الثلاثاء، 20 يناير 2026

المهرجان الدولي للقصور الصحراوية: إرث الأجداد..وطموح الأحفاد.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 المهرجان الدولي للقصور الصحراوية: إرث الأجداد..وطموح الأحفاد..

في أعماق الجنوب التونسي،حيث تمتزج روعة الصحراء بأسرار التاريخ،سيُقام قريبا "المهرجان الدولي للقصور الصحراوية" بتطاوين،كعرس بهيج يحيي تراثا عريقا ويطلق طاقات جهة غنية بإرثها الثقافي والإنساني.هذا المهرجان ليس مجرد احتفالية عابرة،بل هو منصة حضارية تعيد للقصور الصحراوية روحها،وتفتح نافذة على عالم من السحر والجمال،يساهم في تنشيط المنطقة اقتصاديا وسياحيا وثقافيا.

وتعتبر القصور الصحراوية في تطاوين إرثا معماريا فريدا وذاكرة حية لتجارب إنسانية متكيفة مع بيئة قاسية.هذه القصور،التي بناها الأجداد بحكمة بالغة،لم تكن مجرد مساكن،بل كانت مجتمعات متكاملة تضم مساكن ومخازن وغلال ومرافق جماعية،تعكس نمط عيش تعاونيا وروحا جماعية متينة.هي شاهد على حضارة صحراوية عريقة تجسد التكافل والابتكار في استخدام الموارد المحلية.وصون هذا الإرث هو مسؤولية تاريخية وأخلاقية،والمهرجان يأتي كأداة حيوية لإبرازه والتعريف به عالميا.

في هذا السياق،يقوم هذا العرس المهرجاني بدور حيوي في تنشيط جهة تطاوين على مستويات عدة،فهو يجذب آلاف الزوار والسياح،مما ينعش القطاعات المرتبطة مثل الفنادق والمطاعم والحرف التقليدية والنقل،ويفتح أفاقا للاستثمار في المجال السياحي والخدمي.كما أنه يضع تطاوين على الخريطة السياحية العالمية كوجهة للسياحة الثقافية والبيئية،مما يساهم في تنويع المنتوج السياحي التونسي.ويتحول بالتالي  إلى فضاء لإحياء الموروث الغنائي والموسيقي والفني والرواية الشفهية والأزياء التقليدية،ونقلها للأجيال الجديدة وللزوار.كما يوفر مناسبة للفرحة واللقاء وتمازج الثقافات،مما يقوي النسيج الاجتماعي ويحسس سكان الجهة،خاصة الشباب بالفخر بهويتهم.

وهنا أقول : لكل مرحلة تاريخية رجالها،وجهة تطاوين اليوم بأمس الحاجة إلى طاقات أبنائها الشباب لقيادة دفة هذا المهرجان الحيوي نحو آفاق أرحب.

على هذا الأساس،فإن تشبيب الهيئة التسييرية للمهرجان بوجوه شبابية فاعلة ومبدعة وذات رؤية،ليس خيارا بل ضرورة  لتجديد الأفكار،وإدخال أساليب تنظيمية وإعلامية وتقنية حديثة تواكب العصر.إذ أن انخراط الشباب يضمن استمرارية المشروع وارتباط الأجيال الجديدة به.كما لا يمكن لهذا الحلم أن يتحقق إلا بتضافر جهود كل مكونات المجتمع في تطاوين،بجمعياته الثقافية والتنموية،كقوة اقتراح وتنفيذ وتعبئة.مع ضرورة توفير الدعم اللوجستي والمالي والإداري وتسهيل المهام.

وهنا أؤكد،أن المهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين هو أكثر من احتفال،هو مشروع تنموي متكامل ورسالة ثقافية إلى العالم. والنجاح في المرحلة القادمة يتطلب شجاعة في تسليم الراية لطاقات شبابية واعدة،مع الحفاظ على الحكمة التراكمية،ودعم هذا المسار بتعاون وثيق بين كل الأطراف.بهذا،نضمن أن يظل هذا المهرجان منارة ثقافية،وصانعا للفرص،ووسيلة للأجداد ليمرروا إرثهم إلى أحفاد فخورين قادرين على تطويره وإشعاعه.

وهكذا،بين جدران الطين التي حفظت همسات الأجداد وحكايات القوافل،يصحو الماضي بلغة الحاضر.إذ ليس المهرجان مجرد احتفاء بحجارة صامتة،بل هو إيقاظ للروح التي تسكنها،وتحويل الذاكرة إلى حلمٍ مشترك.إنه الوشاح الذي يربط بين حكمة السنين وطموح الغد،بين صبر الصحراء وحيوية شبابها.فهنا،حيث تلتقي العروق بالنجوم، تُنسج ليس فقط أيام احتفال،بل مستقبلٌ ينبض بثقة واثقة،أن التراث ليس قيدا للماضي،بل هو جناحٌ يرفع الوطن إلى آفاق أرحب،وجذر يمد أغصانه لتحتفي بها كل حضارات العالم.

على سبيل الخاتمة :

بهذه الربوع الشامخة ( تطاوين)،حيث تختزل القصور القديمة حكايات الأجداد وعبقرية التكيف مع البيئة،يُعدُّ "المهرجان الدولي للقصور الصحراوية" بتطاوين أكثر من مجرد احتفالية عابرة.فهو بمثابة جسر بين الماضي والحاضر، ومنصة تنبض بالحياة لإحياء تراث معماري وإنساني فريد،وتحرير طاقات ثقافية واقتصادية كامنة في ربوع الجنوب.

 انطلاقا من هذا الرؤية،يأتي المهرجان ليكون رسالة ثقافية إلى العالم،ودعوة لإعادة اكتشاف هوية مكانية جمعت بين جمال الطبيعة وحكمة الإنسان،وسعيا لتحويل الذاكرة إلى مستقبل مشرق يتشاركه أبناء المنطقة وزوارها.


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق