رسم..على جدار الروح..
تصدير :
نـزولُ الرحمة السماوي يُجَدِّد العَهْد مع الحياة، فكلُّ قطرة تهمس بتطهير الروح من أتربة الأيام.
يهطل ندى السماءِ بلطف ليغسل غبار الخيباتِ والأحقاد،فتذوب الأثقال في مجرى المياه.
تنبعث الروح من الأعماق مغتسلة بانتعاشة عميقة، فتتسع المساحات بنقاوة الزجاجِ بعد المطر،
وتولد من جديد خفيفة تحت سماء نقية..
في رحم كلّ منا غابة داخلية،هامسة بالأشباح وبالزهور،حيث تتدلى ذكرياتنا كفاكهة مرة وحلوة على أغصان الوعي.وحده الصمت الداخلي،ذلك الرفيق الذي يزورنا في لحظات الانهماك في الذات، يمكنه أن يقودنا إلى تلك الغابة ليحدثنا بلغة الضباب والندى.ها هو القلب ينفتح كمظلة في يوم غائم،ليس للهروب من المطر،بل للالتقاط كل قطرة منه،لأن المطر هنا ليس ظاهرة جوية،بل هو لغة الوجود السائلة،ترجمان بين صراخ الأرض وتنهُّد السماء،وشاهد على أن أكثر حواراتنا مصيرية تلك التي نعقدها مع ذواتنا على وقع هطوله.
في هذا الصَّباح المُتلوِّن بضباب الذكريات،حيث تذوب السماء في هيامها الأرضي،أجدني أغوص في صمت المطر العميق.كل قطرة تسقط كذكرى تبحث عن جرح تُعيد فتحه،أو كغفران يبحث عن قلب ليغسله.كأن الزمن هنا،تحت ظلال هذه المدينة الموغلة في المواجع،يتوقف ليسمح للروح أن تتنفس أخيرا.
لطالما وقفتُ كشجرةٍ مُثقلة بأغصان الهموم، تتحدى العواصف المادية التي تجتاح الحياة، وتصارع الأعاصير الصحية التي تهزّ الجسد،لكن الجذور تظلّ متشبثة بأرض الأمل.ليس المطر سوى حوار بين الأرض المتعطشة والسماء المتسامحة،وأنا في الوسط،كجسر من لحم ودم، أحمل في صدري نهرا من الأسئلة التي لا تجد ضفافا.
أليست الحياة سلسلة من الجروح التي نرتديها دروعا؟ وكل ندبة حكاية صمت نُحدثها لنجعل من ألمنا قوة..؟
إن الصمود ليس غياب الألم،بل هو القدرة على النزف داخليا والوقوف بحزم،وكأنك جبل يرى في السحب العابرة مجرد زوّار عابرين.كم من مرة أوشكتُ فيها على الانكسار،لكني وجدتُ في قاع اليأس بذرة صلبة،كانت تنتظر مطر التحدي لتنبت من جديد.
هل نبحث في الدموع عن خلاصٍ ما،أم أننا نكتب بألمنا سيرة للمطر كي يحفظها لنا حين نغيب؟!
الحياة لا تسأل عن جروحنا،لكن المطر يأتي كل عام كطبيب روحاني،يداوي بالنسيان تارة، وبالتذكر تارة أخرى.وها أنا،بين المنزلتين،أتعلم كيف أكون إنسانا: أشتاق،أغفر، أتألم،وأحب..ثم أمطر.
وما بين فصول الشقاء هذه،حيث يضيق الحال وتثقل الأجساد،يتجلى صمتي كأعظم لغات الحوار مع الذات.أرى يديّ المضمختين بغبار الكفاح، وأشعر بقدميّ المتعبتين من طول المسير في طرقات المواجع والجراح،وفي صمتي أسمع صدى روح لا تزال تُناجي النور.إنها روح تعرف أن العاصفة مهما طالت،فهي تمر،وأن الجرح مهما أوغل في الروح،فهو يندمل ليترك مكانه درسا لا ألما فقط.
