الأحد، 21 يونيو 2026

السقوط في متاهة المعنى !! بقلم الكاتب علي سيف الرعيني

 السقوط في متاهة المعنى !!

علي سيف الرعيني 


في مشوار الحياة لايكون الانكشاف الحقيقي للإنسان حدث عادي، بل لحظة فارقة تشبه سقوط ستارٍ ثقيل كان يحجب المشهد كاملا فكم من أشخاص أبهرتنا كلماتهم  وأعجبتنا هيئاتهم، وجذبتنا ثقتهم المفرطة بأنفسهم، حتى ظننا أنهم نماذج مكتملة لا يعتريها نقص ولا تناقض. لكن الأيام، تلك الخبيرة في كشف المستور، لا تلبث أن تزيح الأقنعة واحدًا تلو الآخر، فتظهر الحقائق كما هي، دون زينة أورتوش 

إن بعض الوجوه المتعالية تبدأ رحلتها بالجذب  تمتلك قدرة كبيرة على صناعة الصورة التي تريد للناس أن يروها، فتبدو قوية، حكيمة، ناجحة، وربما مثالية لكنها تنشغل كثيرًا بتلميع المظهر حتى تنسى بناء الجوهر. وحين تأتي لحظة الاختبار، لا تصمد الصورة أمام الحقيقة، لأن ما لم يُبنَ على أساس متين لا يمكنه مقاومة العواصف.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون السقوط بسبب خطأ واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الادعاء والتصنع والابتعاد عن الذات الحقيقية. فالإنسان الذي يعيش عمره مرتديا الأقنعة ينسى تدريجيًا ملامحه الأصلية ويصبح أسيرا للصورة التي صنعها للآخرين. وعندما تتصدع تلك الصورة، يجد نفسه وحيدًا أمام سؤال باهت من أنا حقًا؟

هنا تبدأ متاهة فقدان المعنى  فالشخص الذي ربط قيمته بإعجاب الناس أو مكانته أومظهره الخارجي، يكتشف فجأة أن كل ذلك هش وقابل للزوال. وعندما تختفي التصفيقات وتنطفئ الأضواء، يشعر بفراغ داخلي كبير، لأنه لم يتعلم أن يستمد قيمته من صدقه مع نفسه، بل من نظرات الآخرين إليه.

ولعل أكثر ما يؤلم في هذا الانكشاف أنه لا يفضح الإنسان أمام الناس فحسب، بل يفضحه أمام نفسه. فهناك لحظات يدرك فيها المرء أن السنوات التي قضاها في مطاردة الصورة كانت على حساب الحقيقة، وأنه أهمل بناء روحه وهو منشغل ببناء انطباعاته 

ومع ذلك، فإن سقوط الأقنعة ليس دائمًا نهاية مأساوية أحيانا يكون بداية نجاة حقيقية  فالإنسان لا يستطيع أن يبدأ حياة صادقة إلا بعد أن يتصالح مع حقيقته، بكل ما فيها من ضعف ونقص وأخطاء. وعندما يتوقف عن التظاهر، يكتشف أن البساطة أكثر راحة من التصنع، وأن الصدق أكثر قوة من التظاهر بالكمال 

إن الحياة لا تحاكم الناس على الأقنعة التي ارتدوها، بل على ما تبقى منهم بعد سقوطها. فالأقنعة قد تخدع العيون لبعض الوقت، لكن الزمن يمتلك قدرة مذهلة على كشف الوجوه الحقيقية وعندها لا يبقى للإنسان سوى جوهره، فإن كان صادقًا نجا، وإن كان فارغًا تاه في متاهة فقدان المعنى، يبحث عن نفسه بين أنقاض صورةٍ صنعها بيديه ثم صدّقها حتى سقطت فوقه!!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق