هذا الرجل أحبه
منذ اللحظة الأولى التي علمتُ فيها أنه قد عاد إلى مقر عمله، وجدتُ نفسي في غاية اللهفة لرؤياه، وقد غاب عنا بضعة أيام ظننتها سنوات طوالًا.
قمتُ إلى دولاب ملابسي أختار أفضل ثوب أرتديه عند لقائي به، بل وكنت أعرف اللون الذي يحبّه، وهو اللون البني الغامق، فاخترت ثوبًا بهذا اللون. ليس هذا فحسب، بل كنت أعرف أنه يفضل أن يكون شعر المرأة منسدلًا على جانبي وجهها، فحرصتُ على أن أفعل ذلك.
وهرولتُ إليه... ولكن!
ماذا جرى لي؟
ماذا فعل هذا الرجل بي لأتلهف إلى لقائه وأحرص على أن أبدو أمامه في أفضل صورة؟
فأنا مديرة في مركز الدراسات المصرفية، ويحيط بي العديد من الرجال، والكثير منهم يترقب أن أسايره في إعجابه بي، وأن أُعير نظراته المتلاحقة جلَّ اهتمامي.
فهل أعود إلى حيث جئت؟
هل أخفي مشاعري نحوه؟
هل حقًّا له منزلة في قلبي جعلتني أتصرف بهذا الشكل؟
رغم أن مركزي الوظيفي جعلني أبدو جادة في التعامل مع الناس... صحيح أن ذلك يخالف طبيعتي، لكن مع مرور الأيام وجدتُ نفسي أتغلب على طبعي، وأتقمص صورة الجدية.
غير أنني اليوم فقط، وبعد عودة هذا الرجل، وجدتُ نفسي أعود إلى طبيعتي التي افتقدتها منذ توليت هذا المنصب.
شعرتُ بالخجل من لقائه، وأحسست بأنني لن أستطيع الحديث معه، وأن الكلمات ستتعثر في فمي.
ولكي أتغلب على هذا الإحساس، وجدتُ أنه من الأفضل أن أعرف مسبقًا ماذا سأقول له، وكيف يكون الحوار بيننا؟
نظرتُ إلى المرآة وتساءلت:
هل سيُعجبه مظهري العام؟
هو الآخر يحيط به عدد من النساء بحكم عمله محاميًا مشهورًا، وتضطره طبيعة عمله إلى التعامل مع كثيرات منهن.
وهنا سألتُ نفسي: أين أنا عنده؟
هل أنا على هامش حياته؟ أم أن لي مكانة خاصة في قلبه؟
لقد كان اهتمامه بي، ومتابعته لأحوالي، وقلقه إن تأخرتُ في الحضور إليه، بل وحرصه الأكبر إن مرضتُ، مما يسعدني غاية السعادة. فقد قلَّ أن أجد من يهتم لأمري حتى من أقرب الناس إليّ!
احتَرتُ في أمري: ماذا أفعل؟ ماذا أقول؟ وكيف أتصرف؟
وأخيرًا، تجرأتُ وطرقتُ طرقاتٍ خفيفة على الباب...
كم بلغ بي الشوق لرؤياه، وكم أثقلت الدقائق وهي تمر بي!
كنتُ أحترق شوقًا لرؤية هذا الرجل.
ولم أصدق عينيَّ حين رأيته... هو بنفسه أمامي، بابتسامة تضيء وجهه، بل وتضيء نفسي فرحًا وطربًا.
رحب بي ودعاني إلى الدخول، ومن شدة إحساسي بالخجل كدتُ أن أسقط، فأمسك بيدي...
نفس اليد التي أمسكت بي ذات يوم ونحن نمر في طريق يعج بالسيارات، فشعرت يومها بخوفه وقلقه عليّ.
جلستُ على أحد المقاعد في الغرفة، ولا يزال الخجل يعتصرني، ويزيد حيرتي: كيف أبدأ الحديث؟ وكيف أتجاوب معه؟
وبينما أنا على هذا الحال، دخلت امرأة إلى المكتب، أعربت عن اشتياقها له، وسعادتها بعودته من السفر.
كدتُ أضيق غيظًا وأشعر بالغيرة، وازداد وجهي احمرارًا من شدة الخجل، فأدرتُ وجهي بعيدًا عنه حتى لا يراني على هذا الحال.
وما إن انصرفت المرأة حتى قال لي بعبارات هادئة:
«إنها من عملاء المكتب، ولها قضية عندي».
هذا يعني أنه شعر بغيرتي، وأراد أن يخفف عني ما بي من ضيق.
ساد الصمت بيننا قليلًا، ولعله تعمد ذلك حتى تهدأ نفسي.
وبعدها وقعت المفاجأة التي كدتُ أرقص لها من الفرح...
إذ أخرج من جيبه علبة قطيفة ذات لون غاية في الجمال، فتحها، وطلب مني أن أمد يدي، ثم أخرج خاتمًا في منتهى الروعة، وأدخله في إصبعي... و...
مع تحياتي
عبد الفتاح حموده
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق