الضوء الذي يسكن الظلال
ليست الحياة طريقًا نضلّه،
بل اتساعٌ غامضٌ نسير فيه ونحن نحاول أن نتعرّف على أنفسنا عبره،
كأننا لا نعبر المسافات… بل نعبر طبقاتٍ من وعينا.
نمضي مثقلين لا بما نحمله،
بل بما لم نفهمه بعد،
نتكئ على أبوابٍ موصدة،
لا لتفتح،
بل لتُعيدنا إلى السؤال الذي هربنا منه طويلًا.
كل اصطدامٍ ليس عثرة،
بل انكشاف،
وكل سقوطٍ ليس فقدان توازن،
بل لحظةٌ تُجبرنا على النظر إلى الداخل،
حيث يختبئ ذلك الضوء الصامت،
الذي لا يظهر إلا حين نتوقف عن الادّعاء بأننا بخير.
الغربة…
ليست ابتعادًا عن مكان،
بل اقترابٌ قاسٍ من الذات،
حيث لا شيء يُلهيك عنك،
ولا أحد يجيب بدلًا عنك،
فتسمعك بوضوحٍ مؤلم،
وتفهمك ببطءٍ صادق.
وفي عمق هذا الصمت،
تنهض الذاكرة كعبقٍ لا يُرى،
لا يحمل صورًا بقدر ما يحمل شعورًا،
أول ارتجافة قلبٍ حين لمس المعنى،
وآخر انكسارٍ حين فقده،
فتختلط الأزمنة فيك،
ولا تعود تعرف:
هل تشتاق لما كان…
أم لما كان يمكن أن يكون؟
تصير روحك ساحةً لا تتصارع فيها الأضداد،
بل تتجاور كحقيقةٍ واحدة،
فالعشق لا يولد دون ألم،
والحنين لا يأتي دون فقد،
والخيبة ليست إلا أثر إيمانٍ عميقٍ لم يجد ما يحتضنه.
نبحث عن أنفسنا،
لكننا في الحقيقة نحاول أن نصغي إليها،
ذلك الصوت الذي يتردّد بين رغبتنا في النجاة
وخوفنا من التغيير،
بين شوقنا للحب
ورعبنا من أن نُرى كما نحن.
نقف عند مفترقٍ لا تُشير إليه الخرائط،
ونسأل الأبواب المغلقة:
هل أنتم نهايات الطريق،
أم بداياته التي لم نمتلك شجاعة عبورها؟
ثم…
دون أن يحدث شيءٌ واضح،
يتبدّل كل شيء،
كأن فهمًا خفيًا يتسرّب إلى وعينا،
لا يجيب،
لكنه يجعل الأسئلة أخفّ،
وأقلّ قسوة.
عندها،
لا تعود الغربة وحشة،
بل مساحةً نلتقي فيها بأنفسنا دون أقنعة،
ولا يعود السقوط خسارة،
بل لغةً أخرى للفهم،
ولا يصبح الحب خلاصًا،
بل مرآةً نرى فيها عمقنا، لا نقصنا.
تتداخل ألواننا،
لكننا نراها أخيرًا كما هي:
الألم ليس ظلامًا،
بل عمقٌ لم نجرؤ على لمسه،
والهدوء ليس هروبًا،
بل مصالحة،
والضوء…
ليس نقيض الظل،
بل ما يمنحه شكله ومعناه.
ندرك أن التناقض ليس انقسامًا،
بل خيطٌ خفيّ
يجمع شتاتنا في نسيجٍ واحد،
وأن ما ظننّاه ضعفًا
كان دعوةً للتباطؤ،
حتى نرى ما كنا نعبره بلا انتباه.
كل ذكرى تعود،
كل بابٍ يُغلق،
كل ارتباكٍ يخلخلنا—
لم يكن عبثًا،
بل كان يدًا خفية
تعيد تشكيلنا من الداخل.
وهكذا نستمر،
لا لأننا وجدنا الطريق،
بل لأننا لم نعد نخاف من فقدانه.
نمضي…
لا نحو مكان،
بل نحو فهمٍ أعمق لأنفسنا،
نتعلّم أن نحتملنا،
أن نحبّنا،
أن نكوننا… كما نحن.
وفي هدوءٍ لا يحتاج إعلانًا،
نكتشف:
أن الرحلة لم تكن بحثًا عن الوصول،
بل كانت عودةً بطيئةً إلى الداخل،
وأن القلب،
رغم كل التيه،
لم يضلّ يومًا،
بل كان ينتظر فقط
أن نصغي إليه.
وأن الضوء—
لم يكن بعيدًا عنا،
بل كان، دائمًا،
يسكن ظلالنا. (خالد عجيبه)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق