الأربعاء، 26 أغسطس 2026

حين تبكي بن قردان..بصوتٍ مخنوق..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين تبكي بن قردان..بصوتٍ مخنوق..!

- البكاء ليس ضعفا..

فبعض الدموع صلاة،وبعض الصمت جنازة،وبعض الغياب وجع يسكن العمر كله..( الكاتب)


أمام قداسة الموت،وأمام هذا المصاب الجلل الذي ألقى بظله الثقيل على بن قردان،تتراجع الكلمات إلى آخر الصف،وتصمت البلاغة،ويقف القلم حائرا أمام وجعٍ أكبر من اللغة.

هناك أحزان لا تستطيع الحروف أن تحملها، ودموع لا تكفيها المناديل،وصرخات تبلغ الحناجر ثم تعود مخنوقة،لأن القلب يعرف أن بعض الفواجع أكبر من أن تُقال.

اليوم،بن قردان لا تبكي فقط...

بن قردان تنزف من الداخل.

بيوت كانت تنتظر أبناءها على عتبة الفرح،صارت تنتظر نعوشهم.!

أمهاتٌ كنّ يعدن الساعات حتى يعود الغائب،صرن يعددن أنفاسهنّ في حضرة الفقد.

آباءٌ كانوا يرسمون لأبنائهم غدا أجمل،وجدوا أنفسهم فجأة أمام حقيقة لا ترحم: أن الابن الذي خرج من البيت ذات صباح لن يعود إليه إلا نعشا محمولا على أكتاف الرجال.

إلى أهالينا في بن قردان،وإلى الأسر التي ابتُليت بهذا الوجع الذي لا يبرأ،رحم الله من رحلوا،وربط على قلوب من بقوا يحملون في صدورهم جراحا لا تُرى،لكنها أثقل من الجبال.

وأنا،محمد المحسن،ابن هذه الجهات الجنوبية، المقيم على التخوم التي تتجاور فيها البسمة والدمعة،أعرف شيئا من لغة الفقد.*

أعرف كيف يصبح الليل أطول من العمر،وكيف يتحول الصمت إلى صوت،وكيف يمكن لذكرى صغيرة أن تهزم الإنسان كله.!

أعرف أن بعض الأوجاع حين تُروى لا تهدأ،بل تنفتح من جديد.

لذلك،وأنا أكتب عن بن قردان اليوم،لا أكتب من بعيد،ولا أقف على ضفة الحزن متفرجا.

 إنني أعرف هذا الطريق،وأعرف ثقل الخطوة الأولى بعد الرحيل،وأعرف كيف يصبح البيت،بعد فقد عزيز،هو نفسه البيت..لكنه لا يعود كما كان.

فماذا يستطيع الكاتب أن يفعل أمام الموت ؟!

لا أملك إلا الحبر،والحبر أضعف من أن يحمل نعشا أو يعيد ابنا إلى أمه.

ولا أملك إلا الكلمات،والكلمات،مهما بلغت من البلاغة،تظل عاجزة أمام أمّ فقدت فلذة كبدها، وأب انحنى ظهره فجأة تحت ثقل المصاب، وزوجة أُغلقت في وجهها أبواب الانتظار،وطفل سيكبر وفي ذاكرته كرسي فارغ،وصوت غائب، ووجه لن يطرق الباب مرة أخرى.

لكنني أكتب..

أكتب لأن الكتابة أحيانا هي آخر ما يملكه الإنسان حين تعجز يداه عن فعل شيء.

أكتب لأن الكتابة الصادقة لا تعيد الموتى إلى الحياة،لكنها تنقذ أسماءهم من الغياب،وتمنح ذاكرتهم مكانا في الزمن،وتقول لهم: لم تمروا من هنا عبثا،ولن تكونوا مجرد خبر عابر في نشرة الأيام.

أكتب لأقول لكل أم ثكلى: إن وجعكِ مسموع،وإن دمعتكِ ليست وحدها.

ولكل أب موجوع: إن انكسارك مفهوم،وإن القلب الذي فقد ابنه لا يحتاج إلى المواعظ بقدر ما يحتاج إلى من يجلس قربه ويصمت.

أكتب لكل بيت أطفأ الموت مصباحا فيه،ولكل طفل يبحث بعينيه عن وجه لن يعود،ولكل روح وقفت على حافة اللجة ثم عادت تحمل معها سؤالا لا جواب له.

في مثل هذه اللحظات،لا يحق لنا أن نحول الموت إلى منبر للمزايدات،ولا الفاجعة إلى ساحة للخصومات.

فالذين رحلوا ليسوا أوراقا في سجال،وأهلهم ليسوا جمهورا لخطاباتنا.

إنهم موتى لهم حرمة الغياب،وأحياء لهم حرمة الوجع.

بن قردان اليوم لا تحتاج إلى كثير من الكلام..

تحتاج إلى قلب يربت على قلب،ويد تمسح دمعة، وصوت خافت يقول لأهلها:

لستم وحدكم..

رحم الله الذين غادروا قبل أن تكتمل حكاياتهم، وقبل أن تنضج أحلامهم،وقبل أن يشبع أهلهم من حضورهم.

رحم الله وجوها لن تعود،وأصواتا انطفأت، وخطوات توقفت في منتصف الطريق.

وسيظل السؤال معلّقا في سماء الحزن:

كيف يمكن لبيت أن يعتاد غياب من كان يملؤه حياة؟!

كيف يمكن لأم أن تنام دون أن تنتظر صوت مفتاح ابنها عند الباب؟!

كيف يستطيع أب أن يمر أمام غرفة ابنه دون أن يلتفت إليها ؟!

وكيف يمكن لطفل أن يفهم أن أباه أو أخاه أو من أحب لن يعود ؟!

لا جواب..!

لأن بعض الفواجع لا تُحلّ،ولا يملك الإنسان أمامها إلا أن يتعلم،ببطء شديد،كيف يحمل حزنه ويمضي.

وفي النهاية..

ستبكي بن قردان،وسيطول بكاؤها،وقد تخنقها العبرة حين تُذكر الأسماء،وحين تُفتح الأبواب فلا يدخل منها من كانوا ينتظرونهم،وحين تبقى المقاعد فارغة كأنها تحفظ شكل الغائبين.

لكن البكاء ليس ضعفا..

فبعض الدموع صلاة،وبعض الصمت جنازة،وبعض الغياب وجعٌ يسكن العمر كله.

رحم الله من غادروا،وربط على قلوب أمهاتهم وآبائهم وأبنائهم وذويهم.

ولعل أصدق ما يمكن أن نقوله لبن قردان الثكلى:

ابكي يا بن قردان..ابكي حتى يخفّ بعض ما في صدرك.

فحين تعجز الكلمات،تصبح الدموع آخر لغة يتقنها القلب.

وحين يرحل الأحبة،لا يبقى لنا منهم إلا الدعاء، والذكرى،ووجعٌ جميل لا نريد له أن يموت.


محمد المحسن


*تنويه:

لم أكتب عن الفاجعة من وراء الكلمات،فقد ذقت لسعتها حين استقر جسد ابني الغض في عمق اللجة بألمانيا،وغاب عن عيني،ثم عاد إليّ نعشا محمولا على أكتاف الرجال.

ومنذ ذلك الرحيل،لم يعد الحزن عندي مجرد كلمة، بل جرحا يسكنني ولا تبرئه السنوات.

وما زلت إلى اليوم أبكيه بصوت مشنوق،تختنق فيه الكلمات،وتبقى فيه صرختي معلّقة في كهوف  الروح.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق