الخميس، 22 يناير 2026

التقوى في شهر شعبان: منعطف روحاني نحو رمضان بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 التقوى في شهر شعبان: منعطف روحاني نحو رمضان

شهر شعبان هو شهر التهيئة والإعداد الذي يأتي بين رجب ورمضان،والناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوك السلف الصالح يجد أنه كان محطة روحانية عظيمة،ومنعطفا إيمانيا يهيئ النفوس لاستقبال شهر الصيام.فما تجليات التقوى في هذا الشهر الكريم؟ 

إنه كالغيث الخفي الذي يَسْقي بذور القلوب قبل موسم الحصاد،وكنسمة الفجر الهادئة التي تسبق شروق شمس رمضان.

وشعبان ليس مجرد فاصل زمني،بل هو-كما أشرت-محطة تهيئة وتدريب.التقوى هنا تتجلى في الاستباقية الإيمانية،حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في شعبان،حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان،وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان". هذا السلوك النبوي يعلمنا أن التقوى ليست استجابة للمناسبات فحسب،بل هي حالة دائمة من المراقبة والاستعداد.كأن شعبان روضة إيمانية نتزود فيها من أنوار السُّنَّة، ونتدرب على مشقة الطاعة قبل دخول مدرسة رمضان الجادة.

وفي شعبان تتجلى التقوى كجسر يربط بين العبادات،فمن صام شعبان كأنما واصل بين الفضيلتين: فضيلة النوافل وفضيلة الفريضة. وهذا الإستمرار يجسد التقوى الحقيقية التي وصفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخوف من الجليل،والعمل بالتنزيل،والاستعداد ليوم الرحيل". إنه جسر من نور يعبر به المؤمن من شاطئ العادة إلى شاطئ العبادة،ومن ضفة الغفلة إلى ضفة المناجاة.

وليلة النصف من شعبان تذكر المؤمن بضرورة محاسبة النفس قبل أن تُحاسب،وهي من أبرز تجليات التقوى في هذا الشهر.فالتقوى الحقيقية تقتضي وقفة صادقة مع الذكرات والهفوات، واستغفارا يمحو ما تقدم،وتوبة تعيد ترتيب البوصلة نحو الله تعالى.إنها ليلة تُرفع فيها الأعمال،وتُقضى فيها الأقدار،فالمتقون ينتظرونها بقلوب خاشعة وأكف مرفوعة،طمعا في عفو من "يغفر الذنب ويقبل التوب".

يأتي شعبان ليرفع المؤمن درجة في سلم التقوى، فمن كان مقبلا على الطاعة في رجب،يجد في شعبان فرصة للزيادة والثبات.والتقوى هنا ليست شدة عابرة،بل هي تدريج روحي يهيئ النفس للانطلاق في رمضان بأقصى طاقاتها.كما قال الحسن البصري: "إن التقوى ليست بصيام النهار وقيام الليل مع إضاعة الحرمات،ولكن التقوى أداء فرائض الله واجتناب محارمه". إنه شهر التدرج الحكيم،كالتمرين الروحي الذي يعد العضلات الإيمانية لتحمل مشاق العبادة وظمأ المناجاة.

في خضم الاستعداد لرمضان،يذكرنا شعبان أن التقوى ليست في الصوم والصلاة فحسب،بل في تزكية النفوس وإصلاح القلوب.فمن صام شعبان ولم يصم عن الغيبة والنميمة،أو صام عن الطعام ولم يصم عن النظر المحرم،فقد أخل بجوهر التقوى. يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183).فشعبان يدربنا على التقوى الشاملة،تقوى الجوارح والقلب واللسان.

وهنا أختم : شهر شعبان هو الفرصة الذهبية التي منحنا إياها الإسلام لشحن البطاريات الروحية قبل دخول مضمار رمضان.إنه أشبه بمرحلة الإحماء قبل السباق،أو مرحلة المراجعة قبل الامتحان الكبير.فلتكن أيام شعبان ولياليه مدرسة نتخرج منها بأعلى درجات التقوى،لننطلق في رمضان بقلوب مخبتة،ونفوس متوضئة،وأرواح متشوقة إلى مغفرة الرحيم وغفران الكريم.

فطوبى لمن جعل من شعبان جسرا يعبر به إلى رمضان،وطوبى لمن اتقى الله في شعبان فكان من المتقين في رمضان،وطوبى لمن داوم على التقوى فكانت له نورا في الدنيا وذخرا في الآخرة.

فلنستقبل هذا الشهر الكريم بقلوب عامرة بالتقوى، ولنغتنم أيامه ولياليه في التوبة والاستغفار والطاعة،كي نعبر منه إلى رمضان ونحن في أتمِّ الاستعداد وأكملِ الآهبة.فهو شهر التهيئة والإعداد، ومحطة التزود والاستعداد،وبداية الانطلاق نحو رحاب الرحمن،حيث المغفرة والعتق من النيران. فالمتقون في شعبان هم الأقرب إلى القبول في رمضان،والعاملون فيه هم الأرجى للوصول إلى مرضاة الرحمن.

فيا أيها المؤمنون،ها هو شهر شعبان يُنير لنا الدرب بذكرياته النبوية،ويهبنا فرصة ثمينة لإصلاح القلوب وتجديد العزائم.فلنغتنم أيامه ولياليه مدرسة إيمانية نتزوّد فيها بأنوار التقوى، ونتدرب على طاعة الرحمن،حتى نعبر بسلام من ضفة الغفلة إلى شاطئ القرب،ومن ظلمة الهفوات إلى نور المغفرة.

فطوبى لمن جعل من صيامه نُسُكا،ومن دعائه ذكرا،ومن استغفاره توبة نصوحا.وطوبى لمن أعدّ زاد التقوى في شعبان،فدخل رمضان وهو من السابقين بالخيرات،الفائزين بالعتق من النيران.

اللهم بلّغنا رمضان وأعِنّا على صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا،واجعلنا فيه من عتقائك من النار.واجعل شعبان لنا جسرا من النور،نعبر منه إلى رحمتك الواسعة ومغفرتك العظيمة.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق