هندسة المسافة
ثمة أشياء لا تنكسر حين تغيب، بل حين تكتشف أنها لم تكن متماسكة بالقدر الذي تخيّلته.
أن تمنح أحدهم من يقينك ما لا تمنحه للغرباء، وأن توسّع له في داخلك مقامًا يشبه القرابة، فتراه أخًا حين تضيق به الحياة، وابنًا حين تصغره السنون، وترى أبناءه امتدادًا لعاطفة لم تطلب يومًا إثباتًا لنسبها... ثم تمضي الأيام، فإذا بكل ذلك قابل للانطفاء، كأن العشرة لم تكن، وكأن الذاكرة لم تحفظ شيئًا، وكأن ما عُدَّ يومًا صلةً عميقة لم يكن سوى تفصيل عابر في سيرة أحد الطرفين.
ليس أكثر إرباكًا للنفس من علاقة لا تعرف أين أخطأت، ولا متى تبدّل معناها؛ لا خصومة تفسّر البرود، ولا حادثة تبرّر التراجع، فقط مسافة تتسع بصمت، حتى يصبح الذين كانوا يعرفون تفاصيلك أشخاصًا تكتفي معهم بسلام عابر.
عندها لا تعود المسألة متعلقة بفقد شخص، بل بإعادة النظر في مفهوم القرب ذاته. تدرك أن بعض العلاقات كانت تستمد دفأها من وفرة ما تبذله أنت، لا من جوهر ما يجمعكما، وأن ما حسبته عاطفة متبادلة ربما كان، في جانب منه، اعتيادًا على عطائك.
وهنا يبدأ التمييز الشاق بين المحبة والاستحقاق، بين أن تكون وفيًّا وأن تكون مستباح العطاء، بين أن تفتح قلبك وأن تترك أبوابه بلا حراسة.
فليس كل من جاور روحك أهلًا للإقامة فيها، وليس كل من احتضنت أبناءه صار من حقه أن يحتل في وجدانك منزلة القرابة. للقرابة الحقيقية جذور لا تقتلعها تبدلات المصالح، وللمحبة الصادقة ذاكرة لا تحتاج إلى تذكير دائم بفضل أصحابها؛ وإن كانت الاستثناءات النبيلة موجودة، فإنها لا تُقاس بكثرتها، بل بندرتها.
لذلك، ليست المسافة النفسية جفاءً، ولا التحفّظ نقيضًا للطيبة؛ إنهما نوع من الوعي المتأخر، حين يتعلّم المرء ألّا يمنح الآخرين من مقامهم في قلبه أكثر مما أثبتته الأيام في أفعالهم. أن يعامل بصدق، لكن دون أن يخلط بين حسن المعاملة وضمان الوفاء، وأن يترك للآخرين حق التغيّر، دون أن يمنحهم حق استنزافه.
فالحياة لا تفسد دائمًا بخذلان الآخرين؛ أحيانًا يفسدها اعتقادنا أن العالم مطالب بأن يكون على صورتنا، وأن الصدق الذي نسكن إليه ينبغي أن يسكن الجميع بالقدر ذاته.
ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان ليس أن يتخلّى عن مثاليته، بل أن يتعلّم أين يضعها، وألّا يجعل منها معيارًا يحاكم به الآخرين، ولا بابًا يعبرون منه إلى أعماقه بلا استحقاق.
فليست الحكمة أن تصبح شبيهًا بما آذاك، بل ألّا تسمح لما آذاك أن يجرّدك من صفائك، وأن تتقن فنّ القرب دون ذوبان، وفنّ العطاء دون ارتهان، وفنّ الرحيل دون ضجيج.
فبعض التجارب لا تأتي لتعلّمنا كيف نغلق قلوبنا، بل كيف نعيد هندسة المسافة بين القلب
هالة بن عامر
تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق