الجمعة، 2 أكتوبر 2026

حين تصبح الغربة..غربة عن الذات..! قراءة فنية متعجلة في نص الكاتب الكبير الأستاذ الطاهر عسيسيلة "غربةٌ بين الخلق" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين تصبح الغربة..غربة عن الذات..!

قراءة فنية متعجلة في نص الكاتب الكبير الأستاذ الطاهر عسيسيلة "غربةٌ بين الخلق"


في نصه "غربةٌ بين الخلق"،لا يكتب الأستاذ الطاهر عسيسيلة عن غربة المكان بقدر ما يكتب عن الغربة الأشد قسوة: غربة الإنسان عن ذاته. فالنص يبدأ من ازدحام الشوارع والمقاهي والوجوه،لينتهي إلى ذلك الفراغ الداخلي الذي لا تملؤه كثرة الناس.

وبلغة هادئة،شفيفة،ومحمّلة بأسئلة العمر،يمضي الكاتب في تفكيك وحشته،مستحضرا التوحيدي بوصفه ظلا فكريا وروحيا لهذه المناجاة،ومحوّلا تجربته الشخصية إلى سؤال إنساني يتسع لكل من أضاع،في زحام الأيام،شيئا من نفسه.!

ما يلفتني في هذا النص أن الطاهر لا يصرخ في وجه الغربة،بل يحاورها بهدوء من عرف أن بعض الأوجاع لا تحتاج إلى ضجيج،وإنما إلى كلمة صادقة.ولذلك جاءت عباراته قريبة من القلب،لأنها لا تتصنع الحزن،بل تتركه يتسرب إلى القارئ كما يتسرب الضوء الأخير من نافذة بعيدة.!

ولعل أجمل ما يجمعني بهذا النص وصاحبه أننا، نحن الاثنين،مغتربان وحاضران بالغياب،قد تباعدت بنا الأمكنة،لكن الكتابة أبقت لنا طريقا آخر إلى الناس.فنحن لا نحضر دائما بأجسادنا،وإنما تحضرنا نصوصنا،وتحضر معها أرواحنا وأسئلتنا وذاكرتنا،لتكون الكلمات نائبة عنا في وجدان القراء الكرام.

فطوبى لقلم الأستاذ الطاهر عسيسيلة،هذا الابن البار لتطاوين،حين يجعل من غربته نصا،ومن وحشته سؤالا،ومن صمته شعرا نثريا يضيء عتمة الداخل.

فلا تبتئس يا رفيق الطريق والدرب المضيء،ما دمنا نكتب،فلن يكون الغياب كاملا،وما دامت نصوصنا تجد طريقها إلى القلوب،فنحن،وإن غبنا عن المكان،حاضرون في الوجدان.

وفي الختام،تظل كتابات الأستاذ الطاهر عسيسيلة،في مجملها،مشدودة إلى ذلك الأفق الفلسفي الوجودي الذي يجعل الكلمة سؤالا، والسؤال مرآة للروح.

 إنها نصوص لا تكتفي بأن تُقرأ،بل تستدرجنا إلى تأمل ذواتنا،وتضعنا،قسرا وجمالا،في حلبة الرقص على إيقاع الكلمات..!

فليرحمنا هذا القلم الجميل من غواية المعنى،ومن دهشة السؤال،ومن وجع الكلمات حين تعرف طريقها إلى أعماقنا..!


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق