الأحد، 8 أكتوبر 2023

دموع..تتلألأ..في مآق هرمة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 دموع..تتلألأ..في مآق هرمة

(غسان مات..لا لم يمت..سيبرق الشوق شفرته عبر كل الزمان)
يقولون أنك متّ-يا غسان- مُتّ..!!
متى وُلدت.. !
متى عشت.. !
متى رويتنا من غدير عينيك.. !
متى رحلت.. !
يا قرة عين محمد..
يا فاجعة سعاد..
يا زهرةً ما استدلّت النحلات لرحيقك..
متى حبَوت.. !
متى مشيت.. !
متى كبرت.. !
متى.. !
لا أذكر تاريخ مولدك..
يا مهجة الروح..
بالأمس كان..؟
أم قبل ميلاد تاريخ وفاتك..
ذاك الذي دوّنته قبل ساعات..
حين أبلغوني أنك قد رحلت.
أبكيت أمك..
أبكيت والدك..
تدري من هو والدك..
رجلٌ تمرّس على المآسي..
تهزّه الأرض هزًا..
أبكيت محمدًا يا ابن محمد..
أبكيت سيّدة النساء..
أبكيت أنجال الرجال..
أبكيت من أبكاهُم الفراق..
يا ويلها الأم في ليل الدجى..
يا ويلها صاحبة العزاء..
بالأمس وضعتك وليدها..
واليوم تُلبسها ثوب الحداد..
يا فاجعة بلدي..
يا زمنا كان بالأمس سعيدا ..
يا صبرًا سندعوه لقلبها..
يا قوةً سندعوها له..
يا غافرًا..
رُحماك له..
يا رحيمًا..
رفقًا بهم.
رفقا بي
رفقا بأمك التي أرضعتك لبنا طازجا
وعدت إلى الأرض طينا..
كما أنجبتك السماء
محمد المحسن

على هامش الملحمة البطولية الفلسطينية بقطاع غزة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 على هامش الملحمة البطولية الفلسطينية بقطاع غزة

حين تخلخل القاومة الفلسطينية الباسلة حسابات المنطق..وتجسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخدّر والمستَلَب..
"..كل الرصاص يوجّه للوطن العربي..! وما زال لم يفهم الأغبياء بأن الرصاص طريق الخلاص..كلا يا وطني..فأنت المحال الذي لا يباع..وأنت فلسطين التي لا تباع..وأنت الفرات..وأنت القصاص ( مظفر النواب-بتصرف طفيف)
-أقيموا جنائز "تليق" بموتاكم..أيها الجبناء (الكاتب)
عندما يتألّم البشر والأرض تحت وطأة إحتلال قاهر،ويتمّ تغييب الحقوق، لا بدّ أن تتوفّر إرادة صادقة للإجابة على سؤال البقاء والإستمرار والتحدّي..
غير أنّ سؤالا آخر ينبت على حواشي الواقع:هل بإمكاننا صياغة معادلة واضحة تقول:إنّ إستمرارية المقاومة الفلسطينية يُراد منها مواجهة الخداع ورفض محاولات إسباغ الوهم على الحقيقة؟
وبسؤال مغاير أقول: هل بإمكاننا الآن..وهنا،وفي ظل واقع يرفص الخديعة تغطية الشمس بالأصابع ومواصلة تكريس وهم يؤسس لسلام بائس أفرزته ثقافة التسوية؟!
أم أنّ الواقع يؤشر إلى إمكانية الإنتفاض على هزيمة-يراد لها أن تكون أبدية-طالما هناك شعب مستعدّ للتضحية في سبيل إسترداد حقوقه المستلبة..
سأصارح:
يتدفّق خضاب الدّم بغزارة..تتقدّم قوافل الشهداء صوب القبور،ويرتفع في المقابل-نباح-الرشاشات،و-نعيق-المدافع،ويتواصل سقوط الأبطال دون إنقطاع،وخلف خطوط الإنكسار نقبع جميعا في وجل،نتلمّس أوجاعنا..نخبئ في عيوننا قهرنا القاتل..ونردّد كلمات بالية لم نعد نعرف أن نكتبها:
هل الواقع مرعب إلى هذا الحد؟
هل الوعي متغيّب إلى هذا المستوى،أم أنّ التأخّر أضحى هبة التاريخ للأمة العربية والإسلامية ومانح خصوصيتها وشكل تمفصلها في التاريخ!؟
سأصارح:
سال دم فلسطيني كثير،ولايزال مستمرا في النزيف..ومازالت قوافل الشهداء تسير خببا في إتجاه المدافن،إلا أنّ المقاومة في تجلياتها المختلفة،مازالت بدورها ترسم جملة من الحقائق وتعرّي كما هائلا من الأوهام،لتكشف بذلك عن طبيعة عدوّ نازيّ يمارس كل أشكال القهر والعنصرية والظلم والطغيان،وهذا يعني أنّها نجحت في إعادة الأمور إلى أصولها،وأظهرت القوّة في الضعف لدى الفلسطيني،والضعف وعدم القدرة على اجتثاث الجذور لدى المحتل،وصاغت بالتالي معادلة ما يسمّى ب:"توازن الرّعب"رغم الإختلال السافر في توازن القوى والإمكانات المادية والعسكرية والسياسية.
ماذا يعني هذا ؟
هذا يعني أنّ إسرائيل التي تستمدّ قوّتها من أمريكا لا تروم الوصول إلى تسوية،بقدر ما تسعى إلى فرض واقع،وهذا الأمر الواقع يتماهى مع المستجدات الدولية تبعا لموازين القوى وخصوصا في ظل راهن عربي يشهد مزيدا من التشرذم والإنقسام،الأمر الذي يمنح إسرائيل مكاسب إضافية،وعليه فإنّ أيّ حل لا يعدو كونه صفقة اسرائيلية مربحة لترويج-البضاعة الفاسدة-مجددا وتحت نفس الشعار:العودة إلى طاولة المفاوضات-أو-العودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل:28-09-2000،وذلك دون تغيير إيجابي على أرض الواقع.
إلا أنّ الصمود الفلسطيني ما فتئ يتذاكى ويزداد اصرارا على استرداد الحقوق السليبة والمستلبة،ناسفا في ذات الآن الوعود الزائفة والمعرّضة أبدا للتناقض حتى الإضمحلال، ورافضا واقع الإحتلال عبر صيغة"دولة"هي الحكم الذاتي"مستأنفا"دون تغيير جوهري في الواقع..
لذا لا عجب أن يعود الفلسطينيون إلى معادلة الإحتلال والمقاومة محاولين دوما إعادة رسم العلاقة ثم الأدوار بين ما هو قطري وبين ما هو قومي،ومن له حق التصرّف ومن يحقّ له الإعتراض،متجاوزين بجسارة كل محاولات الإختزال والتدجين الرامية إلى تحويل-فلسطين-إلى مجرّد جملة معترضة في كتاب العرب الإمتثالي.
أقول هذا لأؤكّد على أنّ القضية الفلسطينية برمتها غير قابلة للإختزال في ثنائية أن تكون دولة فلسطينية أو لا تكون،وعلى أي مساحة من أرض فلسطين قد تقام،بل وفق أي شروط وحقوق !ذلك أنّ المقاومة قد رسّخت جملة من الحقائق وقشعت سحبا من الأوهام وجعلت من-فلسطين-رمزا للصراع العربي الصهيوني وقضية مركزية للأمة العربية،فليس ما يجري فيها خلافا على الحدود ولا نزاعا فلسطينيا"اسرائيليا" على هذه النسبة أو تلك من مساحات الأرض،بل إنّه صراع بين مشروعين:الأوّل إنسانيّ يمثّل في اللحظة الراهنة الضحية الحقيقية للإستعمار والعنصرية والإرهاب،والثاني عدواني نازي يعلن بحماقة أنّ الأرض لم تعد تتسع لإثنين،وبالتالي على الفلسطينيين أن يغادروا وأن يجدوا لهم مكانا آخر!!،أي أنّ إمكانية العيش المشترك لم تعد واردة وهذا ما يفسّر المبالغة في استعمال القوّة،واللجوء إلى إرهاب الدولة المنظّم،سواء في اقتطاف رؤوس المقاومة أو هدم البيوت أو تضييق الخناق على -غزة-وأهلها..!!
وإذن؟
كان لا بد إذاّ من إدراك الحقيقة دون زيف أو خداع بإعتبار وأنّ المقاومة الفلسطينية في إشراقاتها الخلاّقة،قد وضعت كلاّ من الجلاّد والضحية في موقعهما الملائم على ضفتي الصراع وأسّست بإستبسال لترجمة واضحة للوعي المقيم،وعي العربي الفلسطيني بهويته ومعناه،وحدوده ووجوده الممتد،مقابل وعي اليهودي بوجود طارئ على جغرافيا يفتعل صلة وهمية وخرافية بها..
لذا لم يعد الرهان على غير وعينا،إدراكنا،فهمنا ممكنا،كما لم يعد في وسع أي شيء من هذا:نوايا..جهود..مبعوث..مبادرة..إلخ أن يخفي عنّا ما هو جوهري في عمليات الإلتفاف على الحقوق المشروعة لقضيتنا القومية والتي بدأت تجتذب كتلا من التفاعلات العميقة محليا ودوليا،شعبيا ورسميا،وبدأت كذلك تطرح مشكلة اللعب في المشروعية الدولية..مشكلة إزدراء حرمة مبدإ الحقوق ذاته..مما يعني بوضوح تام أنّ التسويات والمبادرات والمؤسسات و..تطلعات المجتمع الدولي كلّها في شبهة.
ما أريد أن أقول؟
أردت القول: إذا كان المحرّك الأساسي للمقاومة هو رحيل الإحتلال ومستوطنيه،وهو كذلك،وإذا كان انقشاع الأوهام التي راهنت على الوصول إلى سلام عادل وفق الآليات والأسس التي صاغها اتفاق-أوسلو-هو وقود إضافي لهذه المقاومة،فإنّ وصولها إلى ضفة التحرير وتحقيق هدفها الوطني هو رهاننا التاريخي الحاسم،خصوصا بعد أن ثبت عجز جنرالات الحرب في تل أبيب عن إسكاتها و-تدجينها-من خلال دموية الإجتياحات والإغتيالات وإطلاق القوّة المجنونة من عقالها،الأمر الذي جعل كذلك محاولات الإلتفاف السياسي عليها تبوء بالفشل لأنّها تؤسس للعودة إلى الوراء بينما تتأسّس المقاومة الفلسطينية الباسلة على قائمة أهداف محددة،لا يجوز القبول بأقل منها..
والخلاصة؟
هي أنّ المقاومة متواصلة ولا سبيل لرمي سلاحها حتى تحقيق النّصر المبين،وهذا ما يؤمن به كل من يمتلك رؤية حقيقية ويرفض العماء المعمم،كما أنّ صمودها ليس أمرا مفاجئا ولا استمرارها مدهشا إلا لأولئك الذين يعتقدون أنّه بإمكانهم مواصلة خداع الواقع وتسويق الوهم بعدأن استكانوا لتزوير التاريخ..
لذا،وعلى عكس ما يشاع،فإنّها لا تعاني انسداد الأفق،بل إنّ من يعاني انسداد الآفاق حقّا هو الكيان الصهيوني..
أقول هذا في الوقت الذي أشاح فيه العرب بوجوههم عن القضية الفلسطينية ليصغوا بإنتباه للصوت القادم من واشنطن ..!
ماذا بقي أن أضيف..!؟
بقي أن أقول أنّ المقاومة الفلسطينية تسير بخطى حثيثة صوب النصر المحتوم ولن تتوقف على المسير خصوصا بعد أن خلخلت حسابات المنطق وجسّدت هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخدّر والمستَلَب،وأصبحت حدثا ممهورا بالدّم وتحوّلت تبعا لكل التداعيات إلى مقاومة شعبية استشهادية،وشكّلت بالتالي حرب استنزاف قدر العدوّ فيها هو الهزيمة والإندحار..
لذا لا عجب أن يمارس هذا العدوّ كل أشكال الإرهاب بإستخدام الدبابات والطائرات"أف16"..وكل أدوات صناعة الموت،ولا عجب كذلك أن يواجه الفلسطينيون كل هذا الزخم من الدمار بصمود استثنائي وبقدرة مذهلة على اجتراح أشكال جديدة للمقاومة مكنتهم من ضرب العدوّ فيما يعتقد أنه مناطق آمنة (طوفان الأقصى-نموذجا)،وأربكت بالتالي خط دفاعه الأوّل..
وهذا يعني أوّلا وأخيرا أنّ الواقعة الإستشهادية لا تكون أساسا إلاّ إجابة عن سؤال الحقوق والشرعية..ممارسة في صياغة السؤال المطروح مما يجعلها-ثورة في الإنسانية،معترفا بنتائجها في "الجهاز التقني "لإستراتيجيات المجتمعات الباحثة عن المعادل البديل لفقدان الحقوق والقانون والسيادة.
محمد المحسن

حين تتجلى بوضوح لا تخطئ العين نوره وإشعاعه..الرؤيا الإبداعية والجمالية في قصائد الشاعر التونسي طاهر مشي (قصيدته "عشق..تحت المطر" نموذجا ) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين تتجلى بوضوح لا تخطئ العين نوره وإشعاعه..الرؤيا الإبداعية والجمالية في قصائد الشاعر التونسي طاهر مشي (قصيدته "عشق..تحت المطر" نموذجا )

في القصائد وحدها نعيد بناء العالم..(ألن غسنبرغ)
لعل من أبرز الخصائص المميزة للعمل الفني عموما والملفوظ الشعري خصوصا انه عمل يستفز المتلقي ويحمله على التفكير والتامل في كل حرف وكل كلمة بل يجعله يبحث عما خلف السطور وخلف الكلمات.
ومن هنا يمكننا القول أن الجمالية في الشعر جماليتان : هما جمالية الكتابة وجمالية التلقي .
فالطاقة الشعرية تتسع كلما اتسعت دائرة القرّاء لان كل واحد سيتناول النص من منظوره الخاص ويرى فيه ما لا يرى غيره .
ولا يفوتنا الإشارة الى أنه من شروط جمالية النص الشعري أن تكون المعاني والصور متمنعة مستفزة لا تسلم نفسها للمتلقي بيسر بل تحمله على أعمال فكره وقراءة القصيدة بترو،وبذلك يمكننا الإقرار بكثير من الإطمئنان أن النص الشعري نصان: نص مكتوب على ضوء رؤية صاحبه،ونص مقروء حسب رؤية المتلقي .
وهنا نستحضر قول تودوروف ”ان النظرة إلى الحدث الواحد من زاويتين مختلفتين يجعله حدثين منفصلين"
وقد لا أجانب الصواب إذا قلت للشعرية أساليبها البليغة،ومؤثراتها المهمة في تفعيل الرؤية الشعرية في القصائد الحداثية المعاصرة،لاسيما حين تمتلك قوة الدلالة المكتسبة من شعرية الأساليب وتنوعها وغناها الجمالي بالتقنيات الفنية المعاصرة،فالشعرية -بالتأكيد- تثيرها الأساليب الشعرية المتطورة،ومحفزاتها الإبداعية الفاعلة في تكثيف الرؤية الشعرية،وتعميق منتوجها الإيحائي المؤثر.
في هذا السياق بالتحديد،تتجلى الرؤيا الإبداعية الخلاقة التي ترتقي بالنسق الشعري،وترقى بمستويات مؤشراته الجمالية للشاعر التونسي الكبير طاهر مشي ،الذي -ينجت-نصوصه الشعرية بحبر الروح ودم الفصيدة..
وهنا أقول للقارئات الفضليات والقراء الأفاضل : لا ترتقي الرؤيا الجمالية إلا بمنتوج جمالي،وشكل جمالي جذاب؛وهذا التفاعل والتضافر بين الإحساس الجمالي والشكل الجمالي هو الذي يرقى بالحدث الشعري،ومثيراته الجمالية..
وهذا ما تجلى بوضوح لا تخطئ العين نوره وإشعاعه في جل قصائد طاهر مشي.
وهذه واحدة من قصائده المدهشة.. فأضبطوا أنفاسكم قليلا :
عشق..تحت المطر
امطري أيتها السماء
أغيثِ عروقا قد أضناها الجفاء
حلقي بقطراتك على أجنحة وجداني
وارويني ندى الحب والحنان
دثريني كزخات المطر
واعصفي بنبضات قلبي الحيران
واسكبي فوق عشقي عشقا
واعزفي لي أروع الألحان
يا سيدة النساء
لا عاد لي من عشق الهوى
غير سقم في باحة الشريان
ترفقي فقد مللت الجفاء
وبت أحن سيلك الداني
امطري يا غيوم السماء
فبعد سيدتي بنار العشق اغواني
.
(طاهر مشي)
أترك للسادة القراء حرية التفاعل مع هذه اللوحة الإبداعية التي نحتتها بمهارة واقتدار أنامل الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي
في القصائد وحدها..نعيد بناء العالم..(ألن غسنبرغ)
هذا هو الهدف الأسمى للشعر عموما،أن يبني عالما آخر،عالما مختلفا عن العالم الذي نشغل فيه حيزا من المكان وبرهة من الزمن.
ولا شك أننا اليوم وبفعل تطور مختلف العلوم،أصبحنا مقتنعين أن هناك عوالم أخرى يمكن أن يطمئن اليها الانسان خارج عالم الواقع المباشر.هذه الحقيقة العلمية توصل اليها الشعراء وكبار الفلاسفة منذ أمد بعيد .لكن للأسف قليلون من يستطيعون معايشة هذه الحقيقة الثابتة .
وقصيدة طاهر مشي هذا الشاعر التونسي الشاب "حِينَ تَعْشَق الرُّوح"،تمتلك من مقومات القصائد العليا فنيا ما يؤهلها لأكثر من دراسة نقدية وعلى مستويات عديدة، فقد استطاع من خلالها الشاعر بحس شعري راق،وبذوق فني رفيع أن ينقلنا الى عالم آخر.وكأنه يعيد بناء عالم خاص به ،عالم يستجمع فيه الشاعر كل طاقاته المدفونة في لغة منسية لا يتذكرها الا الشعراء الكبار ليشكلوا ذاكرة أخرى،والعالم خارج مفهوم الذاكرة لايساوي شيئا.فالبذاكرة تتعمق روابطنا مع مختلف مظاهر العالم،وبالذاكرة نختار ما ترتاح اليه أنفسنا ليرافقنا كنور نضيئ به عتمات حياتنا،ونعدم ونتخلى عما يشوش علينا هناءتنا الدقيقة التي نحتاجها كثيرا خاصة في عصرنا هذا..
لقد توسل الشاعر لغة انسيابية رقيقة تخدم غرض القصيدة ومقصدها مصبغا عليها أسلوبا مرنا وشفافا في بناء متناغم ومتناسق كأنه يستحضر مقولة كيتس عن بناء الشعر " إذا لم يجيء الشعر طبيعيا كما تنمو الاوراق على الأشجار..فخير له ألا يجيء " .
على سبيل الخاتمة :
دائما أحادث نفسي بأنه لا مانع من أن تكون لنا وجهة نظر فيما يقال طالما أن صاحبها قد سمح لنفسه بالقول وكتب لها شهادة ميلاد فعليه أن يقول ولنا أن نتأول.
صاحبنا-الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي-شاعر ركب البحور الشعرية وأمسك بذمام اللغة وله نبرة خطابية واضحة.
وقد-حاولت-مرارا تناول بعضا من أعمال هذا الشاعر كما يحلو لي في المقام الأول،لأنه من الجرم كبت النقد بداخلنا في عصر لا يسكن اللسان مكانه ولا تقبع الكلمة دارها فالكل عراء وسط الصحراء.
وفي النهاية تجدر إلى اني التزمت في قراءتي هذه بنص القصيدة "عشق..تحت المطر "وحده التي استوقفتني كثيرا منذ قراءتي الأولى لها .
إنها "الروح العاشقة" يا سادتي الكرماء..
محمد المحسن

الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي..شاعر مختلف..فريد في تعاطيه مع القصيدة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي..شاعر مختلف..فريد في تعاطيه مع القصيدة

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي من الأسماء الشعرية التونسية والعربية التي استطاعت من خلال منجزها الشعري أن تشكل حالة شعرية إبداعية مغايرة ومتميزة حظيت بالدرس النقدي العربي لفنيتها ورؤاها الجديدة في صياغة الجملة الشعرية..
وخلال مسيرة الطاهر الشعرية التي توجها بمجموعة من الأعمال نذكر منها لا الحصر: ديوان شعر “همس الوجدان” 2016"ديوان شعر “نبض وأوتار 2017
"ديوان شعر “جوهرة القلوب” 2019"شارك في ديوان العرب 2019 "
وغير ذلك من الأعمال الشعرية وتوقيعاته الصوتية التي تلامس شغاف القلوب بفنية عالية.
هذا الشاعر القدير، يحاول أن يضفي إلى تجلياته الشعرية وتوقيعه الصوتي الذي يشنّف الآذان إليه،تراتيله الشعرية أن يمنح نصه الشعري بعدا فنيا وجماليا ولمسة لا تخلُّ من الحسّ الإنساني الذي يراكب التطور الإيقاعي برؤى جديدة تنضاف إلى مضامين القصائد من حيث منحها إيقاعا صوتيا تعبيريا ينقله الشاعر بحسّه وروحه المحلقّة في فضاءات أكثر اتساعا في سموات التجلّي والإبهار...
هذا البعد الجمالي والفني على أرضية القصيدة يضفي أيضا إيقاعا آخر يتوازى إيقاع القصيدة العروضي وهذه ميزة أخرى تنضاف إلى جلال القصيدة وتعكس البعد النفسي للشاعر ورؤاه المنبثقة من فلسفة جديدة تجاه مبنى ومعنى النصّ الشعري.
يقول الشاعر طاهر مشي :
رؤى
قَالَت تَعَال فَإنّ الشّوق يَغْمُرُنِي
ارْوِ عُرُوقِي فَكَم عَاقَرْتَه النّدَمُ
أضْحَيتُ حُبْلَى بِهَا الأشْوَاق فِي وَتَرِي
مَا رُمْتُ بُعْدا وَلا أنَسْتَه السَّخَمُ
بِتُّ الليَالِي عَلى جَمْرٍ يُعَذِّبَنِي
يَصْلِي فُؤَادِي وَكَم آلَفْتَه الأَلَم
ارْفِقْ بِحَالِي فَكم أحْتَاج ضَمَّتَك
فِيها الحَنِينَ وَمِنْهَا النَّار تَضْطَرِمُ
يَا قَاسِيَ القَلْب لاَ تَنْسَى مَوَدَّتَنَا
وَاسْكُبْ بِكَأْسِي سَدِيم يَجْرِف الحِمَمُ
أشْتَات رُوحِي غَدَتْ فِي البَرِّ هَائِمَة ُ
والعَينُ تَذْرُو دُمُوعِي تَغْسِل الصَّنَمُ
أُغْزُ مَكَامِنَهَا الأوْطَانُ وَأسْكُنُنِي
بِتّ أسِيرٌ وَهَذا الطَّيفُ مُنْصَرِم
احْكُم بِعَدْلٍ وَدَعْه الحُبّ سًتْرَتُنَا
مَا عُدْتُ أهْوَاه لَيْل البُأْسِ وَالحُلُمُ
طاهر مشي
لنلاحظ إيقاعية اللغة وانسيابية القافية والجرس الموسيقي المنتظم، وكذلك حبكة الجمل الشعرية وجماليات التصوير الذي ينم عن دراية بالإيقاع المحمل بدلالات مرتبطة بإيقاع صوتي داخل النصّ يمتزج هذا الإيقاع مع الإيقاع الصوتي للشاعر أثناء الأداء..
وهناك توقيع صوتي اشتغل الشاعر-الطاهر-عليه، بحيث يأخذ المتلقي إلى أقصى مدى من الانسجام والانفعالات والعواطف التي تأسر وتعبر عن رسالة الشاعر إلى الجمهور ليتفاعل معه ويمنحه ويشاركه في نصّه الذي يؤديه ضمن لازمات موسيقية وهذه ميزة أخرى اتصف بها الشاعر طاهر-من خلال قصائده التي وقعها بصوته.
وللتمثيل على ما تم ذكره من قصيدته "يقين" :
وفِي الأوطَانِ قَدْ هَامَت خُطاي …
وَ نبْضِي فِي شَرَايينِي هَجِين
أَبِيت الليْل لا تَغْفُو عُيوني ..
وَنُور الفُجْر فِي حُلمِي يَقِين
وَطِيب الأرْض فِي نَفْسي هَواهَا …
وَرِيح العِشْق يَذْرُوهُ الحَنين
طاهر مشي
وهنا،أقول بأن الشاعر طاهر مشي كغيره من الشعراء الذين أخلصوا للنص الشعري، ويشتغل على قصيدته لتواكب تطور القصيدة وحداثتها بنفس شعري متدفق متأثرا برموز الشعر العربي قديمه وحديثه من أمثال : أبوتمام والبحتري والمتنبي والشابي والرافعي وشوقي والجواهري ومحمود درويش ونزار قباني والسياب وغيرهم..
هذا التأثر لم يكن تأثرا أو نسخة عن هؤلاء الشعراء وإنما كان له صوته الخاص الذي يميزه عن غيره من الشعراء وعن مجايليه، فهو شاعر يشتغل على قصيدته ويعمل على التجديد والكشف عن جماليات اللغة والغوص في البناء الدرامي بحيث نجد قصائده بنية إنسانية درامية تعبر عن كوامن النفس البشرية المنصهرة مع الواقع من خلال السرد الشعري المنفتح على آفاق أكثر التصاقا بالمعطى اليومي.
هذه إطلالة سريعة على تجربة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي،إطلالة تشبه الشهادة الإبداعية على منجزه الشعري وتفرده بتوقيعه الصوتي الذي يمتاز بأسلوبية جديدة في مشهدنا الشعري باعتماده على الأداء الصوتي المتقن والمعبر عن حسّ موسيقي يعتمد أيضا على المسرحة الشعرية أحيانا..
الشاعر طاهر مشي بحاجة إلى وقفات ووقفات لنسبر أغوار تجربته الشعرية ورسم معالمها وتناصتها مع الموروث الديني والمادة التاريخية.
محمد المحسن


عودة الدرر من جحر الجرذان*** بقلم الشاعر علي مباركي

 عودة الدرر من جحر الجرذان*** بقلم علي مباركي

عودي لأوطاني كما شاء القدر
فالبعد عنك اليوم بالغ الضجر
عودي لأوصالي بشموخ القمر
لن ترضخي للغدر فدتك الدرر
في منبع الوديان كنت والخطر
نلت الضنى حوبا لمن سن الإمر
صبرا على الأذى وما كاد الأثر
يوم أتى في غمده نصل الظفر
لا تحزني يا مهجة قلبيا النضر
ايقونة الوجدان شامة العمر
بين الضواري كنت امرا مقتدر
أضحيت دهرا قد نباك بالضرر
حيران لا يمسي سعيداً ما أضر
خسران كم بات المهوس المحتقر
قد تحمل جحشا أتان من حمر
فالأصل أصل ما تولد المهر
شتان بين الأفضل من جنس بشر
شر مزيج من شذرات الوزر
يوم الحساب العادل يوم أغر
لا باطل يعلو عن الحق المدر
يا حب عمري قد حلا ماء البحر
غم وهم عافنا منه المطر
إعصار دنيال طفى منهم ظفر
تلك الطغاة اليوم منهاهم صقر
رب السماء القاهر لمن فجر
سبحانه ذو حكمة منها الظفر
صبرا جميلاً ناعما لم الضجر
علي مباركي
تونس في 03 اكتوبر 2023