عقوق الإخوة حين يتحول الأخ من سندٍ إلى وجع
بقلمي/ فريحه سليمان المريمي
كثيرة هي الأحاديث التي تدور حول عقوق الوالدين ، وكثيرة هي الدعوات التي تحث على البر بهما ، وهذا من أعظم أبواب الخير .
لكن هناك نوعاً آخر من العقوقِ ، يحتاج إلى أن نقترب منه أكثر ، وأن نفتح حوله نقاشاً إجتماعياً جاداً عقوق الإخوة لأخواتهم .
ذلك الوجع الذي لا يُرى غالباً ، لأن الأخت قد تصمت حفاظاً على إسمِ العائلةِ ، أو خوفاً من القطيعةِ ، أو خشية أن تتحول شكواها إلى فضيحةِ ، فتختار الصمت ، بينما يتراكم في داخلها ظلمٌ لا يراه أحد .
والأخت ليست مُجرد إبنة خرجت من بيتِ أبيها إلى بيت زوجها ، وليست شخصاً يُسقط حقهِ ، بمجرد أن تتزوج .
هي أخت لها حق في صلةِ الرحمِ ، وحق في الإحترام ، وحق في نصيبها الذي شرعه الله لها ، وحق في أن تُصان كرامتها ، وألا تتحول حاجتها أو ضعفها إلى وسيلةِ لإستغلالها ، أو التحكم في حياتها .
لقد جاء القرآن صريحاً في تقريرِ أصلِ حق المرأة في الميراث : " للرجالِ نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساءِ نصيب " ، ثم أكد أن ذلك " نَصيباً مَفروضاً " .
فأيُّ ثقافة هذه التي تجعل الأخت تستحي من المطالبةِ بحقها ؟.
وأيُّ أخوة تلك التي يُقال فيها للأخت : ( تنازلي ، نحن إخوتك ) ، وكأن صلة الدم تُسقط حقاً شرعه الله ؟
الأخوة ليست سلطة على الأختِ ، وليست وكالة دائمة على حياتها ، وليست تصريحاً بالتحكمِ في مالها ، أو خياراتها .
والأخ الكريم ليس من يمنّ على أُختهِ بما أعطاها ، بل من يعرف أن الكرامة لا تُشترى بالمنّةِ .
ثم ماذا عن الأرملة ؟.
ماذا عن المطلقة التي عادت إلى بيت أهلها وهي تحمل أبناءها ومسؤولياتها ؟.
ماذا عن الأخت غير العاملة التي لا تملك دخلاً مستقلاً ؟.
ماذا عن الأخت ذات الإعاقة التي تحتاج إلى من يقف معها ، لا إلى من يستغل حاجتها ؟.
وماذا عن إمرأة فقدت زوجها ، أو فقدت والديها ، أو عاشت ظروفاً جعلتها أكثر إحتياجاً إلى الأسرة ؟.
هؤلاء لا يحتجن إلى أخ يُذكّرهن كل يوم بأنه صاحب فضل عليهن ، يحتجن إلى أخ يشعر بأن الوقوف إلى جانبِ أهلهِ مروءة ورحمة ، لا منّة وإذلالاً .
وقد مدح النبي عليه أتم الصلاة والسلام ، الساعي على الأرملة والمسكين ، فقال : ( الساعي على الأرملةِ والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ) ، وهو حديث صحيح في صحيح مسلم .
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين : الحديث يتحدث عن فضل السعي على الأرملةِ والمسكين ، ولا يعني أن كل أخ تُلزمه نفقة أُخته في كل حالةِ ، فمسألة النفقة لها أحكامها وشروطها .
لكن المعنى الإنساني والشرعي واضح : المرأة المُحتاجة ليست عبئاً ينبغي التخلص منه ، بل إن إعانتها ورعايتها من أبوابِ البر والأجر .
أما الحماية من العُنفِ والإستغلال ، فهي ليست ترفاً إجتماعياً .
حين يستخدم الأخ قوته أو ماله أو نفوذه العائلي لإخضاع أخته ، أو حرمانها من حقها ، أو أبتزازها ، أو تهديدها ، أو الإستيلاء على مالها ، أو منعها من المطالبةِ بحقوقها ، فنحن أمام سلوك ينبغي ألا تغطيه عبارة : ( هذه مشاكل عائلية ) .
فالأسرة مكان للحمايةِ ، لا مكاناً يُستتر فيه على الظلمِ .
والقرآن أمر بالإحسان إلى الأقاربِ صراحةِ : " وبِذِي القُربى " ، ضمن جملة من الحقوقِ الإجتماعيةِ التي أمر الله بها .
ومن أخطر صور عقوق الإخوة أن يموت الأب أو الأم ، فتبدأ المعركة على التركةِ ، وتصبح الأخت الحلقة الأضعف .
تُضغط حتى تتنازل .
تُخجل لأنها تطالب بحقها .
يُقال لها : ( نحن إخوتك ، والمال لا يفرق بيننا ) .
نعم ، المال لا ينبغي أن يفرق بين الإخوة ، لكن الظلم هو الذي يفرقهم .
إن أرادت الأخت أن تتنازل عن شيء من حقها بعد ثبوته ، وبرضاها الكامل ، ومن غير ضغط أو إكراه ، فذلك شأن آخر .
أما أن تُدفع إلى التنازل لأنها امرأة ، أو لأنها مُطلقة ، أو لأنها أرملة ، أو لأنها تخشى إخوتها ، فهنا يتحول الترابط العائلي إلى وسيلةِ للضغطِ .
والأخ الحقيقي لا ينتظر أن تصرخ أُخته حتى يعرف أنها تحتاج إليه ، يسأل عنها ، يتفقد أبناءها ، يحفظ سرها ، يصون كرامتها ، يدافع عن حقها .
وإذا اختلف معها ، لا يحول الخلاف إلى قطيعةِ ، وإذا أحتاجت ، لا يحوّل حاجتها إلى إذلال .
وإذا طالبَت بحقها ، لا يجعلها تشعر بأنها أرتكبت جريمة.
فلنفتح هذا الملف ، ولنتحدث عن الأخواتِ اللواتي صمتن طويلاً .
عن الأراملِ والمطلقات وذوات الإعاقة وغير العاملات .
عن حقوق الأخوات في التركة .
عن الإستيلاء على أموالهن .
عن العنفِ الأسري الذي قد يأتي أحياناً من أقربِ الناسِ .
عن الأخِ الذي يعتقد أن كونه رجلاً يمنحه حق الوصاية على أُخته مدى الحياة .
وعن المجتمعِ الذي قد يلوم الأخت إذا تكلمت ، بدل أن يسأل : لماذا أضطرت إلى الكلامِ ؟.
ليس المطلوب أن نحول كل خلاف عائلي إلى قضيةِ ، ولا أن نزرع الشك بين الإخوة .
المطلوب أن نُعيد تعريف الأخوة كما ينبغي أن تكون :
رحمة لا سلطة ، وسندًا لا استغلالاً ، وستراً لا قهراً ، وعدلًا لا مِنّة ، وصلةً لا قطيعة .
فكم من أختٍ لا تريد مالاً من أخيها ، وإنما تريد أن تشعر فقط أن لها ظهراً لا ينكسر إذا مالت بها الأيام .
وكم من أخٍ يملك أن يُنقذ قلب أُختهِ بكلمةِ ، أو يحفظ كرامتها بموقفِ ، أو يصون حقها بعدلِ ، لكنه لا يفعل .
فليس كل عقوقٍ يصدر عن أبناءِ تجاه آبائهم .
بعض العقوق يأتي بين الإخوة ، ويترك في القلبِ ندبةً قد لا يراها أحد .
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس : هل أخوك يساعدك ؟
بل : هل أخوك حين تحتاجينه ، تشعرين أنكِ لستِ وحدك ؟ .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق