السبت، 10 أكتوبر 2026

حكاية الناسك والغابة التي نسيها البشر بقلم الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة

 حكاية الناسك والغابة التي نسيها البشر

التقيته ذات مساءٍ في المقهى الشعبي "الملكة" بحي الكرم، وكان على غير عادته التي عهدتها فيه. رأيته رجلاً مهموماً تفضحه ملامحه قبل لسانه، تميل سحنته إلى الحزن العميق، رغم محاولته الفاشلة والمرتبكة في إخفاء ما يعتمر في صدره من وجع. تظاهر عند استقبالي بالطمأنينة، ورسم على وجهه ابتسامة باهتة مستعارة، لكن عينيه كانتا ترويان حكاية أخرى.


الجيلاني صديق عمري، وأنا أعرفه كما أعرف نفسي، أقرأ صمته كما أقرأ كلامه، فما إن جلست قبالته حتى بادرته على الفور: "ماذا حلّ بك يا صديقي لتكون على هذه الحالة؟ فمهما أخفيت وتجلدت، فأنا لا أخطئ التقدير معك!!؟"


تنهد صديقي تنهيدة طويلة، حارة، ثقيلة، بدت كأنها وحدها كافية لتلخص كرباً شديداً مرّ به. ثم أردف بصوت متهدج يختلط فيه العتاب بالمرارة: "من أين أبدأ لك حكايتي مع من اعتبرتهم أصدقائي وإخوة لي، فإذا بهم يغدرون بي، ويأكلون لحمي حياً، ويتفننون في تشويهي أمام الناس ظلماً، ويشعلون الفتنة بيني وبين آخرين زوراً، لغاية قهري والاستنقاص من قيمتي!!؟..."


أشعل سيجارة، واستنشق نفسين متتاليين بعمق وبحرقة، كأنما يختزل بهما وجعه الدفين، وأضاف أن مصيبته ما كانت لتحدث لولا أنه كان ضحية طيبته وتواضعه، تلك الطيبة التي علّمت الناس استغلاله بدلا عن مكافأته عليها بالاحترام والتقدير والتبجيل.


ثم طلب مني أن أنصت بانتباه، وقال: سأروي لك حكاية هي خلاصة ما مررت به، حكاية "الناسك والغابة التي نسيها البشر". وانطلق يقول:


      زعموا أن في جبل قفرٍ لا يمر به إلا الريح، ولا يسكنه إلا الصدى، كانت غابةٌ كثيفةٌ خضراء، تكسو الجبل كعباءة ناسكٍ متعبد، لا يُسمع فيها لغوٌ ولا تأثيم، إلا حفيف الشجر، وتسبيح الطير، وخرير عينٍ تخرج من صخرة صماء. وقد هجرها البشر لوعورة مسلكها وضيق مذاهبها، فبقيت بكراً لم تلوثها يد، صافيةً كمرآة، نقيةً كدمعة طفل، كأن الدهر ادخرها لمن ضاقت به المدينة وطلب راحة البال وصفاء الروح.


وكان في طرف تلك المدينة رجل قد جاوز السبعين، أبيض اللحية، ناحل الجسد، يقال له "الحكيم". أفنى عمره في مخالطة الناس، فكان تاجراً فرأى الطمع، وصادقاً فرأى الكذب، وأحبّ فخذل، وبنى فهدم له، وخاصم وصالح، حتى راكم من التجربة ما يثقل الجبال، وحتى أدرك أن أكثر الناس يمشون في الأسواق وأقدامهم حافية من المروءة.


فلما رأى أن المدينة صارت سوقاً للضجيج، وأن البيوت اتسعت وضاقت القلوب، وأن الوجوه تلبس في النهار أقنعة تخلعها في الليل، وأن الكلام كثر والوفاء قلّ، جمع زاده القليل: كتاباً بالياً في الحكمة، وسبحةً من خشب الزيتون، ورغيفاً يابساً، وقال في نفسه: إن اعتزال الناس لا يعني كرههم، بل يعني حب النفس وحفظها من الفناء. فمضى وترك البشر والمدينة، وصعد الجبل، واستقر في تلك الغابة.


فبنى له كوخاً من خشب الصنوبر، وجعل طعامه مما تنبته الأرض بلا منة، وشرابه من العين الصافية، وجليسه شجرة بلوط عتيقة عمرها مئتا سنة، إذا حكت حكت عن القرون. وكان يقول: هنا حيث لا يكذب إلا الإنسان، أجد الصفاء والنقاء، هنا أتعلّم من الحيوان ما لم أتعلمه من بني آدم. وكانت حيوانات الغابة تألفه وتأنس به، فتأتيه أفواجاً، وكلٌ يلقي إليه بسره.


      فأول الوافدين كان الثعلب. جاء يجر ذيله حزيناً كسير النفس، حتى جلس عند قدمي الحكيم وقال: يا حكيم، كنت صاحباً لذئب، شاركته الصيد وقاسمته الجحر وآتمنته على ظهري، فلما زلت زلة صغيرة في يوم ضبابي وأخطأت طريق العرين، ما غفر لي، ولا ستر عليّ، بل راح يطوف على مجالس الحيوانات ينبش زلتي وينشرها ويقول: ألم أقل لكم إنه أحمق؟ فعلمت أنه كان ينتظر سقوطي ليتشفى.


فنظر إليه الحكيم نظرة من خبر الناس، وقال: يا ثعلب، إن الصديق الذي يترصد زلتك ليس بصاحب، بل هو عدو متنكر في ثوب الصداقة، يفرح بهفوتك أكثر مما يفرح بصوابك. فامضِ عنه، فإن بقاءك معه يميت قلبك حياءً.


    ثم جاء الغراب، وكان  أسودا بهي الريش، يطعم فراخه، وقد تعود أن يجلب الحليّ اللامعة وقطع الزجاج الملون لصديقه الحطاب، يضعها عند بابه هديةً. فوقف على غصن قريب وقال بصوت مخنوق: يا حكيم، ما تركت باباً من أبواب الود إلا طرقته للحطاب، حتى صار بيتي خالياً من لمعانه لأجل بيته، فما كان منه إلا أن قال ذات يوم لولده: انظر إلى هذا الغراب القذر، ما قيمته؟ فعلمت أن كل ما قدمته في عينه هباء.


فتنهد الحكيم وقال: يا غراب، من استرخص قيمتك، فلا تثقل عليه بهداياك، فإن الكريم إذا أهديته شكَر، واللئيم إذا أهديته استصغر. فامضِ عنه، فإنك إن حضرت لم يكرمك، وإن غبت لم يفتقدك، وإن مت لم يبكك.


     ثم جاءت السلحفاة العجوز تحمل بيتها على ظهرها، كأنها تحمل عمرها كله، تقطر دمعاً، وقالت: يا حكيم، عشت عشرين خريفاً مع جارتي الوزة، نتقاسم العشب والماء والظل، ونحكي للصغار عن برد الشتاء. فلما جاء صياد ومعه كلبه، واقترب خطر الموت، هانت عليها عشرتي، فرفرفت بجناحيها وطارت، وتركتني أزحف ببطئي أواجه الموت وحدي، ولم تلتفت.


فمسح الحكيم على قوقعتها وقال: يا مسكينة، تلك هي النفس التي تزن العشرة بميزان المنفعة. من هانت عليه عشرتك، فهو يبيع العمر الطويل بلحظة عابرة. فامضِ عنه، فإن من باعك مرة، سيبيعك كل مرة.


    ثم جاء أسد الغابة، كان ملكها، لكنه اليوم جريح، في كتفه سهم صياد، يزحف والدم يقطر، وحيداً بلا حاشية، وقال بصوت خافت كان يزلزل الغابة بالأمس: يا حكيم، كنت محاطاً بمئة حيوان، كلهم يهزون رؤوسهم إذا زأرت، ويصفقون إذا مشيت، فلما وقعت وسال دمي، وصرت أحتاج إلى مخلب يسنِدني، لم أجد أحداً. تفرقوا كأنهم لم يعرفوني. تركوني وحدي في وقت شدتي.


فوقف الحكيم، ونزع السهم من كتف الأسد وربط جرحه بورق التوت، وقال: يا ملك، بهذا تُعرف معادن الرجال، وبهذا تُختبر الصداقة. إن الرخاء يجلبه التصفيق، والشدة تغربله. فامضِ عنهم، فإن من تركك وقت شدتك، ليس بصاحب، بل هو عابر سبيل كان يقتات على ظلك، فلما زال الظل زال معه.


    وأخيراً جاء عصفورا صغيرا كان يغني كل صباح فوق كوخ الحكيم، فيوقظه بتسبيحه، لكنه اليوم جاء صامتاً، منفوش الريش، وقد بنى عشاً صغيراً ووضع فيه بيضتين، وقال والفرح قد انطفأ في عينيه: يا حكيم، بنيت عشي بمنقاري عوداً عوداً، وفرحت ببيضتي، فغنيت شكراً لله، فمر بي الببغاء الملون، كثير الكلام، قليل الفعل، وقال ساخراً: لماذا تغني؟ من أنت حتى تسعد؟ أتظن الغابة لك وحدك؟ فاستكثر علي سعادتي، فخجلت من فرحي.


عندها قام الشيخ المسن، وقد اجتمعت حوله الحيوانات الخمسة، كلٌ يمثل جرحاً من جراح بني الإنسان، ونظر إلى الغابة الصامتة، وإلى الجبل القفر، وإلى السماء التي لا تمطر إلا على المتطهرين، وتنهد تنهيدة رجل لا ينطق إلا حكمةً قد عصرتها السنون عصراً، وقال قولته التي صارت دستوراً لكل من طلب راحة البال والسلام الداخلي:


"يا أبنائي، اسمعوا مني، فإني تركت البشر لا كرهاً فيهم، بل حباً في نفسي، وصيانةً لقلبي من أن يموت وهو حي.


خمسة فارقهم ولا تندم عليهم أبداً، فإن في فراقهم حياة لقلبك، وفي بقائهم شقاء لروحك:


أما أولهم: فمن ترصد زلتك، فإنه لا يرى فيك إلا عيباً، وإن رأى حسنةً سترها، وإن رأى سيئةً نشرها، فلا ود له ولا أمان.


وأما ثانيهم: فمن استرخص قيمتك، فإنه إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه جحدك، فإن حضر لم يكرمك، وإن غبت لم يفتقدك.


وأما ثالثهم: فمن هانت عليه عشرتك، فإنه يبيع العمر الطويل بلحظة عابرة، وينسى خبز السنين بجوع ساعة، فلا عهد له.


وأما رابعهم: فمن تركك وقت شدتك، فإنه ليس بصاحب، بل هو ظل، إذا كانت الشمس قائمة كان معك، وإذا غربت تركك للظلام.


وأما خامسهم: فمن استكثر عليك سعادتك، وحسدك على فرحك، وضاق صدره بضحكتك، فإنه لا يحبك، بل يحب نفسه أكثر منك.


فارقوهم يا أبنائي ولا تندموا، ولو صرتم وحدكم، فالغابة الموحشة بلا بشر، آنس من مدينة عامرة بمن لا يستحقون العشرة، والوحدة مع الصفاء، خير من الزحام مع الخبث."


قال صديقي الجيلاني، وقد انطفأت سيجارته في يده دون أن يشعر: فتفرقت الحيوانات، كلٌ عاد إلى جحره وقد فهم الدرس، وعرف أن الحكمة ليست في كثرة الأصحاب، بل في صفوة الأصحاب. وبقي الحكيم وحده تحت شجرة البلوط العتيقة، مطمئناً قرير العين، قد وجد راحة البال حيث لا يكذب إلا الإنسان قد رحل، لأن الصفاء لا يسكن إلا قلباً عرف من يفارق، وعرف متى يفارق، وعرف كيف يفارق بلا ندم.


ثم صمت الجيلاني، ونظر إلى فنجان قهوته البارد، وقال: هذه حكايتي يا صاحبي، فهل فهمت الآن لماذا اخترت أن أكون كذلك الناسك؟

                                   ___««»»___

انتهت الحكاية وفيها عبرة لمن يريد أن يعتبر

                                   ___««»»___


الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة

البلد: الجمهورية التونسية 🇹🇳



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق