حوشنا القديم
بقلمي / فريحه سليمان المريمي
كان لحوشنا القديم حكاية لا تشبه الحكايات ، كان أكثر من جدرانٍ وأبوابٍ ونوافذ ، كان ذاكرةً تمشي على قدمين ، ودفئاً يسكن القلب حتى بعد أن تتغير الأمكنة ، وتتباعد الوجوه ، ويأخذ كل واحد منا طريقاً لا يُشبِه طريق الآخر .
في حوشنا القديم كانت الجيرة شيئاً آخر ، لم تكْ الجارة مجرد إمرأة تسكن بجوارنا ، ولا الجار مُجرد رجل يفتح بابه على الزقاقِ نفسه ، كانت البيوت مُتقاربة ، والقلوب أكثر قرباً .
إذا غاب أحد ، سأل عنه الجميع ، وإذا مرض ، سبقت إليه الأقدام قبل أن تصل الأخبار ، وإذا فرح بيت ، أمتدت فرحته إلى البيوت كلها .
كانت الأبواب تُفتح بلا مواعيد ، والقهوة تُقدَّم بلا تكلف ، والأطفال يدخلون بيوت الجيران وكأنهم يدخلون بيتهم . لم تكْ هناك حواجز كثيرة بين ( حوشنا ) و ( حوشكم ) ، لأن الحوش كان حوش الجميع ، والحي كان عائلة كبيرة .
ثم كانت الصحبة القديمة
أولئك الذين عرفونا قبل أن نتعلم كيف نخفي أحزاننا ، وقبل أن نعرف معنى المُجاملة ، وقبل أن تُصبح الحياة أكثر تعقيداً .
أصدقاء الطفولة الذين كانت تكفيهم لعبة صغيرة ، وضحكة عابرة ، وقطعة حلوى نتقاسمها. لنشعر أننا نملك الدنيا كلها .
وفي المدرسةِ ، كانت مقاعِد الدراسة تجمعنا دون أن نسأل عن المالِ ، أو المكانة ، أو ما سيصبح عليه كل واحد منا في المستقبل .
جلسنا جنباً إلى جنبٍ ، تشاركنا الأقلام والكتب والدفاتر ، وأنتظرنا معاً جرس الإنصراف ، وحفظنا أسماء مُعلماتنا ، وضحكنا من مواقفِ صغيرةِ ربما لا يتذكرها أحد سوانا .
كان زميل مقعد الدراسة يعرف تفاصيل لا يعرفها أقرب الناس ، يعرف خطنا في الدفترِ ، وطريقتنا في الإجابةِ ، وقلقنا قبل الإمتحان ، وفرحتنا بالنجاحِ ، وربما يعرف أول سر صغير خبأناه في طفولتنا .
كبُرنا
كبرت البيوت ، وتغيرت الشوارع ، وبِيع بعضها ، وهُدمت أخرى ، وسافر من سافر ، ورحل من رحل ، وأنشغل كل واحد بحياتهِ .
لكن الغريب أن الإنسان كلما تقدم بهِ العُمر ، عاد قلبه إلى الوراءِ .
يبحث عن حوشٍ قديم ، ووجهٍ قديم ، وصوتٍ كان يُناديه من آخر الزقاق ، وصديقة طفولة كانت تنتظره عند الباب ، وزميل دراسة كان يجلس بجانبهِ في الصف .
نحن لا نشتاق إلى المكانِ وحده ، بل نشتاق إلى نسخة قديمة من أنفسنا كانت تعيش هناك .
نشتاق إلى زمن كانت فيه الأشياء بسيطة ، لكن مشاعرنا عظيمة. كانت الضحكة بلا سبب ، والزيارة بلا موعد ، والمحبة بلا حساب ، والعتاب لا يفسد الود .
وربما لهذا السبب تبدو لنا عبارة ( حوشنا القديم ) صغيرة في كلماتها ، لكنها واسعة في معناها ، فهي تختصر جيراناً وأصدقاء ، ومدرسةً ومقاعد ، وأمهاتٍ وآباء ، وأعياداً ومناسبات ، وأياماً لم نكْ نعرف حينها أنها ستصبح يوماً ما أجمل ما نملُك من ذاكرة .
يا حوشنا القديم
كم كبرنا بعيداً عنك ، وكم بقيت صغيراً في قلوبنا .
ويا جيرتنا القديمة
ما زالت وجوهكم تسكن الذاكرة ، حتى وإن فرقت بيننا الأحياء والمدن والمناطق والبلدان والسنون .
ويا صحبة الطفولة
ربما لم نعدْ نلتقي كما كنا ، لكن بعض الأصدقاء لا يحتاجون إلى لقاءِ ، يكفي أن تعبر أسماؤهم الذاكرة ، حتى يعود العمر كله دفعة واحدة .
أما زملاء مقاعد الدراسة ، أولئك الذين أقتسمنا معهم أيام الصبا ، فلكم في القلب مقعدٌ لا يُنقل ولا يُستبدل .
فالأمكنة قد تتغير ، والبيوت قد تُباع ، والشوارع قد تتبدل ملامحها ، والناس قد تفرقهم الحياة ، لكن الذاكرة الصادقة لا تبيع بيوتها القديمة ، ولا تغلق أبوابها في وجه من أحببناهم يوماً .
ربما لهذا نبحث اليوم عن بعضنا في العالم الإفتراضي ، وننشئ مجموعات تجمع أبناء الحي ، وأصدقاء المدرسة ، وزملاء المقاعد ، لا لأننا نريد إستعادة الماضي كما كان ، فهذا مستحيل ، بل لأننا نريد أن نقول لبعضنا :
ما زلنا هنا وما زالت بيننا حكاية لم تنتهِ .
فبعض الذكريات لا تعود بنا إلى الماضي فقط ، بل تُعيد إلينا أنفسنا .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق