الأحد، 1 نوفمبر 2026

وَدَعْ...وَدَعْ/ قصّة قصيرة بقلم الكاتبة جميلة مزرعاني

 وَدَعْ...وَدَعْ/ قصّة قصيرة

ها قَدْ نفضَ الخريفُ أوراقَ الشّجرِ، وانتفضتِ الأرياحُ تبعثرُ ما تبقّى من أثرٍ،حانتِ المزنُ لتمطرَ أُولى بواكيرِ المطرِ.مع هذا يقولون (بين تشرين وتشرين صيف ثاني).فاليوم طقسٌ صيفيٌّ بامتياز تعشقُهُ منالٌ وكالعادة تستغلّه بالغدوِ إلى الطّبيعة لتريحَ نفسها من أعباءِ الحياة.لكنّ موّالًا خيّمَ على تفكيرها يشغلها عن التّأمّلِ.خمسُ سنواتٍ والقلبُ ينزفُ مواجعَ عشقهِ.يرتوي من نهرِ عهودٍ أمحلَ بها الخذلانُ.ها هي تسيرُ الهويناء ممتلئة غيظًا،مكسورةَ العواطفِ، وساقيتان تنهمران على وجنتينِ شاحبتينِ كلّما تراءى لها انقطاعٌ خلعيٌّ ذات فراق.

حتى أفضى بها المسيرُ إلى تلك الشّجرةِ الباسقة المفرودة الأجنحة ملجأ أمانها هناك تلفظُ أنفاسَ معاناتها تتفُّ غبارَ الخيبةِ لتعودَ وتتنشّقَ هواءً نقيًّا، باسطة كفّيها للسّماء، وحدهُ الله يعيدُ الطّمأنينة إلى قلبها المجروح.يسترجعُ شموخَ كبريائها كنخلةٍ باسقةٍ أبَتْ أن تنحني لعاصفة.جلستْ كالعادة تحاولُ إخفاءَ ذكرياتٍ مريرة.يُنسيها صوتٌ يُدَوِّي من بعيدٍ (وَدَعْ...وَدَعْ أَقرأُ البختَ وأستعجلُ الفرج).ومنال تمعن الإصغاءَ حتى غدا الصّوتُ ملءَ الآذانِ.فإذا بالبصّارة تقتربُ وتلقي التّحيّة قائلة: محسوبتك نجود أشوف البخت للصّبايا الحلوين.قولي: موافقة.أراكِ أيّتها الجميلة حزينة لا يليقُ بكِ الشّقاءَ والزّعلَ. ما اسمكِ؟ سأجعلُ حياتكِ سعيدة. قولي (ان شالله)ومنال لم تنبثْ ببنتِ شفة. رَمَتْ نجودُ الوَدَعَ تأمّلتْ قليلًا تنظرُ في وجهِ منال وأردفتْ تقول:حبيبك غايب وغلبك(ق) عن الحبّ تايب.حزينة وبختك خايب.ما إن نطقتِ البرّاجة بهذه القراءات حتى أرخى الحزنُ أجفانهُ ينطقُ بغيرِ كلامٍ ما يخفيهِ القلبُ من أسىً دفينٍ إلى أن جفَّ ريقُ الصّمت.  وهمستْ بصوتٍ منخفضٍ (إسمي منال) وقد أصابَ الودعُ ما أُخْفيَ في البالِ.أخذتْ نجودُ بيدها قائلة :أُخيّتي منال كوني مثلي فراشةً جوّالة اُنعمُ بالحرّيّة، الدّنيا ملكي، أرقص، أفرح، أُغنّي، أرتعُ على كيفي،قهوتي المرّة مبعثُ راحتي.أقرأُ البختَ، أجلبُ السّعدَ.أنزعُ الحزنَ بكلماتي الطّيّبة.لا همَّ يشغلُني ولا هجرَ يقيّدُني.من يريدُني يسيرُ معي، أقطفُ له ورد خدِّي. وأُشعلُ قنديلَ حبّي.ومن يُعرِض أقبعُ شوكهُ من الجزرِ.وانطلقتْ يبشُّ وجهها بالفرح.فكّرتْ منال مليًّا بقولها وكأنّ أثقال الدّنيا بدأت تتهاوى رويدًا رويدًا على وقعِ آخرِ دمعةٍ جفَّفَها الكلام .تهمسُ لنفسِها : قدري ألتقيكِ..يا من أرسلكِ اللهُ بعد أن استجاب لدعائي.توقّفتْ وقد حان وقتُ الإيابِ وصدى دويّ  في البعيد  يتعالى (وَدَعْ...وَدَعْ).


جميلة مزرعاني 

لبنان الجنوب 

ريحانة العرب 29/10/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق