مرايا..متشظية
بيروت حنين لا يشيخ..وذاكرة لا تندمل..!
تصدير : في الحياة قد تخسر حلما،وقد تفقد أملا..وقد تتنازل عن أمنية..لكن كن حريصا ألا تخسر نفسك..
-قد كبــر الشوق عشرين عامـا /وصار اشتياق /وما مــن دمـوع أداوي /بها حضرات الهمــــوم الجليــــلة /إلاّ قميــصي وقلبي وكــلمة حزن نسيها الرفاق/تفتح حـــزن كثير غــداة افترقنـــا
ولست على أحــد نادمــاً غير قلبي /فقد عاش حبـــاً معاق..(مظفر النواب)
-حين تغيب الجغرافيا،تبقى الخرائط المرسومة على جدران القلب.وكل درب في بيروت يقود إلى جزء منّا نبحث عنه في منعطفات الطريق..( الكاتب)
صور عديدة تهجع في ذاكرتي عن بيروت الشامخة شموخ الرواسي أمام الليالي العاصفات..بيروت التي ستظل مدينة الحضارة ومعلّمة الحقوق ورائدة الثقافة والعلم..المدينة التي عرفتها في طور الشباب وقبل أن يشتعل رأسي شيبا..عرفتها وخبرتها أثناء دراستي الجامعية ومتابعتي لعملي كصحفي..
أتحدث هنا عن بيروت المدينة التي لا تموت رغم ما شهدته من حروب وزلازل ونكبات..المدينة التي تنهض من رمادها كطائر الفينيق وتنفض عنها غبار الأحزان وترسبات السنين العجاف..
وبيروت هذه،ليست مجرد مدينة،بل هي قصيدة حية كُتبت بمداد الدم والأمل،وظلّت قافيتها الأخيرة معلقة بين صمود البحر وترنّح الجبال.
كم مرّة سقطت بيروت كجريحٍ في الميدان،وكم مرّة نهضت من تحت الركام لتقول للتاريخ: "الحياة أقوى".
في شوارعك يا بيروت،لا يزال صدا أصواتنا يتردّد كنبضٍ خفيّ تحت أسفلتٍ يحمل جراح الحروب ووشم الذكريات.
هذه العروس الموشحة بالبهاء(بيروت) علمتنا أن الحزن يمكن أن يتحول إلى قوة،وأن الألم قد يولد من رحمه الجمال.و ليست-هنا-الذكريات هروبا إلى الماضي،بل هي إضاءة خافتة نبحث بها عن أنفسنا في دهاليز الزمن الغادر.فحين تغيب الجغرافيا، تبقى الخرائط المرسومة على جدران القلب.وكل طريق في بيروت يقود إلى جزء منّا نبحث عنه في كل منعطف.
بحنين عاصف،أتذكر مقاهي"الهورس شو" و"الويمبي" قرب مسرح البيكاديلي وسواهما كثر..أتذكر أكشاك باعة الصحف وبينهم من يعرضها على أرصفة شارع الحمراء،أما اليوم فقد غابوا كما بعض مكتبات الشارع (الحمراء) حيث المقاهي التي كانت مقصدا للأدباء والسياح..
لم تعد بيروت "ست الدنيا" كما لقبها نزار قباني في إحدى قصائده..والزمان لا يعود الى الوراء الا في شريط الذكريات..
ولديّ من ذكريات بيروت ما يكفي لتأليف كتاب..
بيروت التي حملَتْ أحلامي المضيئةَ وغربتي ووجعي ونضالي وشِعْري..أصبحت اليوم مدججة بالمواجع في نخاع العظم..لكنها لم تخسرْ بهجة الألق وترنيمة الصباح..!
بيروت التي صمدت في وجه لعلعة الرصاص ونعيق المدافع،ستظل السماء الصافية التي ترفرف تحتها حكايات الاغتراب والحرب والحياة التي سار عليها الكثيرون..وأزعم أني واحد منهم..
تحت زخات المطر التي تقطر على شيخوختي الآن سيما في الليالي الشتائية،ضاعت تفاصيل حياتي هناك تحت تأثير الجغرافيا والتاريخ..
لكن ظلالك يا بيروت مازالت ممتدة من الجغرافيا إلى ارتعاشات القلب..مازالت هناك على عتبات روحي مثل رفّ جناح..
تغيرت الأزمنة والكلمات والمشاعر،ولم أعد ذاك الذي كانت تأتيه تحايا الرفاق عبر ضفاف المتوسط..ابتكرت لغتي الخاصة علني أتخطى الحقول الجافة في زمن الجدب بعد أن تلاشت المسافات بين رفاق الأمس..
احتضنتي بيروت يوم كان الحبر رفيقا للغرباء..لقد صار الأمس من الذكريات،والحاضر يفجعني عند انبلاج الصباح..أودّع كل يوم بصمت وبقلب نازف رجالا تنسكب على شجرة حياتهم أجمل البطولات..رجالا ما هادنوا الدهر يوما،وكانت وجوههم تتألق مع هبوب العواصف..
ذاكرة الحنين تسافر بي الآن إلى بيروت..تلك العاصمة الخالدة التي وجدت في حضنها دفئا لا ينضب..والتقيت فيها بنفسي مرارا..
تلك المدينة المزدحمة بالحياة لم تعد كما كانت،هجرها ألق الصباح ولم أعد أميّز بين صورتها اليوم والصورة الهاجعة عنها في ذاكرتي المعطوبة أصلا..أقنعت نفسي أخيرا بأنها لم تعد تشبهني..
تقدم بي العمر كثيرا وصرت أسير إلى العزلة بكبرياء المقاتل..أما عودتي إلى مدن الشرق القصية،فقد صارت أحلاما مؤجلة الى الأبد..
وفي خريف العمر هذا،أيقنت أخيرا بأن الذكريات ملكة إنسانية،الإيمان بها وفاء ونعمة،ونكرانها خذلان ونقمة،والشعور بها حقيقة،والرجوع إليها مستحيل.
وهكذا تبقى بيروت-ذلك الكائن الحيّ المتجدّد- ليست مدينة عابرة في سجلّ الوجود،بل هي ضميرٌ جغرافي،وذاكرة جماعية تنبض تحت الرماد. هي الحلم الذي لا يغفو،والجرح الذي لا يندمل، والأغنية التي تُغنيها الأجيال بلهجات مختلفة،لكنّ اللحن واحد: لحن البقاء.
ورغم كلّ شيء،مازالت تنبت من بين الشقوق زهرةٌ صغيرة تلوح للغريب والقادم والبائس.. وتهمس: "ما زال في العمر متسعٌ لأملٍ جديد". فالأوطان لا تشيخ في قلوب أحبابها،والمدن العظيمة لا تغيب-حتى وإن غاب وجهها-لأنها تصنع من الذكرى وطنا موازيا،يظلّ يُغنّي فينا كلما هبّت نسمة حاملة عبقَ البحر..وعبقَ الماضي الذي لن يموت.ولأن بيروت هي المدينة التي تتجلّى فينا قبل أن نسكنها،فإنها تظل تُرافقنا كظلٍّ للمعنى في رحلة البحث عن الذات.فحين تُغلق الأبواب وتتهاوى الجدران،تبقى نوافذها المشرعة على البحر تُطلّ على أفق من الأسئلة التي توقظ فينا روح المقاومة.هي ليست حجرا ولا ترابا فحسب، بل هي إيقاع داخليّ يُشبه نبض الحياة نفسها: يُضعف أحيانا،لكنه لا يتوقف.وكما أن البحر يُعيد إلى الشاطئ كلَ قصيدة مكتوبة على الرمال،فإن بيروت تُعيد إلينا،كلَ مرّة،إيمانا بأن الجمال والحقّ لا يغيبان رغم كلّ العواصف.فبقدر ما تحمل من جروح الماضي،تخلق من رحم الألم بصيصا يضيء دروبا جديدة للحالمين،كأنها تقول للعالم: "ما زال هنا،تحت الرماد،نبضٌ ينتظر الفجر".
وهنا أطلّ من نافذة شيخوختي في مدينتي الجاثمة على التخوم الفاصلة بين البسمة والدمع، حيث يلفّ الصقيعُ التلال ويهدِل الشتاء رماده على الصحراء.أجثم وحيدا في محراب ذكرياتي، بينما تهبّ من أعماق ماضيّ نسمات بحر بعيد. أشيحُ بوجهي المتجعدّ نحو الشمال،حيث ترقد بيروت تحت ضباب الزمن،فتلمع في عينيّ بللَى رؤى المدينة التي احتضنتْ غربتي وصدري الممتلئ بأحلام الصحافة والشعر.كم مرّة عانقتني هناك،وهي تلفّ عاتقها بضوء المتوسط وندى الياسمين،يوم كان الحبر يجفّ على أوراقي بسرعة شبابي،وكانت الحروب مجرد كوابيس عابرة أذيبها بألق المقاهي وثرثرة الرفاق.والآن،وأنا أتحسّس برد الزجاج،أرى ظلال تلك الأيام تهرب من بين أصابعي كدخان سيجارة في ليلة عاصفة.لم أعد أملك غير هذا الصمت الأليم،وأنا أشهد كيف يتحوّل ماضيي إلى جغرافيا غريبة في قلبي، وكيف تتحوّل مدينة كانت يوما جزءا من كياني إلى مجرد خرير حنينٍ يتسرّب تحت أبواب ذاكرتي الموصدة.لكنّ بيروت-رغم كلّ شيء-ما زالت هناك، في ذلك الركن الدافئ من روحي،تنبض تحت رماد سنيني،كجرح لا يندمل فيّ،وكقلب لا يتوقّف عن الخفقان في صدرى رغم صقيع الزمن ولسعات العمر وقد أوغل في الخريف.
"وتبقى بيروت..حكاية لم تُكتَب نهايتها بعد، وذاكرة لم يقوَ النسيان على انتزاعها منّا.فما يُمحى من الخرائط،يخلّده القلب."
وأختم بما قاله أحمد شوقي "ويجمعنا إذا اختلفت بلادٌ/ بيان غير مختلفٍ ونطقُ"..
محمد المحسن