الاثنين، 19 يناير 2026

الفجوج بقلم الكاتب رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس

 الفجوج

سأرحل إلى فضائي الصّغير، لا هربا من العالم، بل بحثا عن موطئ قدم داخليّ لم تطأه الفوضى بعد. سأرفع راية التّفرّد والانطواء، لا كقطع مع الآخرين، بل كهدنة مع النّفس، وأسكنني قليلا. أُجهّز أقلاما وأوراقا وقهوة، وأجلس قبالة صمتي، كمن يرمّم بيتا تصدّعت جدرانه من كثرة الضّجيج.

تباعد القوم، واتّسعت الفجوج بين الأفراد، حتّى غدت ممرّات رخوة لعبور الشّياطين؛ لا تأتي بقرون ونار، بل بأصوات مألوفة، تتكلّم على ألسنة النّاس، وتفعل بدلا عنهم. صار الشرّ عاديّا، مألوفا، يمرّ بين الكلمات دون أن يستوقف.

يعترف النّاس بذنوبهم، لكنّهم لا يسدّون الفراغات التي تفصلهم، فيظلّ الشقّ مفتوحا، ويتواصل القول والفعل، كأنّ الاعتراف وحده يكفي لتبرئة المسافات. هكذا غدت العلاقات جسورا دقيقة، شبيهة بمعابر الصّراط؛ رفيعة، مربكة، لا تجتاز بالنّوايا وحدها، بل بالتّمرّس على الإصغاء، وبالشّجاعة اللازمة للاقتراب. ومن لم يحسن العبور، تدحرج في هاوية القطيعة، وسقط في جحيم العداء المجّاني.

الأصل أنّ النّاس متقاربة، متفاعلة، متماسكة، لكن واقع الحال يشهد على تصدّع في الوصل الإنسانيّ؛ تراشق بالكلمات، تسابب بسبب وبغير سبب، انكسار في المعنى قبل الانكسار في العلاقات. لا طمأنينة تستعاد، ولا ألفة تقيم طويلا، كأنّ الاستئناس صار ترفا لا يليق بزمن السّرعة والقسوة.

وفي قلب هذا كلّه، يقف الوطن لاهثا، يلتقط أنفاسه بصعوبة. تتراكم في جسده النّفايات الأخلاقيّة، وتنسدّ أوعيته الدّمويّة، فلا يصل الدّفء إلى أطرافه. أبناء الجلدة الواحدة يتباعدون، والدّم الذي كان يفترض أن يكون رابطا يهدر في أسواق رخيصة، ويستبدل برايات عقيمة لا تظلّل أحدا.

ورغم ذلك، لا تهدأ الخطابات الرنّانة؛ تجتاح الفضاءات، تملأ الشّاشات، وتعد بالخلاص وهي تعمّق الشّرخ. الفضاء الواسع لم يعد ساحة لقاء، بل تحوّل إلى مقاطعات متجاورة بلا نبض مشترك، ولا نغمة تضبط الإيقاع. كلّ يغنّي على ليلاه، ويحسب صوته نشيدا وطنيّا جامعا.

ومع هذا، ورغم كلّ هذا الثّقل، لا ينطفئ الاحتمال تماما. فالمسافة مهما اتّسعت، يمكن ردمها بخطوة صادقة، والفراغ مهما طال، قد يمتلئ إذا تجرّأ أحدهم على مدّ يده أوّلا. لعلّ العودة تبدأ من هذا الفضاء الصّغير، من عزلة واعية تعيد ترتيب الدّاخل، ومن كلمة أقلّ حدّة، ومن إصغاء لا يقاطع. لعلّ الأمل ليس صرخة كبرى، بل تمرين يوميّ على القرب، وبذرة خفيّة تزرع في شقوق هذا العالم، تنتظر فقط من يؤمن بأنّ الوصل ما زال ممكنا. 


رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق