الجمعة، 23 يناير 2026

حول الانهزام اللغوي: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي كاتبا بلا روح..وأديبا بلا أسفار.! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حول الانهزام اللغوي: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي كاتبا بلا روح..وأديبا بلا أسفار.!

في زمنِ السرعة الرقمية،حيث تتدفّق المعلومات كالنهر الجارف،وتتنافس العناوين على اجتذاب نظرة عابرة،ظهرت فئة من "الكُتّاب" الجدد الذين يحملون قلما رقميا بلا حبر من فكر،وورقا إلكترونيا بلا بصمة من وعي.إنهم أولئك الذين يفتقرون إلى الزاد اللغويّ،ويجدون في أعماقهم فراغا ثقافيا وأدبيا،فيهرعون إلى الذكاء الاصطناعي ليُنجز عنهم ما عجزت مواهبهم عن بلورته.!

وتتعمّق أزمة هؤلاء حين يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساندة إلى قناع يخفي فراغ الهُوية الإبداعية.فالكثير منهم لا يدركون أنهم، باستغنائهم عن رحلة البحث والتعلّم،يسرقون من أنفسهم فرصة النموّ ككُتّاب وكأفراد.فما يبدو مختصرا للطريق يصير في الحقيقة طمسا لمسارهم الفكري والأدبي.وهكذا تتحول الكتابة من فعل وجودي شاق ومُرض إلى مجرد عملية تقنية جوفاء،تفصل الكاتب عن نصّه،وتُبقيه غريبا عن أفكاره المُعلَّبة.

هذه الظاهرة ليست مجرد استعانة بتقنية عصرية، بل هي-في جوهرها-خيانة للأدب والفكر والثقافة. خيانة لأنها تزيّف العملية الإبداعية التي تقوم على التراكم المعرفي،والتمكّن اللغوي،والصقل الأدبي عبر سنوات من القراءة والتأمل والكتابة.فالأديب الحقيقيّ يصوغ جمله من رحيق تجاربه،وينحت مفرداته من صخور تأمّلاته،ويبني عوالمه من طين الواقع وحلم الخيال.أما أولئك "المزيّفون"، فيقدّمون نصوصا باردة،مُجمّعة ولا لون إبداعي لها،تخلو من نبض القلب،وتفتقر إلى دفء التجربة الإنسانية.

ولا يقتصر الضرر على النصوص نفسها،بل يمتد ليشوّه توقعات القارئ ويُغيّب ذائقته.فعندما يتعوّد القارئ على استهلاك ذلك النمط المُتماثل من الكتابة،تبدأ قدرته على التمييز بين الجيد والرديء،وبين الأصيل والمزوّر،بالضمور تدريجيا. فيصبح السطحيّ مقبولا،والجوهريّ غريبا،مما يُهدّد البيئة الثقافية برمّتها بفقدان مناعتها النقدية.!

وتكمن الخطورة الأكبر في التحيّل على اللغة ذاتها. فاللغة ليست أداة نقل محايدة،بل هي وعاء الفكر، وذاكرة الأمم،ومتنفّس الهويّة.فعندما يُكتَب نصّ عربيٌّ بآلة لا تعرف من العربية إلا قواعدها الجافّة، ولا تشعر بجمالياتها،ولا تتفاعل مع ثرائها التاريخي،فإننا نفقد شيئا جوهريا: الروح.نصوص تُقرأ فتبدو صحيحة شكليا،لكنها تبعث رائحة المعدن لا رائحة الورق والحبر والأسفار.!

إن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي كـ"مساعد" أو مصدر إلهام قد يكون مقبولا في سياقات تقنية أو بحثية محددة،لكن تحويله إلى "شبح" يكتب نيابة عن كاتبٍ يدّعي الانتماء لحقل الأدب والفكر-وهذا هو لبّ الخيانة-فهو استسهال يفضح الجهل، ويُؤسّس لثقافة الاستعارة الفارغة.إنه انهزام أمام الجهد،واستسلامٌ للفراغ الداخلي.

والنتيجة؟!

فيضانٌ من المقالات والكتب التي تشبه بعضها كقطرات الماء،متشابهة في البناء،مكرّرة في الأفكار،خالية من الطابع الشخصي أو العمق النقدي.هي كالوجبات السريعة للعقل: تشبع الجوع إلى القراءة للحظة،لكنها لا تُغذي،ولا تترك أثرا،ولا تبني وعيا.

ويصبح السوق الأدبي أشبه بمعرض للبضائع المُقلّدة الرخيصة،تُبهر العين من بعيد،لكنها تتحوّل إلى رماد في اليد عند التمحيص.وهذا بدوره يخنق الأصوات الجديدة الحقيقية،التي تجد نفسها غارقة في ضجيج إنتاج آليّ لا ينتهي.

في المقابل،لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي أداة مذهلة،ولكن كأي أداة،قيمتها تُقاس بحكمة من يستخدمها.قد يكون-كما أشرنا-عونا للباحث في تنظيم مراجعه،أو للكاتب في تذكيره بمرادف،لكنه لا يمكن-ولن يستطيع -أن يحل محلّ المخزون الحياتي،والإحساس الجمالي،والضمير النقدي الذي يمتلكه الإنسان المثقف.

لذا،فإن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من إعادة التوكيد على أن الأصالة شرطُ الإبداع الحقيقي. وعلى القارئ أن يطور من حسه النقدي ليُميّز بين النصّ الإنسانيّ الحي،والنصّ الآليّ المُصطنع. 

وعلى المؤسسات الثقافية والنشرية أن ترفض الانسياق وراء إغراء الكمّ،وتتمسك بمعايير الجودة والعمق.

كما أن على المؤسسات التعليمية أن تُعيد الاعتبار لدور القراءة النهمة والكتابة المتأنية،وأن تزرع في الأجيال الجديدة ثقافة الجهد والبحث،ووعيا نقديا تجاه الأدوات التقنية،حتى لا تتحول من خَدَم إلى أسياد،تسرق من الإنسان أهم مقوّماته: قدرته على التفكير المستقل والإبداع الأصيل.

ختاما،الكتابة فعل مقاومة وجودي،هي شهادة كائنٍ يفكر ويشعر ويحلم.واللغة هي الوطن الروحيّ للكاتب.ومن يخونها بالاستعاضة عنها بذكاء اصطناعيٍّ بلا ذاكرة ثقافية ولا ضمير،يكون قد خان قبل كل شيء نفسه،وسلّم بياض صفحته لفكرٍ مستعار،فصار كاتبا بلا صوت،وأديبا بلا أسفار.!

وخلاصة القول:

إن الظاهرة ليست مجرد سؤال تقني عابر،بل هي معركة وجودية على روح الكتابة وجوهر الإبداع. في قلب هذا الفيض الرقمي الزائف،يظل الصوت الإنساني الصادر عن تجربة وعيٍ ووجدانٍ هو الكنز الحقيقي الذي لا تُعوِّضه خوارزمية،والسفر الشخصي عبر اللغة هو الذي يمنح النصِّ نبض الحياة ودفء الهوية.فالكتابة الأصيلة هي آخر معاقل المقاومة ضدّ طمس الذات وانزياح المعنى، وهي الشهادة الأخيرة على أن الفكر الحرّ والجهد الخلّاق هما وحدهما البصمة التي لا تُنسخ، والرحلة التي لا تُختصر.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق