- تجربة "المتاهة" للفنانة التشكيلية : هيفاء الحاج صالح في نسخها 1 ، 2 و3 -
" جملة من التأويلات البصريٌة والتحوٌلات النفسية نراوح مكانها بين الابيض و الأسود و الالوان الساخنة"
▪︎ الوجدان الثقافية:
لمٌا استدرجت ناظري وخيٌرت ان أتناول تجربتها التشكيلية ، كنت مقتنعا أن عالم الرسامة و الدكتورة: هيفاء الحاج صالح ، استثنائي ومتفرٌد بكل ما حوى وتضمٌن من تاويلات وتحوٌلات لافتة وجذاٌَبة لاستزيد من إمعان التفحٌص في اللوحات التي حَوَت تجربتها الفنية :" المتاهة 1 -2 " من دار الثقافة قصور الساف و مرورا بالمكتبة العمومية بمدينة الشابة ثم وصولا إلى محطتها الثالثة بمدينة أكودة في ضيافة الصالون الثقافي الشجرة وبالتحديد بفضاء دار الثقافة أكودة حتٌى ينتهي الأمر بقراءة لافتة للمتاهة 3 التي أذابت شيئا ما من حيرتي وتعرٌي ما خفي من رغبتي الجامحة لتلمٌس فحوى الرسوم ونوايا الفنانة التي أتقنت عبر تجلياتها التشكيلية و فسيفساء رسوماتها في دغدغة فرشاتها حتى تشفي غليل اختيارها لاقتناص الفكرة وابلاغها للملاحظ والمتامٌل في ثناياها من خلال شدٌه للكشف عنها وهي تتخفٌى تحت خطوطها الملتوية التي تشكٌلها المتاهة ، وقد استحسنت كثيرا اختيارها لللونين الابيض والاسود كقيمتين ضوئيتين للتعبير عن ثنائية في جانب الاحاسيس والمفارقة بين بعدين لا يتشابهان لتختزل الرسامة المسافة بينهما وتخاتلنا بأسلوبها الفني المغاير ثم ترتجل متاهتها باقتدار فهي الفتنة والدهشة و لعبة الكرٌ والفرٌ التي اقامت نواميسها الفنانة ثم والاكثر من ذلك الرغبة في إزالة القلق عن المتيٌمين بالعزلة حينا واستدراج الفرح إلى المتقبٌل الوهن احيانا أخرى .
مازلنا نترقٌب إحالتنا على بوٌابة رئيسية ثانية لهذه المتاهة لننطلق عبرها في صياغة ملحمة الرسامة الإبداعية قادم الجولات التي ابقت متاهتها مفتوحة على مختلف التاويلات حين التقينا الفنانة هيفاء الحاج صالح افتراضيا في بداية مطافنا لرفع اللٌُبس عن سرٌ التسمية وتعرية أسرار واغوار هذه المتاهة التي شدٌتنا لفقه تجاويفها صرٌحت لنا قائلة وبثقة في النفس : " في حقيقة الأمر أن بدايات وصولي إلى مفهوم "المتاهة" كان عبر مراحل، فاهتمامي في البداية كان معتمدا على "العين" بكل ما تحتويه من مفاهيم عن النظرة الأحادية و النظرة المتحررة و دور كل منها في فهم العالم، ثم انتقلت لاحقا إلى الاهتمام بالشكل الدائري الذي يذكرني بشكل بؤبؤ العين إلى أن وصلت إلى الشكل الكروي للأرض، ثم وصلت الى الشكل الخرائطي و العالم المسطح من جديد كرؤية نقدية عن العالم الذي يظهر فيه الشكل الخرائطي حدود وقيود من جهة للعالم، وفي نفس الوقت تواصل واتصال بين العالم والذي كان واضحا في الخط والخيط الراسم لشكل الخريطة. ربما كانت هذه الكلمة القادح لتجاربي اللاحقة في المتاهة، فبالرغم من أنها (الخريطة) كانت قريبة جدا من أعمالي السابقة إلا إنني لم اهتم بها كعنصر رئيسي بقدر رسمي للشكل التجريدي الواضح في الخط والخيط الواضحان في اعمالي التشكيلية المختلفة...."
ثمٌ تضيف في مجمل كلامها قائلة:".....و هذا ما دفعني للاهتمام بها في أعمالي ولما يظهره الشكل الخرائطي من رمزية واضحة للعالم. و ربما أيضا لما وصلت إليه من مفاهيم تجعلني اخص بالتساؤل عن الضياع والولوج والخروج في العالم، والرحلة والسفر والتشابك والتشعب والامتداد والافتراضية... و قد حاولت من جهة أخرى أن أجد مفهوما أوسعا يشمل كل المفاهيم التي مررت بها، إلى أن وصلت الى المتاهة التي تعد الملمة لكل هذه المفاهيم، خاصة وأنّ الأعمال التشكيلية تجعل من القارئ يتوه داخل خطوطها."
هكذا تستدرجنا خطوط الطول والعرض ذات السواد غالبا و التي تخترق بياض القماشة وكانها خريطة طريق ، توهمنا بالنفاذ إلى نهاية المسار ربٌما ينجلي في بعض الاحيان ماخفي جرح في لون الأحمر الداكن كانها ذاكرة صدئة او وجع متقادم يراكم فوق المسار ليقطع مع النبض العادي والروتيني للحياة ." هذا واستطاعت على مرٌ ارتحالنا معها في سفر المتاهة ، ان تنفلت فرشاة الفنانة نحو منعطفات بشتى الأحاسيس و الرؤى عبر تخلصها من تعريجات و ارتساماتها التجريدية بالالوان الباردة متمثلة في الأبيض و الأسود إلى الإبحار على متن الألوان النارية الساخنة ( الأصفر و الأحمر و البرتقالي) و الإتكاء على اقتحام جريء لعالم التشخيص و تدبرها في التعلق بتلك الفتاة ناعمة الملامح و حضورها الملكي بين الحين والآخر
ليتراءى ئى لنا اشتغال الرسامة هيفاء الحاج صالح بعمق على تطوير ملحمتها التشكيلية " المتاهة" .لنبقى على شوق مترصدين لمقاربات أخرى في شأن تجربة هيفاء الحاج صالح وما جاور متاهتها من دلالات وتقاطعات خطوطية تخاتلنا رويدا حتى نستمتع بصريا وعاطفيا مع محاملها الفنية الفاتنة التي تحلق خارج السرب كأبهى ما يكون. وتؤثث لها مكانا مخصوصا في الخارطة الإبداعية الوطنية و استثنائيا في المدوٌنة التشكيلية ◾
🖊 بقلم الكاتب : جلال باباي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق