكرة التجريب الشكلي المجرد من المضمون،مؤكدا أن أي ابتكار تقني يجب أن ينبع من صلب النص وضرورته التعبيرية،وأن يكون الهدف تقديم علاقات حديثة مع الحياة الجميلة. هذه الرؤية الواعية تجعله مبدعا يجمع بين الممارسة الإبداعية والفكر النظري الرصين.

هذا،وحظيت أعمال د.طاهر مشي باهتمام نقدي ملحوظ،حيث يرى النقاد أنه شاعر ذو قامة عالية يشكّل تحديا مُرضيا للناقد والقارئ معا.وقد أشرت في قراءاتي المتعددة لأعماله إلى أن تجربته تتميز بـخصوصية تجربة شعرية غنية بالرؤى والدلالات المراوغة،وحياكة جمالية تعتمد على المخيلة الإبداعية والتكثيف،مما يخلق صورا شعرية مؤثرة،تفاعلا خلاقا مع الحداثة مع الحفاظ على الألفة والوضوح التعبيري،وتكاملا بين الأنساق الأدبية داخل العمل الواحد،مما يمنحه تماسكا وقوة تأثير.

هذا الاهتمام النقدي هو شهادة موضوعية على أصالة مسيرته وثرائها،ويجعل الدعوة لتكريمه استجابة لاعتراف نقدي قد سبق وأن نضج.

يتعدى عطاء د.طاهر مشي حدود الإبداع الشخصي إلى العمل المؤسسي التطوعي الرامي إلى إثراء المشهد الثقافي.فهو يشرف على "مؤسسة الوجدان الثقافية"،وهي موقع أدبي إبداعي رائد.إذ تعمل هذه المؤسسة تحت إدارته على جمع خيرة النقاد والمبدعين،وتقديم منصة حرة للتفاعل الثقافي الجاد.هذا الدور القيادي يُظهر التزامه الراسخ بـتكريس الثقافة الجادة كرافد للمجتمع ووسيلة للحوار وبناء الوعي،مما يضيف بُعدا مجتمعيا وإداريا لشخصيته إلى جانب أبعاده الإبداعية.

في ضوء هذه المسيرة الحافلة والمتنوعة،من الإجحاف ألا يحظى د.طاهر مشي بـالتكريم اللائق الذي يستحقه.!

إن تكريمه-في تقديري-هو اعتراف بتونس الثقافة التي تنجب من رحم ثوراتها مبدعي كلمات وفكر،تثمين لمسار أدبي نادر جمع بين الإبداع الشعري والقصصي والرؤية النقدية والعمل المؤسسي،وتشجيع للنموذج الأصيل الذي يرفد الثقافة العربية بقيم الجمال والحرية والانتماء.

إن النداء بتكريم هذا الشاعر والكاتب الفذ (د. طاهر مشي) تونسيا وعربيا ليس مجرد إشادة بماض إبداعي،بل هو استثمار في حاضر الثقافة ومستقبلها*.فهو الذي ظلّ عبر قصيدته وقصته وإدارته،شعلة إبداع دائمة،تسير على طريق الكبار،وتُذكّرنا بأن الكلمة المخلصة تبقى أصدق وأنبل شاهد على عصرها.

والتكريم عطاء مُتجدد لا يتوقّف عند حدود تتويج ماض مجيد،بل هوبذرة تُغرس في حاضر الثقافة العربية وتتعهدها الأجيال بالرعاية والعناية.فالشاعر المُحنّك،برؤيته الثاقبة وعمله الدؤوب،لم يكتفِ بأن يكون قيثارة تونس الحالمة،بل تحوّل إلى مهندسٍ للوعي وحارثٍ في تربة الكلمة الأصيلة التي تثمر جمالا وتحررا وانتماء..

إن مسيرته،التي جمعت بين إشراقة القصيدة ودهاليز القصة ومنطق النقد وحكمة العمل المؤسسي،هي نسيج فريد يتلألأ بكل ألوان قوس قزح الإبداعي،فهو الشاعر الذي يرى بعين السوسيولوجي المجتمع،ويدرك بقلب الأديب نبض الإنسان،مما يجعل إنتاجه سجلا حيا لتطور الذات العربية في علاقتها بالعالم.

إن قصيدة د-طاهر مشي ( وهذا الرأي يخصني) هي مُختبر لغويّ،حيث تُعاد صياغة الذاكرة الجمعية عبر قاموسٍ جديد،وتُستعاد براءة المعنى في زمن غرق في العبثيةواللامعنى.إنه،بكلماته،يرد الاعتبار للغة بوصفها بيت الكينونة ووعاء الحقيقة،في زمن يحوّل فيه "اللاشيء" إلى شيء،والعجز إلى إنجاز وهمي..! فكلماته ليست حروفا على ورق،بل هي صرخة وجود،ومقاومة يومية ضد التسطيح والنسيان.

وفي حقل السرد،يتحول القلم تحت يديه إلى ريشة رسام وفأس عالم آثار،ينقب في طبقات النفس والمجتمع،ليرسم لوحاتٍ إنسانية تعانق الواقع بأبعاده المشرقة والمتألمة،دون أن تفقد أبدا إيمانها بالجمال كقوة تغيير. 

إبداعاته القصصية هي أيضا تأريخ شعري للحظات العادية،مما يرفد المكتبة العربية بنماذج فنية تثري الاتجاه الواقعي وتعمقه.أما الرؤية النقدية والمؤسسية لديه،فهي الجسر المتين الذي يربط بين وهج الإلهام العفوي وصَرامة البناء الفكري.. 

لقد فهم،كحارس للتراث ومنفتح على الآداب العالمية،أن الثقافة شجرة جذورها في الأرض التونسية وأغصانها في الفضاء الإنساني الرحب.

ولذلك،فإن تكريم د-طاهر مشي هو أكثر من عرفان بالجميل،إنه تكريس لنموذج المثقف الكامل الذي لم ينعزل في برج عاجي،بل خاض غمار التأسيس والإدارة والإشراف،ليضمن أن الكلمة الجميلة لا تبقى حبيسة الصفحات،بل تتحول إلى مناخ ثقافيٍ يستنشقه الجميع.إنه الشعلة التي لا تُطفأ،والتي تسير على طريق الكبار لتضيء طريق من يأتي بعدها،وتذكرنا بأن الكلمة المخلصة،عندما تجتمع فيها قوة الشعر وعمق القصة وصرامة الفكر،تصبح فعلا أصدق وأنبل شاهد على العصر،

وأقدرها على تحمل أمانة المستقبل.


متابعة محمد المحسن


*ملحوظة : الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي، شاعر عفيف النفس،ذو كرامة أدبية عالية،لا يطلب التكريم ولا يسعى إلى الأضواء.إذ نراه يُبدع في صمت،بعيدا عن زيف الشهرة وعن الألقاب الزائلة، مخلصا لفنه ولفكره..وما أثرته في سياق المقال،أملته مسؤوليتي الضميرية تجاه المبدعين وحملة الأقلام ليس إلا،إذ تفرض الحيوية الإبداعية للمشهد الشعري والأدبي في تونس والعالم العربي تكريم مبدعيه المتميزين تكريما يُعلي من قيمتهم،ويُحفِّز روح الإبداع.وهذا التكريم-كما أشرت-ليس منّة أو هبة،بل هو واجب ثقافي وأدبي واجتماعي،يُقِرّ بالجهد الفكري والفني الاستثنائي،ويُشكِّل اعترافا موضوعيا بتأثير إنتاجهم في صقل الهوية وإثراء المخيال الجمعي. كما أن هذا التقدير يشحذ عزائم المبدعين، ويمدّهم بالطمأنينة الرمزية والمادية أحيانا، لمواصلة العطاء،مما يضمن استمرارية تدفق الإبداع وتجذيره في الواقع الثقافي،فهو استثمار في الفكر والجمال،وحفظ للحضارة من الزوال.

وأرجو أن تستساغ ملاحظتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الوضوعي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق