قضايا إجتماعية مقالي الإجتماعي عن الظاهرة الإجتماعية :
بعنوان : ( حين تتحول أماكن العمل إلى ساحات للخوف.. الاعتداء على المرأة جرس إنذار لضميرِ المجتمع ) .
بقلمي / فريحه سليمان المريمي
ليست كل الحوادث مجرد وقائع عابرة تنتهي بإنتهاء تفاصيلها ، فبعض الجرائم تكشف عن خللِ أعمق في بُنيةِ المجتمعِ ، وتضعنا أمام أسئلة مُؤلمة تتعلق بالأمنِ الإجتماعي ، وهيبة القانون ، وإحترام الإنسان ، ومدى قدرة المؤسسات على حمايةِ المواطنين داخل أبسط تفاصيل حياتهم اليومية .
ما حدث في منطقةِ الصابري بمدينة بنغازي ، داخل صيدلية الدكتورة زينب بوغرارة ، من إعتداءِ وحشي وفقاً لما تداولته المعلومات ، وما رافقه من ضربِ وطعن وإيذاء جسدي خطير ، حتى وصول الضحية إلى العنايةِ المُركزة في حالةِ حرجة ، ليس مُجرد حادثة إعتداء على إمرأةِ أثناء تأدية عملها الإنسانِي الوظيفِي ، بل قضية إجتماعية وأُمنية تستحق أن تتحول إلى قضية رأي عام .
إن إمرأة تقف خلف مكتبها في صيدلية ، تؤدي واجبها المِهنِي وتُقدم خدمة للناسِ ، من المُفترض أن تكون في مأمن داخل مكان عملها ، لا أن تجد نفسها في مُواجهةِ الخطر لمجردِ رفضها صرف أدوية لا يجوز تداولها خارج الضوابط القانونية والطبية .
العنف ضد المرأة ظاهرة لا يجوز تطبيعها :
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعِ هو أن تصبح أخبار الإعتداء على النساءِ مألوفة ، وأن نتعامل معها بإعتبارها حوادث يومية لا تستدعي أكثر من التعليق والإستنكار لساعاتِ ، ثم ننتقل إلى خبر آخر .
فالإعتداء على المرأةِ في مكان عملها لا يمس الضحية وحدها ، بل يبعث برسالةِ تهديد لكلِ إمرأة عاملة ، ولكل فتاة تسعى إلى الإستقلال المِهني ، ولكل أسرة ترسل إبنتها إلى عملها مُطمئنة إلى أن القانون والمجتمع يحميان كرامتها وسلامتها .
وحين تشعر المرأة بالخوفِ داخل مكان عملها ، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الإصابة الجسدية ، بل يمتد إلى الشعورِ بالأمانِ ، والثقة في المحيطِ الإجتماعي ، وقد ينعكس على مشاركتِها في الحياةِ العامةِ والإقتصادية .
الأدوية المخدرة خطر يتجاوز حدود الصيدليات :
ومن الزوايا التي تستوجب التوقف عندها ما أثير بشأن طلب عقار الترامادول ، وما يرتبط بتداولِ الأدوية ذات التأثير المُخدر خارج الأطر الطبية والقانونية .
فهذه القضية لا ينبغي أختزالها في واقعةِ فردية ، بل تستدعي فتح نقاش مجتمعي جاد حول إساءة إستخدام الأدوية ، ومصادر الحصول عليها ، والرقابة على تداولها ، ومواجهة الإتجار غير المشروع بها .
فالصيدلي ليس طرفاً يمكن إرغامِه على مُخالفةِ القانون ، ورفض صرف دواء دون وصفة أو مسوغ طبي ليس إستفزازاً لأحدٍ ، بل مسؤولية مهنية وأخلاقية لحمايةِ صحةِ الإنسان والمجتمع .
الأمن الإجتماعي مسؤولية مُشتركة والقانون لا يعرف المجاملة :
إن حماية المجتمع لا تتحقق بالشعاراتِ ، وإنما بتطبيق القانون على الجميعِ دون إستثناء ، ومراجعة أوضاع الإقامة والعمل ، وضبط المُخالفات ، وملاحقة كل من يثبت تورطه في جرائمِ تمس أمن المواطنين وكرامتهم ، سواء كان مواطناً أو أجنبياً .
وهنا يجب التأكيد على أن المسؤولية الجنائية مسؤولية فردية ، فلا يجوز تحميل جماعة كاملة جريمة أرتكبها شخص ، كما لا يجوز التساهل مع أي مخالف للقانونِ بسبب جنسيته أو صفته أو علاقاته .
إن إحترام سيادة الدولة يبدأ من إحترامِ قوانينها ، وحفظ حقوق مواطنيها والمقيمين على أرضها ، وضمان ألا تتحول بعض الممارسات الخارجة عن القانونِ إلى مصدرِ تهديد للأمنِ والإستقرار .
شباب الصابري حين يتقدم الضمير الإنساني :
وفي خضم هذه الواقعة المؤلمة ، يبرز موقف شباب المنطقة الذين تدخلوا لإنقاذ الدكتورة زينب ، في صورة تعكس أهمية المسؤولية المجتمعية والتضامن الإنساني .
إن هذا الموقف يستحق التقدير ، لأنه يذكرنا بأن المجتمع لا يزال يمتلك طاقات الخير والشهامة ، وأن حماية الإنسان ليست مسؤولية الأجهزة الرسمية وحدها ، بل هي قيمة أصيلة ينبغي أن تسكن ضمير كل فرد .
لكن لا ينبغي أن يتحول تدخل المواطنين إلى بديل عن المؤسسات الأمنية ، فالأمن حق عام ، وتوفيره واجب أصيل على الدولة وأجهزتها المختصة .
من حادثة الصابري إلى قضية رأي عام :
إن المطلوب اليوم ليس الإكتفاء بالتعاطفِ مع الدكتورة زينب ، ولا تداول تفاصيل الإعتداء عبر مواقع التواصل الإجتماعي ، وإنما تحويل هذه الواقعة إلى فرصةِ لمراجعةِ منظومة الحماية ، والأمن داخل المؤسسات الخدمية ، وتعزيز الرقابة على الأدويةِ ، وتوفير بيئة عمل آمنة للنساءِ والرجال على حدٍ سواءِ .
كما أن من الضروري مُتابعة القضية حتى إعلان نتائج التحقيق ، ومُحاسبة المسؤول عن الجريمةِ وفقاً للقانونِ ، وضمان عدم إفلاته من العقابِ .
فالمجتمع الذي لا يحمي نساءهِ أثناء أداء أعمالهن ، ولا يوفر للعاملين فيه الحد الأدنى من الأمانِ ، يحتاج إلى وقفة جادة مع نفسهِ ، ومراجعة أسباب الخلل قبل أن تتكرر المأساة .
كلمة أخيرة :
إن كرامة المرأة ليست أمتيازاً تمنحه لها الظروف ، ولا حماية مُؤقتة ترتبط بوجودِ أشخاص بالقربِ منها ، بل هي حق أصيل لا يقبل الإنتقاص .
والصيدلية ليست مكاناً للخوفِ ، والمرأة التي تعمل ليست هدفاً للإعتداءِ ، ورفض مُخالفة القانون ليس جريمة تستوجِب العقاب .
نريد مجتمعاً آمناً ، ودولة تحمي الجميع ، وقانوناً لا يتردد أمام أي معتدٍ ، ومؤسسات لا تنتظر وقوع المأساة حتى تتحرك .
نسأل الله أن يمنّ على الدكتورة زينب بوغرارة بالشفاءِ العاجلِ ، وأن يُعيدها إلى أهلها وعملها سالمة مُعافاة .
فحين يُعتدى على إمرأة وهي تُؤدي عملِها ، لا تكون القضية قضية إمرأة وحدها ، بل قضية مجتمع بأكملهِ .
فالحرف رسالة ، والكلمة مسؤولية ، والصمت أمام إختلالات المجتمع ليس حياداً .