الجمعة، 2 أكتوبر 2026

قصة قصيرة بقلم د. قاسم عبد العزيزالدوسري

 قصة قصيرة

لم يكن في بالي، وأنا أفتح باب المنزل كل صباح، أن يأتي يوم أخرج منه بلا عودة… كأنني غريبٌ عنه، أو عابر سبيل مرّ صدفةً في هذا المكان.

ذلك البيت لم يكن جدراناً فقط.

كان عمراً كاملاً.

ضحكات أمي وهي توقظنا للفجر، رائحة الخبز الساخن في الشتاء، أصوات الجيران المتداخلة عند المساء، شجرة النبق التي كبرت معنا حتى صار ظلها أكبر من أعمارنا الصغيرة.

كنا تسعة بيوت متلاصقة كأنها عائلة واحدة. إذا مرض أحدنا، شعر الجميع بالحمّى. وإذا فرح طفل في أحد البيوت، امتلأت الأزقة كلها بالضحك.

وكان بيتي… أقدم بيت في المنطقة.

يقول أبي دائماً وهو يربّت على الجدار الطيني: — هذا البيت يعرف أسماءنا أكثر مما نعرف أنفسنا.

عشنا سنوات طويلة بسلام، لا نفكر بشيء سوى كيف نكمل أيامنا بطمأنينة. لم نكن نعلم أن الطمأنينة نفسها يمكن أن تُباع وتُشترى.

ظهر الرجل فجأة.

رجل بثياب سوداء وقته زرقاء، وسيارة بيضاء لامعة، وابتسامة باردة لا تشبه البشر. لم يطرق أبوابنا، ولم يسأل عن حكاياتنا، ولم يرَ في تلك البيوت سوى أرقام على ورقة.

التفّ من خلفنا واشترى الأرض كلها.

في البداية لم نصدق.

قلنا إنها إشاعة ثقيلة، مثل الأخبار التي تموت سريعاً. لكن الأوراق الرسمية جاءت كالسكاكين. الأرض لم تعد لنا… والبيوت التي احتضنت أعمارنا أصبحت ملكاً لرجل لا يعرف حتى كيف كانت الشمس تدخل نوافذنا صباحاً.

حاولنا.

توسل بعضنا، وغضب آخرون، وبكى كبار السن بصمت يشبه انكسار الأشجار القديمة. لكن ماذا يفعل الفقراء أمام ثمنٍ باهض لا يقدرون عليه؟

كان علينا أن نستسلم.

أذكر ذلك اليوم جيداً…

كانت الجرافات تدخل الحي ببطء، لكنها بدت لي كوحوش ضخمة جاءت لتلتهم ذاكرتنا. وقفنا جميعاً في الخارج، نحمل ما استطعنا حمله، بينما بقيت الأشياء الأثقل داخل البيوت:

الذكريات…

السنوات…

وأصوات الذين رحلوا.

حين ارتطمت الجرافة بأول جدار، شعرت وكأن شيئاً في صدري قد انهار معه.

امرأة من الجيران صرخت وهي ترى نافذتها تتحطم: — هنا كنت أراقب ابنتي وهو تعود من الجامعة…

رجل عجوز جلس على الرصيف يبكي بصمت، وكأنه فقد ابناً لا بيتاً.

أما أنا، فبقيت واقفاً أمام منزلي حتى اللحظة الأخيرة.

أنظر إلى الباب  القديم، إلى الشقوق الصغيرة في جدران المنزل التي كنت أحفظها كما أحفظ خطوط يدي.

أردت أن ألمسه للمرة الأخيرة، لكن العمال استعجلونا بالرحيل.

وفي دقائق…

صار البيت الذي عاش عقوداً كومة تراب.

تفرّقنا بعد ذلك.

كل واحد منا ذهب إلى جهة مختلفة، كأن أحدهم مزّق صورة قديمة بعنف وذرّى أجزاءها في المدن.

لم تعد هناك ضحكات مشتركة، ولا أبواب مفتوحة، ولا أمسيات نجتمع فيها أمام البيوت.

ومنذ ذلك اليوم، أدركت أن بعض الناس لا يهدمون البيوت بالجرافات فقط…

بل يهدمون داخلنا شيئاً لا يمكن بناؤه مرة أخرى.


د. قاسم عبد العزيزالدوسري



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق