مرايا.. متشظية
أطلال الذاكرة..في جغرافية الخراب..!
"سرت في اتجاهك العمر كله،وعندما وصلت،انتهى العمر". (مظفر النواب)
"المنفى لا يسكن مكانا،بل يسكنني.هو حنين مؤلم إلى أرض لم تعد تُلمس،إلا كشبح بين الأضلاع. المنفى يمشي في قلبي/في خطواتي في أيّامي/المنفى كالحبّ يسافر/في كلّ قطارٍ أركبهُ/في كلّ العرباتِ أراهُ/حتّى في نومي يمشي كالطرقات أمامي/في هذا العصر/يكون الإنسان/ويُعرَفُ مِن منفاهُ"(مظفر النواب)
-لقد صِرْنا غرباء في جغرافيا أحلامنا،نبحث عن بصمة نعرفها على جدار،أو نغمة قديمة في زقاق، بينما التاريخ يغفو مُثقلا بالغبار،والحاضر يسير على قدمين من نار..! ( الكاتب)
في اللحظات التي تسبق الغروب،حين يصبح العالم ظلا طويلا لأشياء لم أعد أملكها،أفتح أبواب ذاكرتي على آخر عتباتها.هناك،حيث يلتقي ماضيي المهجور بحاضري الغريب،يولد سؤال هويتي من رحم الفقد.كل خطوة إلى الأمام هي خطوة فوق أرض من زجاج،تطن تحت أقدامنا بألحان ما كنّا نعتقد أننا سننساها أبدا.!
هذه حكايتي..روح حُملت بين مدينتين،كُتبتا في سفر وجودي،ثمّ مُزِّقتا في عواصف التاريخ.
أنا الآن أسأل: كيف أسكن روحي خرابا..؟! وكيف أحمل وطني حين يصبح مجرد ندبة في شرايين الزمن..؟!
أحيانا يكون الثقل الوحيد الذي لا نستطيع وضعه هو خفة الأشياء التي لم تعد موجودة.
ربما الخراب ليس مكانا نسكنه،بل هو الذي نحمله. وربما الوطن ليس أرضا نمشي عليها،بل جرحٌ ننزف منه كلما تذكرنا أننا كنّا يومًا ننتمي.
إن أكثر المنافي قسوة ليست تلك التي تبعدنا عن الأرض،بل تلك التي تبعد الأرض عنا،حتى ونحن نقف عليها.
واليوم..تقدم بي العمر كثيرا ونهشتني المواجع في نخاع العظم..! كأنما الحياة استدرجتني إلى خط النهاية،وأنا ما زلت أحمل في فمي طعم أول قهوة،وفي عيني وميض أول فرح.
بالأمس كانت المحيطات تنام بحضني،والنوارس تهجع على كفي..كنت طائرا غريبا حط على غير سربه..!
كثيرون منّا ماتوا مرات عديدة..ماتوا حين غادروا، وماتوا حين عادوا إلى غير ما يعرفون،وماتوا كلّما تذكّروا أن الموت وحده هو ما بقي على وفائه للمكان.
سكنت بغداد وتجولت في شارع الرشيد وكأن خطواتي كانت توقّع أغنية للحياة،وكتبت رسائلي للغرباء على ضفاف دجلة والفرات..ابتعت كتبي من شارع المتنبي الفسيح،واحتسيت قهوتي الصباحية بمقهى الشابندر التراثي القديم حيث كانت الحكايات تتساقط من الشفاه كندى دافئ..
الذاكرة خيانة جميلة،تقدم لنا الماضي كهدية ثم تأخذ الحاضر ثمنا لها.
ومن بغداد إلى دمشق سافرت على أجنحة الضيم، بعد أن ذرفت دموعا بحجم المطر تحت تمثال أبي الطيب..وقبل أن يفقد شارعه رونقه الجميل..!
بدمشق حططت رحالي،وكانت كالعروس البهية، تنشر رذاذ ياسمينها في الحارات القديمة على العابرين دون حساب..كان عطرها يدخل القلب من غير استئذان،فيذكّرك أن للروح أوطانا من عطر وضوء.وكانت ملاذنا..إذ تقول وجودنا تقول وجودها الخاص حصرا..فلا هويّة لنا خارج فضائها..وهي مقامنا أنّى حللنا..وهي السّفر..
ليس الحنين شوقا إلى مكان،بل هو وقت كان فيه العالم يوسع من دائرة أحلامنا بدلا من أن يضيقها.
لقد كانت ( دمشق) كفيلة بإخراجنا من مدارات الغربة والاغتراب،وإدخالنا في مسارات السكينة،وهدوء الوجدان الباحث عن نقاء الروح في زمن الهزيمة والانكسار..
في ساحة العباسيين،غرب دمشق،خاصرة الريف، مدخل حيّ جوبر..تلمع أسماء خلفاء العصر العباسي وقد نقشت باللون الذهبي على رخامة وسط الساحة..
اليوم لم يعد للتاريخ هناك أثر..! صار الذهب ترابا، وصارت الأسماء همسًا ضائعا في عويل الريح.
أتعلم ما أقسى ما في الخراب؟ أنه لا يمحو الجمال،بل يحنطه أمام عينيك،ثم يهمس: انظر ماذا كان بإمكانك أن تحب.!
أمر صباحا بساحة المرجة،أقدم وأول ساحة عرفتها دمشق المعاصرة مع بدايات القرن العشرين.وساحة المرجة بتاريخها الحافل وتناقضاتها العجيبة وموقعها الاستراتيجي المميز وسط دمشق مع الأسواق المتفرعة عنها،جعلها مكانا يجمع الخيال مع الواقع ويقدم قراءة لمفردات الحياة الدمشقية،لتأتي الساحة متفردة بكل شيء ومتميزة عن كل ساحات وميادين دمشق..
لم تعد دمشق اليوم،كتلك التي عرفتها منذ سنين.. دمشق الوارفة..عاصمة الخلافة الأموية..مهد التاريخ..دمشق العروس البهية التي كنت أطل على جمالها من جبل قاسيون..أين ذهب ذلك الحضن الآمن؟ أين تبخر ذلك الضوء؟!
نحن ندفع ضريبة الذاكرة غاليا،نبصر الماضي بوضوح الشمس،بينما نحاول أن نلمس الحاضر من خلال غبار الانفجارات.!
دمشق التي كانت تستقطب الناس من كل حدب وصوب،بالحدائق والبساتين والنواعير والأسواق والساحات.وقد أبدع ياقوت الحموي حين قال عنها: "ما وُصفت الجنّة بشيء، إلا وفي دمشق مثله"، وقال عنها ابن حوقل: "هي أجمل مدينة من مدن الشام تقع في أرض مستوية".
..ولم تعد بغداد (بلاد الرافدين) وعاصمة الرشيد التي أسسها المنصور وكان يقصدها العلماء والنابغون والمثقفون والشعراء كما كانت..ليست نفسها الموجودة اليوم..!
أيتها المدينة التي كانت تتنفس شعرا وتنزف دجلة بأنوار الحكمة،كيف صرتِ جرحا ينزف في صمت؟!
الوطن الذي تحمله في عينيك يصبح عبئًا حين تكتشف أن الناظرين إليه لا يرون سوى الركام.
ربما كان العراق،هو البلد الأكثر دوِيا بما جرى في حقيقة الأمر،للعرب جميعا..لكن ما ظهر بارزا على سطحه كان مترادفات سرية وعلنية في كل أرض عربية..
وهنا يسكن أعظم الألم: أن تدرك أنك لم تفقد المدن فقط،بل فقدت النسخة من نفسك التي كانت تستحق أن تسكنها.
الفقد الأكبر هو أن تفقد القدرة على الحنين،أن تصبح الذكرى أقسى من أن تحتمل،وأثمن من أن تترك.
وها أنا الآن،بين مدينتين تحولتا إلى ظلّين لذكرى، أتساءل: كيف للقلب أن ينبض بانتظام وهو محشوّ بشظايا زمنين مقتولين؟ كيف يمكن للروح أن تسكن خرابا؟ كيف تُحمل الذكريات في حقيبة ظهر،ويُحمل الوطن في شرايين لم يعد يمرّ فيها إلا ندب السؤال؟
أحيانًا أخاف أن تكون حياتنا كلها مجرد هامش كتبته الأقدار على صفحة مدينة محيت.!
لقد صِرْنا غرباء في جغرافيا أحلامنا،نبحث عن بصمة نعرفها على جدار،أو نغمة قديمة في زقاق، بينما التاريخ يغفو مُثقلا بالغبار،والحاضر يسير على قدمين من نار..!
نحن الجيل الذي علّمه المطر أن يكون انفجارا، وعلّمته الأرض أن يكون قبورا متجوّلة.
والسؤال الأكثر مرارة: هل كان كل ذلك الجمال مجرد تمهيد طويل لهذه الخيبة؟ هل كنا نعيش في حلم جميل،لنستيقظ ذات يوم على كابوس لا نعرف مخرجا منه؟!
ما يقتلنا ليس اليأس من المستقبل،بل اليقين بأن الماضي لن يعود،وأنه كان أجمل مما نحن مستحقون.
أحيانا، يتحول الحنين إلى قبر نحمله على ظهورنا، ونخاف أن نضعَه كي لا نفقد السبب الوحيد الذي يجعلنا نشعر أننا ما زلنا أحياء.!
وهكذا أجد نفسي،كشجرة جذورها في سماء الذاكرة وأغصانها في أرض الغربة.وطني لم يعد مكانا على الخارطة،بل صار زمنا مقطوع النَّسب، ورواية انتهت فصولها قبل أن أفهم مغزاها.أحمل في داخلي بغداد ودمشق كتوأمين حزينين، يراقبان من عيني كيف يتحول تاريخهما المجيد إلى ركام من الأسئلة.ربما هذه هي لعنة المحب: أن تحمل جمال ما فقدت حتى آخر رمق،وأن تدرك أن الهزيمة الحقيقية ليست في فقدان المكان،بل في تحول الذكرى من ملاذ إلى سؤالٍ لا جواب له، ومن حنين إلى وجع صامت يستوطن الروح..!
الألم الوحيد الذي لا دواء له هو ألم الجمال الضائع،إنه الشظية التي تبقى في القلب ولا يجرؤ الجراح على لمسها.
وهنا أختم بسؤال: من أين جاء كل هذا الخراب؟ وكيف صيغت أقدارنا وارتسمت خطًا مستقيما من حديقة البيت الأبيض إلى ساحة الفردوس في بغداد.. ووصولا إلى ساحة المرجة بدمشق..!؟
ويظل السؤال حافيًا عاريا ينخر شفيف الرّوح..!
الخراب لا يأتي من العدم،إنه ابن شرعي للصمت الطويل،والأسئلة التي دفنت تحت سجاد المجاملة.
وهكذا،نبقى نحن-أبناء الأماكن المهشمة-نحفر في ركام الذاكرة بحثا عن بصمة ضائعة،عن صوت ينتمي إلينا.قد لا نجد مدننا مرة أخرى على الخريطة،لكننا سنظل نراها في كل غروب يطوي العالم،وفي كل قهوة صباحية تذكرنا بأننا كنّا يوما ننتمي.ربما هذا مصيرنا: أن نكون سجّاني ذاكرتنا، وحراسا لأشباح الأماكن التي أحببنا.نعيش على حافة الوجود،حاملين في قلوبنا نعيا طويلا لأوطان لم تمت،لكنها صارت أشبه بندبة جميلة في جسد الزمن..ندبة تدمى كلما تذكرنا كم كنا فيها أحياء.
مصيبتنا الكبرى أننا ولدنا في زمن صار فيه الحب للوطن حكاية يخجل منها التاريخ.!
السؤال سيظل حافيا..والروح ستظل عارية أمام رياح الغياب.لكن ربما في هذا العري ذاته،في هذه الهشاشة المكشوفة،يكمن آخر أنواع المقاومة: أن نرفض النسيان،أن نستمر في السؤال حتى لو كان الصمت هو الجواب الوحيد.لأن من يحمل وطنه كجرح،يحمله أيضا كشهادة.وكأننا نقف على حافة الهاوية،نصرخ في وجه النسيان: نحن هنا..وكنا هناك..ولن نترك للريح سوى أسمائنا.
ربما ليس المطلوب منا أن نجد الأجوبة،بل أن نحمل الأسئلة بنوع من الكبرياء،كبرياء من يعرف أن سقوط الجدران لا يعني سقوط الذاكرة،وأن دوي الانفجارات،رغم هوله،أقل صدقا من همس جدّتنا وهي تروي لنا حكاية المكان.
عدت بالأمس البعيد إلى أحضاني..إلى تونس الخضراء،أعانق ترابا تشوقت إليه روحي طويلًا.. عدتُ،وكأنني "كولومبس أعماقي"،أبحر في بحر من الذكريات لأكتشف-من جديد تونسي الحميمة، تلك التي تعانق السماء بصمودها،أعني "تَطَاوِين" الحبيبة،الشامخة كجبالها،الصامدة في وجه ليالي الريح العاتية،كقلب لا يعرف سوى النبض بالوفاء.
وما الشعر إلا حنين يبحث عن مسمى..إلا لمسة خافتة نرسم بها جغرافيا الأرواح..إلا همسة تخرج من صمتَ المكان لتصير كلماتٍ ترفرف في سماء اللغة..!
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق