الأحد، 1 أكتوبر 2023

حَليمَةُ بقلم الشاعر محمد جعيجع

 حَليمَةُ :

.........................
1. رَحَلَت حَليمَةُ بِنتُ سِتٍّ بالمَنى ...
ولها جِنانُ الخُلدِ شامِخَةُ البِنا
2. وحَليمَةٌ ما اشتَدَّ عودُ جُسَيمِها ...
والنورُ من قِنديلِها أفَلَ السَّنا
3. في خامِسِ الأيَّامِ فَوقَ العَشرِ "أَوْ ...
تٍ" عامَ عِشرينَ ارتَحَلَ المُنى
4. "عبدُ الرَّحيمِ" أبو البُنَيَّةِ "فايِدٍ" ...
مع أمِّها بالفَقدِ نالَهُما العَنا
5. رَحَلَت ودونَ وَداعِ أمٍّ أو أبٍ ...
أو إخوَةٍ .. عَمٍّ وخالٍ في هَنا
6. وإلى جِوارِ اللهِ وِجهَتُها إلى ...
فِردَوسِ رِضوانٍ من دارِ الفَنا
7. وإلى جِوارِ محمَّدٍ مِسكٌ وطِيْ ...
بٌ دائِمٌ .. ظِلٌّ ظَليلٌ قد دَنا
8. جَعَلَ الإلهُ حَليمَةً لِلوالِدَيْ ...
نِ حِجابَ سِترٍ يَحجُبُ النارَ الخَنا
9. وشَفيعَةً يَومَ الحِسابِ وذُخرَ مِيْ ...
زانٍ وأجرًا نافِعًا يَومَ الضَّنا
10. ولِوالِدَيها عَوَّضَ اللهُ الرَّحِيْ ...
مُ حَليمَةً بالخَيرِ منها في الدُّنى
11. صَبرٌ جَميلٌ والإلهُ المُستَعا ...
نُ كصَبرِ أيُّوبَ النَّبي وفيه الغِنا
............................
محمد جعيجع من الجزائر. 2020/08/15
Peut être une image de texte

* من رواية (ملح السّراب)/4/ بقلم الكاتب مصطفى الحاج حسين .

 * من رواية (ملح السّراب)/4/

مصطفى الحاج حسين..
كان عائداً من عمله ، منهكاً لا يقوى على جرّ نفسه ، فتحت له "مريم " الباب ، وهتفت بفرح واضح :
- " رضوان " ..أنا أعرف كتابة اسمي ، ظنّها تهلوس فهي أمّيّة مثله ، فسألها ساخراً :
- وكيف تعلّمتِ الكتابة ياعبقريّة ؟.
- من " سميرة " ، هي التي علّمتني .
خفق قلبه ، أمعقول هذا ؟! .. هل يمكن له أن يتعلّم ، وهو ابن الثانية عشرة ، وبرقت في ذهنه فكرة ، سرعان ما كبرت ، قبل أن يخطو عتبة الغرفة :
- (( سأعرض على " سامح " أن يعلّمني ، سأرجوه إن رفض . سأشتري له " البوظة ")) .
وفجأة .. شعر برغبة عارمة ، في رؤية " سامح " ، قرر أن يذهب إليه حالاً ، وقبل أن يغسل يديه ووجهه من الغبار
والعرق ، ودون أن يغيّر ثيابه المهترئة والمتّسخة ، قفز مسرعا
ًبينما كانت أمّه تعدّ له طعام الغداء.
دخل بيت عمّه " قدّور "، وجد " سامحاً" محنيّاً على كتابة وظائفه ، فقال بسرعة :
- " سامح " أريدك أن تعلّمني كتابة اسمي .
رفع " سامح " رأسه نحوه ، وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه :
- تعلّم الكتابة صعب عليك .
- ولماذا صعب ؟!. هكذا سأل بحنق .
- صعب .. ثمّ ماذا ستستفيد إن تعلّمت كتابة اسمك ؟!.
- سأستفيد ، سأتعلّم كتابة اسمك واسم أبي وأمي و مريم وسميرة أيضاً .
ضحك " سامح " ، فاغتاظ " رضوان " وقد أدرك شعور ابن عمّه بالتفوق عليه ، فأحسّ نحوه بكرهٍ شديد ، غير أنّه وفي هذه اللحظة لا يريد إغضابه ، وهو على أيّ حال قادر على ضربه ، لذلك كبح حنقه :
- ماذا قلت ؟؟.. هل أنت موافق ؟.
هزّ " سامح " رأسه علامة الموافقة ، وبقيّ صامتاً يتطلّع إلى الأرض ، كأنّه يفكّر بشيء ما .
- إذاً هيّا بنا .. تعال علّمني .
- لا .. ليس الآن ، سأعلّمك ولكن فيما بعد .
- ولماذا فيما بعد ؟!.. أنا جاهز الآن .
سأل بلهفة من فقد صبره .
- اسمع يا " رضوان " ، هناك فتى في صفّي يزعجني كلّ يوم ، وأنا لا أقدر عليه ، أريدك أ تنتظره عند باب المدرسة وتضربه
.. هذا هو شرطي ، لكي أعلّمك ، فما رأيك ؟ .
صرخ " رضوان " دون تفكير ، فلقد شعر بالنشوة والاعتزاز
بنفسه ، " فسامح " يعترف بقوته ، بشكل غير مباشر :
- طبعاً أنا موافق .. حتّى من غير أن تعلّمني ، فأنت ابن عمي ، أنا على استعداد لقتله نهائياً من أجلك .
عاد " رضوان " إلى بيته ، وهو يفكر :
- (( سوف أجعله عبرة لكلّ الطلاب الذين لا أحبّهم ، فأنا قويّ ، الجميع يشهد لي بذلك ، وكلّ من يدرس يحسدني على قوّتي .)) .
في اليوم التالي ، وقف " رضوان " قرب المدرسة ،ينتظر
وهو متفائل بقدرته على سحق خصمه ، ولذلك فهو لم يحمل معه سلاحاً ، كان يهمس في سرّه :
- (( سأعاركه بيديّ ، وإذا لزم الأمر سأشقّ رأس بالحجارة )) .
وكان يتخيّل كيف أنّ " سامحاً " سيحسدّه على قوته ، ويعرف أنّه بدونه لا يساوي شيئاً.
بدأ الطلاب يخرجون ، فأخذ يحملق فيهم واحداً واحداً .. ولاح له " سامح " يرتدي صدريته ويحمل حقيبته، ولمّا اقترب منه كان وجهه مصفراً ، فدنا منه وهمس:
-" رضوان ".. أنا خائف .
فصاح " رضوان " بصوت مرتعش :
- ولماذا تخاف ؟؟!! .. أنت دلّني عليه فقط .
فقال " سامح " بصوته المضطرب :
- سيعرف أنّك ابن عمّي ، وسيقدّم شكوى بحقّي للأستاذ .
- لا عليك .. لن أجعله يعرف من أنا .. سأتبعه إلى أن يبتعد، ثمّ أنقضُ عليه وأرميه مثل الكلب فوق التراب .
ابتعد " سامح " كالمذعور وهو يهمس:
- لقد جاء .. ها هو ، ذاك الذي يحمل حقيبة سوداء كبيرة .
نظر " رضوان " حوله، فشاهد عدداً كبيراً من التّلاميذ متشابهي الثياب ، غير أنه عرف خصمه من بينهم ، صاحب المحفظة السوداء ، وعندما اقترب منه ، وجده أطول قامة ، وتظهر في وجهه علامات القوّة والشقاوة، تبعه " رضوان" بينما كان"سامح " يبتعد ، وهو ينظر خلفه ، بين اللحظة والأخرى .
دخل الخصم في زقاق جانبي ، وأخذ يسرع خطاه ،عندما
عاجله " رضوان " بصرخة قويّة:
- توقّف ياكلب .. توقّف عندك .
التفت ذو المحفظة السّوداء مستغرباً ، فرأى " رضوان " مسرعاً نحوه وهو يصرخ :
- نعم .. أنت .. توقف ، سوف ألعن أباك .
وفور وصوله هجم عليه ، مسدداً ضربة قوية على وجهه ، فحمل هذا محفظته ، وهوى بها على وجه " رضوان " فتدفق الدّم من أنفه غزيراً ، فجنّ جنونه .. وزعق :
- سأفعل بأمك يا ابن ال ....
والتقط حجراً كبيراً وقفذف بها خصمه، الذي تفاداها ببراعة ، واشتبكا بقوة ، وكلّ يحاول أن ينتف شعر الآخر ، بينما دم " رضوان " يسيل على وجهه ، والتفّ الصبية يتفرّجون على المشهد المثير ، ومن بعدٍ لمح " رضوان " ابن عمّه " سامحاً " واقفاً يراقب المعركة ، فشعر نحوه بالحقد ، كيف يقف هكذا دون أن يساعده ، فهذا الخصم قويّ لا
يستهان به ، وندم لأنّه لم يأت معه بسلاح، وأصابه الخجل عندما استطاع خصمه أن يلوي له ذراعه ، لا بدّ أنّ " سامحاً " يسخر منه الآن ، يده تكاد تكسر تحت ثقل الضغط ، ففكر أن يستغيث " بسامح " ، ولكن قوته المزعومة ستهتز حقاً في نظر " سامح " .. تألم كثيراً ولكنّه استطاع في اللحظة الأخيرة أن يصرخ :
- اترك يدي ياابن السافلة .. لقد كسرتها .
ولم يكد يكمل عبارته حتّى جاءته ركلة على مؤخرته ، تحرّرت يده وركض يبحث عن حجر ، لكنّه وجد صاحب المحفظة ينحني على الأرض ، فانطلق يعدو وخلفه خصمه ، وهو يهتف :
- توقّف يا جبان .. سألعن أباك .
حول سور المدرسة قعد " رضوان " حاملاً في طيات نفسه ذلّه وانكساره ، لقد هزم .. ياللفضيحة ، وكان يتساءل :
- (( كيف سأقابل " سامحاً " ؟. وماذا سيقول هذا الوغد " لسميرة " ، التي أتظاهر أمامها دائماً بالقوة ؟؟ .. اللعنة عليك يا " سامح " ، هل نصبت لي فخاً ؟!؟!.. هل كنت تعرف مدى قوة ذلك السّافل ؟؟.. ودفعتني لأتعارك معه ؟ .. أكنتَ تمتحن قوتي ؟!.. أم كنت مخدوعاً بقوتي مثلما كنتُ أنا مخدوع .. ولكنّي سأريك قبل أن أري خصمي ، بأنّي لست جباناً .. فإن هربت اليوم ، فذلك لأنّي متعب من العمل ، في الغد سأحتال على أبي وأبقى في البيت ، وآتي إلى المدرسة ، قسماً سأهشّم رأسه ، سأضربه حتّى الموت .. فلا تسخر منّي ياوغد ، وإياك أن تذكر شيئاً أمام أختك " سميرة .
ما كان عليّ أن أهرب ، كان عليّ أن أحمل سلاحاً ، وأن أجد حجراً ، بدل أن أهرب .. اللعنة على الحجارة ، حين نحتاجها لا نجدها .. ما أبشع الهزيمة ؟!.)) .
ظلّ " رضوان " هكذا متوارياً ، يفكّر .. وها قد حلّ الظّلام ، ولا بدّ له أن يعود ، قبل أن يتفقده أبوه .
وفي اليوم التالي ، استطاع " رضوان " أن يحتال على أبيه ، ولم يذهب إلى الشغل، نهض من فراشه متّجهاً نحو المطبخ ، وأخذ يتفحّص السكاكين، فانتقى واحدة لينتقم بها لكرامته ويستعيد ماء وجهه من خصمه ، وبسرعة أخفاها وراء ظهره ، حين دخلت عليه أمّه سائلة :
- لمَ تركت فراشك وأنتَ مريض ؟ .
فهرب أمامها دون أن تلمح السكين ، إنّه لا يخافها على الإطلاق ، وهي أيضاً تتستّر عليه فلا تخبر والده بما يفعله . ولقد كتمت أمر تدخينه السّجائر أمامها رغم تهديداتها المتكررة .
كان عليه أن ينتظر ، ريثما يحين موعد انصراف طلاب المدارس ، فقضى هذا الوقت في محاولة تجربة السّكين في قطع الأشياء ، وقام بالتدرّب عليها ، حيث يقفزها بقوة عن بعد، فتعلق بأعمدة الكهرباء . لم يشأ أن يقابل " سامحاً " ، أجّل ذلك ريثما يسترد كرامته ويحقق انتقامه ، وأقسم :
- (( لو أنّي رأيته الآن ، وشعرت بأدنى بادرة منه على السّخرية والتقليل من شأني ، لكنت قتلته بالسكين فوراً . )) .
انصرف الفوج الأول ، وتدفق الأولاد مندفعين مبتهجين لاستعادتهم حريتهم ، فأسرع إلى زقاق معركة الأمس ، مصمماً على الانتقام ، في نفس المكان الذي شهد انهزامه ، حتّى لا يشعر بالخجل والعار كلّما مرّ به .
وقف عند الزاوية مترصداً الذاهبين والقادمين إلى أن برز خصمه قادماً من بعد ، خفق قلبه في حين اشتدّت قبضته على السكين .. اختبأ عند المنعطف محدثاً نفسه :
- (( سأباغته بطعنة في بطنه .. وأهرب .)).
حينما اقترب ذو المحفظة السّوداء ، وصار بمحاذاة المنعطف ، برز له " رضوان " شاهراً سكّينه بيده ، انتبه الولد لهذه الحركة السّريعة ، فتجمّد مكانه لا يعرف ماذا يفعل ، فسارعه " رضوان " بهجمة تريد أن تصل بطنه بطعنة خارقة ، وقبل أن يصل إليه ، انقضّت يد جبّارة لرجل شاهد " رضوان " يمشي خلف خصمه ، ولكنه لا يدري كيف غفل عنه .
زعق الرجل وهو يشد بقوة يد " رضوان " :
- ارمِ السّكين على الأرض ياكلب .. كدت تقتل ابني .
سقطت السكين .. وصرخ " رضوان " :
- دخيلك ياحجي .. اتركني .
في تلك اللحظة شاءت الأقدار أن ينعطف " قدور ..
أبو سامح "، في هذا الزقاق ، ويبصر ابن أخيه، فركض نحو الرجل صارخاً:
- " تترجّل " على ولد ياجبان .
- سألعن والده .. كاد يقتل ابني .
لم يحتمل " قدور " وسدّد قبضة قويّة على عين الرجل ، فترنّح الرجل بينما كانت يده تضغط مكان الضّربة ، وبدأ الصّياح ، فالتمّ الأطفال حول المتشابكين ، وفتحت النساء الأبواب وبدأن بالصراخ .
وفجأة .. وبسرّعة فائقة .. انحنى الرجل والتقط سكين " رضوان " وقبل أن يتفاداه العم " قدّور " ، كانت السّكين قد استقرّت في بطنه ، تعالت الأصوات .. والصرخات .. من كلّ صوب ، بينما كانت عينا العم شاخصتين ، لقد أذهلته المفاجأة ، وانطلق الرجل القاتل يعدو .. ومن خلفه ابنه ..
ووقف " رضوان " يبكي ، لا يعرف كيف يتصرّف ، ولم يتحرّك إلاّ بعد أن خرَّ عمّه على الأرض ، فأخذ الطفل " رضوان " يركض صارخاً :
- لقد قتل عمّي " قدّور .. عمّي مات .
مصطفى الحاج حسين .
حلب.
Peut être une image de 1 personne et lunettes

* من رواية (ملح السّراب)/3/ بقلم الكاتب مصطفى الحاج حسين

 * من رواية (ملح السّراب)/3/

مصطفى الحاج حسين .
كان " سامح " يتقدمنا بعدة أمتار ، حين بدأنا ندخل متسللين إلى" مقطع الزَّاغ " ، ومنذ أن خطونا إليه ، تسرّبت إلى أجسادنا برودة عفنة ، فشعرنا بالرّاحة والنّشوة ، لأنّ حرارة الجّو في الخارج كانت خانقة .
اجتزنا الطّريق الضّيقة المتعرّجة مبتهجينَ ، ولكنّ إحساساً داخلياً بالإنقباضِ والوحشةِ أخذ يراودنا .
قبعت الظّلمة في المكان ، غير أنّ الجّدران الحوّارية البيضاء خفّفت منها فبدا المكان أشبه بكهفٍ مسحور
صاح 'عثمان " :
- انتبهوا من الجنّ والعفاريت .
وتردّد صوته مختلطاً بقهقهات"سعيد الجّدع"، الذي ظهر من خلال ضحكته شيء غير طبيعي ، يشير إلى خوفه وفزعه . وعندما سكتت الجّدران عن ترديد صدى الضّحكة ..
قال :
- أنا لا أخاف منها .. ففي رقبتي سلسال مكتوب عليه (الله - محمد ) وهو يحميني من الشّياطين .
قلتُ معلقاً على كلامه ، وقد أخذ الممرّ الضّيق بالإتّساع والعتمة تتضاعف ، بينما الانحدار نحو الدّاخل يزداد حدّة :
- لكنّ سلسالكَ هذا لا يحميكَ من أرواح الأموات المنتشرة قبورهم على سفح الجّبل.
صرخ "عمر" وكان يمشي خلفنا :
- ياأولاد الحرام ، اتركونا من سيرة الأموات والجّن وإلّا سأرجع إلى الحارة .
البرودة تزداد قوّة وحلكة كلّما توغّلنا ،لدرجة أنّنا شعرنا بقشعريرة البرد تسري في عروقنا ، بينما كان الماء ينزُّ من السّقوف والجّدران مخرجاً خريراً منبعثاً من الأعماق
يتناهى إلى أسماعنا .
صاح "سامح" أبن عمّي فجأة ، بصوت مليءٍ بالدّهشة والفرح :
- يا جماعة .. أشمُّ رائحة نار .
فأسرعنا نهبط فرحين ، وحقيبة" سامح " المدّرسية كانت تتأرجح خلف ظهري ، فقد كنتُ أحبّ دائماً حملها معي ، ليظنّ من يراني بأنّي طالب مدرسة .
زعق "عثمان" :
- رائع عندي سيكارتان " ناعورة " ولا أملك شعلة .
وصلنا إلى ساحة مترامية الأطراف ، يبدو أنّها في القاع تماماً . فسرقت عيوننا نار متأججة يتحلّق حولها ثلاثة شبّان . إلى جوارهم تناثرت زجاجات العرق .
انكمشنا في أماكننا جامدين ، بينما تتفرسنا أنظار الشّباب بدهشة وبهجة واضحتين .
قال أحدهم ، وكان يدعى" جمعة زقّان " ، بصوت خرجت بحة المشروب معه :
- تفضلوا ياحلوين .. تعالوا .. لا تخافوا ، لا يوجد بيننا غريب .. كلنا أولاد حارة .
بقينا على وقفتنا خائفين ، ودقات قلوبنا تطرق صاخبة عنيفة .. إنّ " جمعة زقّان " هذا نعرفه تماماً ، ونعرف شلّته أيضاً ، فكلهم مجرمون ، يغتصبون الأولاد . وكثيراً ما حذرني والدي منهم .
صاح الثاني ، واسمه " حمّود النّازل " ، وهو ذو يد مقطوعة :
- تعالوا .. دخنوا واشربوا العرق .
وكرع جرعة من زجاجته ، ثمّ أردف قائلاً :
- "تقبروني ما أحلاكم " .
صرخ الثّالث ، وكان يدعى " لطوف النّابح "، وكان له صوت يشبه نباح كلب ، يخرج من تحت شفته المشرومة :
- هربتم من المدرسة يا عكاريت ، جئتم وألله بعثكم لنا ، الحرارة متوتّرة معنا .
قال ذلك ونهض نحونا . صرخ أحدنا بفزع :
- اهربوا .. اهربوا قبل أن يمسكوا بنا .
انطلقنا راكضين صوب الخلف ، كان الانحدار صعباً هذه المرّة ، وليس من صالحنا ، وبدأت أقدامهم بدبيبها المرعب تضطرب خلفنا ، ونحن نلهث مذعورين، قلوبنا ترتجف بشدّة لم نعهدها ، وأنفاسنا تضيق حتى كأنها سوف تتفجر ،
والحقائب خلف ظهورنا تزيد من توترنا وخوفنا بتأرجحها ، مما جعلني أندم على حملها في هذه المرّة ، وخطر لي أن أرميها لإبن عمّي " سامح " ، لكن لا مجال الآن ، ونحن نهرب مذعورين .
انبعثت صرخة ذعر حارقة من خلفي . لقد سقط " سامح ' ابن عمي في أيديهم ، تفاقم الفزع فينا ، أسرعنا بكلّ ما نستطيع ، صاعدين متوقعين أن تمتد يد غليظة الأصابع فتمسك بنا من ياقاتنا ، كنت الأخير خلف رفاقي ، وكان صراخ " سامح " وعويله المجنونان يدفعانني لبذل طاقتي النهائية في الصّعود .
أخيراً وصلنا إلى فوهة " المقطع " ، استدرنا للخلف ، كانت أصوات الأقدام قد انقطعت ولم نر أحداً .
لقد عادوا ليفترسوا " سامحاً " الذي لم نعد نسمع له أيّ صوت.
توقفنا على مسافة غير بعيدة ، وصدورنا تعلو وتهبط مسرعة كخوفنا ، وأجسادنا مغسولة بعرقنا الحارق ، كصوت
" سامح " حين أمسكوا به .
قال " عمر " يخاطبني بصوت متهدّج :
- " رضوان " .. عليك أن تخبر بيت عمّك حتى ينقذوا ابنهم .
قاطعه " عثمان " :
- ماذا ؟ .. إذا قمنا بتبليغهم يافهيم فسوف يعلم أهلنا بهربنا من المدرسة .
قلت وقد بدأ التّعب يزايلني :
- ليس أمامنا وسيلة لانقاذ " سامح " غير تبليغ عمّي ،وبسرعة قبل أن يقوموا باغتصابه .
ضحك سعيد الجّدع(صياد الجرابيع)
وعلّق على كلامي :
- منذ اليوم صار لقب " سامح " ( مفعول به).
قهقه " عثمان " حتّى آلمته خاصرته ، وقال:
- لأوّل مرّة يهرب من المدرسة فيتعرّض للإغتصاب .. وتابع قهقهته .
صرخ " عمر " بانزعاج :
- أنتم حقراء .. أولاد كلب ، تضحكون بينما لا نعرف ماذا جرى " لسامح " .
تخيّلت " جمعة زقّان " صاحب الرأس الكبيرة ، والأنف الممطوط ، وهو يشمّر " كلابيته " وينزّل " شرواله " واضعاً سكينه فوق عنق " سامح " ، بينما يحاول أفراد العصابة جاهدين تثبيت " سامح " .
- أنا ذاهب لإبلاغ " عمّي قدّور " .
قال " عمر " وهو يتبوّل من الرّعبة :
- اذهب بعجلة .. أمّا نحن فسنبقى هنا لنراقب الوضع ، فربما يأخذوا " سامحاً " إلى مكان آخر .
رميت حقيبة " سامح " من خلف ظهري وانطلقت كالصاروخ ، منحدراً من قمة الجبل نحو البلدة .
في غمرة هذه الأحداث ، وهذا الانفعال، كانت تداهمني موجات من الفرح ، فأنا لا أحبّ " سامحاً " منذ وعيت الدّنيا بسبب امتيازه عنّي بدخوله المدرسة .
غير أنني سرعان ما كظمت فرحي هذا، وعاودتني حالة الخوف والقلق ، " فسامح " ابن عمّي قبل أيّ شيء آخر ، وقد هرب من المدرسة لأوّل مرّة لارضائي بعد أن هدّدته بالزّعل فوافق . ثمّ ماذا سيكون موقفي من أبي وعمّي " قدّور " إن أعترف " سامح " بأنّي سبب هروبه من المدرسة ؟ .
في الطّريق ، بينما كنت أركض بين الأزقة ، وعند المنعطف تماماً ، برز والدي " بشرواله " وسترته " الكاكية " المعهودة ، توقفت في مكاني ، تجمّدت أمام نظرته الصّارمة .
- هارب من الشّغل " يابندوق " ؟!.
حافظت على صمتي المبدّد بلهاثي ، ماذا أقول ؟..هل أخبره بما يحدث " لسامح" ، لم أكن أتوقّع رؤيته ، فلم أرتّب كذبة في ذهني تنطلي عليه .. وتأكّدت أنّه ترك عمله ليبحث عنّي .
- عاقل باابن " القحبة " ، تتظاهر بالمسكنة ، والله لأريك نجوم الظّهر .
وهوت كفّه، ثقيلة خشنة ، صفعتني بقوة، تطاير الشّرر من عينيّ ، ترنّحت ، سقطت ، ركلني ، جاءت ركلته على خاصرتي
،طارت فردة " الصّرماية " الحمراء من قدمه ، نهضتُ ، فقذفني بها على رأسي .
- آخ يا " يوب " التّوبة . وحق المصحف ماعدت أهرب .
- امشِ إلى الدّار ياابن " الجحشة " بدّي ألعن أبوك على أبو أمك .
سبقته بعدّة خطوات ، خائفاً من ضربة مفاجئة ، ولهذا كنت ألتفت خلفي لأتأكّد من بعد المسافة عنه ، بينما أتنشّق مخاطي المختلط بالدّم المتدفق من أنفي .
سبقني صراخي إلى الدّار ، ففتحت أختي" مريم " الباب ، واستقبلتني أمي بوجهها الشّاحب ، وعينيها الفزعتين ، فتعالى بكائي ، وتضاعف تأوّهي :
- ياأمّي ... خاصرتي .
وقفت أمّي حائلاً بيني وبين أبي ، وقالت تسأله :
- خير إن شاء الله .. ماذا فعل " رضوان " حتى تعاقبه ؟.
وأتاها صوته ليرعب " مريم " وتنكمش على نفسها :
- ابن " الصّرماية " هرب من الشّغل .
قال ذلك وهو بالكاد يلتقط أنفاسه.
- يلعن " أبو الشغل " ستقتل الصبي ، الولد لا يحبّ صنعة العمارة .
صرخ أبي وقد زاده غضباً كلام أمي :
- كلامك هذا يشجّعه على الهرب ، عليَّ الحرام والطلاق بالثلاثة سأشتري له قيداً وجنزيراً .
توقفتُ عن البكاء برهة ، مددتُ رأسي من وراء أمي ، وقلت :
- أنا لا أريد أن أشتغل في العمارة، أرسلوني لعند الخياط فلا أهرب .
هجم نحوي ، صوّب ركلة إلى مؤخرتي :
- عليّ الكفر لن أتركك تشتغل إلّا في العمارة ياكلب ، هذه صنعتي وصنعة جدّك، وستعمل بها .
ثمّ تابع قوله الصّارخ :
- تحرّك أمامي ألى الورشة .
صاحت أمي :
- ألا ترى دمه .. أتركه ليوم غد .
عدّل أبي " جمدانته " فوق رأسه وقال :
- أنا ذاهب للشغل ، وعندما أرجع سيكون لي معك الحساب .
سحبتني أمي من يدي ، أدخلتني الغرفة الشّمالية ، أخذت تمسح دموعي ومخاطي الدّامي .. وهي تقول:
- ألم أنصحكَ بعدم الهرب ؟.
صحتُ بصوتٍ مخنوقٍ :
- أنا لا أطيق العمل في العمارة .. لماذا لم تدخلوني المدرسة مثل " سامح " ؟ .
لم أكد أذكر اسم " سامح " حتى قفزتُ من مكاني ، غير عابئ باندهاش أمي ونداءاتها هي وأختي " مريم " ، صرختُ وأنا أجتاز عتبة الدّار :
- يجب أن أبلّغ عمّي " قدّور " لينقذ ابنه " سامح " .. لقد تأخرت .. لقد تأخرت .
مصطفى الحاج حسين .
حلب
Peut être une image de 1 personne et lunettes

عدالة الأرض مشلولة ***بقلم الشاعر علي مباركي

 عدالة الأرض مشلولة ***بقلم علي مباركي

أفي كل يوم تباغتني الدنيا بظلم جديد
لم البغي والإصر فأيامي غللت بالحديد
على أنفاسي صبت سلسبيلا من صديد
حميما غساقا غرب وجودي بعنف شديد
نبى بي دهري فارتطمت بحصن عنيد
ومني شللت أغصاني فشقت من بعيد
رجوت العدل انصافا فاضناني بالمزيد
أذاق مني الروح ازعاجا والضير الفريد
وشق القلب في هوان بأكباد لا تفيد
أفي الأرض عدل ام الحكام قد تحيد
قضاء مشروخ وبنود ذات بأس عتيد
صفا للقهر والغفران للشخص الشريد
وذل النفس صار بالذات غير سعيد
علي مباركي
تونس في 01 أكتوبر 2019