أتعلم من المطر التواضع،فهو يهبط من علياء السماء ليُحيي كل صغير في الأرض،وهكذا أفعل، أنحني أمام المصاعب لأجد في انحنائي قوة النهوض.لأن الإنسان الحقيقي ليس من لا يسقط، بل هو من يسقط وفي عينيه بريق الصمود،وفي قلبه عزم المطر على العودة دائما،ليغسل ما تقدم ويروي ما سيأتي.فأنا لست ضحية الظروف،بل أنا ابن تحديها،أقف في قلب العاصفة وأبتسم،لأني أعرف أن بعد الغيمة وعد،وبعد الألم حكمة،وبعد كل شتاء ربيعٌ ننتظره بقلب مفعم بالمطر.
وهكذا،تتحول الحياة من سجل للضحايا إلى ملحمة للغزاة.غزاة الشقاء بأنفسهم،باحثين في قاع كأس الألم عن تلك القطرة الماسية التي اسمها: الفهم.فليأتِ المطر إذن،بكل غزارته ووداعته،ليغسل عنا غبار المسافات التي قطعناها بوجع،وليروي بذرة الرجاء التي لا تموت في تربتنا. لنسلم وجوهنا لهذا البلل المقدس،ففيه نذوب لنولد من جديد،وفيه نغفر لأنفسنا أولا،كي نتعلم كيف نغفر للعالم. وليكن دمعنا الأخير،قبل أن تجفف الشمس الأثر،ليس دمع ألم أو حنين،بل دمع امتنان..امتنان لأن الجرح علمنا الحنان،ولأن العاصفة أظهرت متانة الجذور،ولأن المطر،في نهاية المطاف،لم يكن سوى حب السماء الطويل والصامت للأرض.وها هي السماء تحبنا بنفس الطريقة،حتى عندما ننسى أن نرفع رؤوسنا لنرى السحابة التي تسبق الوعد.
وهكذا،نكتشف أن أعظم المعارك لا تدور في ساحات الواقع الواسعة،بل في تلك المساحات الهادئة داخل صدورنا،حيث تُختم صرخاتنا بأختام من صمت،وتُزرع أحزاننا كبذور في تربة الروح. فالإنسان ليس سوى أرض تحمل في ثناياها كل التناقضات: الجفاف والخصب،العواصف والصفاء، الجروح والأمل.والمطر الحقيقي ليس ما ينزل من السماء فحسب،بل هو ذلك الفيضان الوجداني الذي يغسل ركام الذكريات،ويسقي بذرة التسامح الكامنة في أعماقنا.إننا نولد من جديد في كل مرة نسمح فيها لأنفسنا بأن تذوب في براءة البكاء، وننصت إلى حكمة الجرح الذي لم يعد ندبة تُخجلنا،بل رسما على جدار الوجود يخبرنا: لقد صمدتَ،واستنبتَ الزهر من بين الصخور.فلتأتِ كل الأمطار،ففي حنوّها لغسل الأرض تتجلى أعظم معاني التجدد،وفي قدرتنا على الوقوف تحت وابلها،مفتوحي القلوب كالمظال،تتجلى معجزة الحياة ذاتها.
وهكذا،في عمق هذا الصّمت المُطَرِّب،ندرك أنّنا لسنا مجرد مستقبلين للألم أو الفرح،بل نحن الأرض نفسها التي تحتضن البذور والسُّحُب، نترجم صمت السَّماء إلى نبضٍ حيٍّ،ونحوِّل الجراح إلى جذورٍ تشّق صخور اليأس نحو نور نعتقد أحيانً أنَّنا نحن مَنْ يصنعه.فليس المطر سوى مرآة تُري الروحَ عمقها،وليس الصَّمود سوى تلك اللحظة الخالدة التي نختار فيها أن نكون الغيمة والرَّعد والزَّهرة معا،كائنا واحدا لا ينقسم على ذاته،بل يذوب في كُلِّيّة الوجود،مطرا يسقي أرضا،وأرضا تنجب دوما ربيعا بهيا..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق