عدستان مقعّرتان
(قصّة قصيرة)
بقلمي:هادية السّالمي دجبي-تونس
حالما يجهز جواز سفري -قال- سأسافر بحرا
إلى جزيرة الطّيور لإتمام الْمهمّة.
ارتعش صوتها وهي تسأله بعدما رفعت إضاءة الْمصباح الْمثبّت بجوارها :
-سلامتك حبيبي، هل تكلّمني؟
-أكلّم جدّي يا أمّي.
- ألم تقتنع بأنّ جدّك غائب عنّا منذ زمن؟
- لماذا تصرّون على إقناعي بغياب جدّي؟
هو ذا جالس على الْكرسيّ الْهزّاز وفي يده الْخريطة…
قاطعته:
-ترى جدّك في الْغرفة وترى الْخريطة
في الْعتمة ؟
-عتمة؟ أيّ عتمة يا أمّي؟ الْإنارة جيّدة
ولا غبش في رؤيتي.
زاغت عيناها. تحجّرت في القلب دموعها…
ألم يطمئنها طبيب الْعيون بأنّ منيرا سيكون بخير بعد التعديلات الّتي أجراها على عينيه؟
كثيرا ما حدّثها منير عن خرائط ورسومات مرصّفة على مكتبه وألحّ عليها بألاّ تسمح لأحد بالْاقتراب منها…
لطالما تألّمت وهي تقف أمام مكتبه ولا ترى عليه غير الْمزهريّة الّتي أهداه إيّاها أبوه قبل أن يختفي فجأة.
قبل أيام أسرّت إليها إبنتها غنوة أنّ منيرا حذّرها من رجل غريب رآه غير مرّة يسترق النّظر إلى غرفتها في ذات الْموعد الْيوميّ وهو يمرّ بجانب نافذتها، بينما هي لم تلحظ شيئا ممّا قاله.
هي أيضا سمعته مرّة، لمّا كانوا يحتسون قهوة الْمساء في الْحديقة، سمعته يطلب
من أخيه الْأصغر أن ينثر شيئا من الْحَبّ تلتقطه تلك الْعصافير الْمتحلّقة حول جذع الْبرتقالة.
هي لم تنس دهشة إبنها الصّغير وهو ينقل بصره بين جذع الْبرتقالة ووجه منير ووجهها، ولم تنس أنّها أومأت إليه بأن يفعل ما طُلب منه كي تقَرَّعين منير ولا تحزن.
حملقت في السّتار الرّماديّ الْمنسدل
على نافذة الْغرفة، وفي الْباب الْأزرق الّذي أَوْصَدَتْهُ بيديها قبل أن تمدّد جسدها
على الْأريكة الْمجاورة لفراش منير.
أرادت أن تنهض. لم تقو على الْوقوف.
رمت بجسدها على الْكرسيّ الْهزّاز الّذي كان يلوذ به زوجها كلّما حدّثه منير عمّا يرى.
كما الصّدى، تردّد في صدرها صوت جارها الشّابّ رائد الْعائد إلى الْقرية بعد رحلة بحث ودراسة في أكبر الْأكاديميّات وأعرقها.
-يجب عرضه على طبيب عيون قبل استفحال الدّاء.
قال رائد قولته هذه لمّا جلس إلى منير يناقشه
في لوحة "الْموناليزا" الّتي يرى في تفاصيلها
ما لا يراه أحد ممّن يتباحث معهم في شأنها.
كان يوما ثقيلا. يوم رافقهما رائد إلى مصحّة الْعيون الْأكثر تطوّرا لمقابلة طبيب الْعيون الْأكثر كفاءة في التّعامل مع الْمعضلات الْبصريّة.
أحسّت يومها بحاجة ملحّة لمن يشاركها عبء التّفكير في الْمغامرة الّتي قرّر الطّبيب اعتمادها مخرجا وعلاجا لحالة منير.
-عدستان مقعّرتان، قال الطّبيب، تمنحانه الْأمان.
قالها ويداه تعبثان بربطة عنقه الْحمراء.
كان الطّبيب واثقا من أنّ زراعة عدستين مقعّرتين في عينيْ منير أمرٌ حتميّ لإنقاذه
من متاهات تترصّده وهو أمر كفيل بتخليص الْعائلة من الْحيرة والْخوف.
أمّا هي فقد عبث الْارتباك بضلوعها، غير أنّها
تأمّلت خيرا في ما رآه الطّبيب…
جثا على ركبتيه أمامها، أمسك بيديها يخفّف
ارتعاشهما. أربكته حرارة دمعها على كتفيه.
سألته قبل أن يرفع رأسه إليها:
-هل أنت بخير؟
-اهدئي يا أمّي، أنا بخير.
-فكيف ترى جدّك على الْكرسيّ الّذي أجلس عليه؟
-يقينا يا أمّي، هنا كان جدّي بهيئته
الْمعهودة :عبايته الْحريريّة والْكوفيّة ،ببسمته
الْحالمة وصوته الدّافئ.
هو غادر الْغرفة بعدما اتّفقنا.
-اتّفقتما؟
-سنبني مدينة في جزيرة الطّيور، وسأكون الْمهندس الْمشرف على الْمشروع.
إنّها الْمدينة الّتي لا تصدأ أعمدتها ولا تنزل
أرضَها الْأعاصير.
خانها ذراعاها حين همّت باحتضانه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق