الجمعة، 2 يناير 2026

وأنا ألج سنة مترعة بالغيب ( 2026)..هذا عزائي في المصاب الجلل..!*. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 وأنا ألج سنة مترعة بالغيب ( 2026)..هذا عزائي في المصاب الجلل..!*

"إذا أردتَ ألا تخشى الموت،فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه" (snénèque)


-لست أنا الذي يبكي..بل القلب وقد انخرط في نشيج أليم.. 


أنا متعَب كزيتونة أحرقها الصقيع..كزهرة لوز تناستها الفصول..كيتيم يسير حافيا على ثلج الدروب..

متعَب.."والزمان ابتلاني..مجوسية قصتي..معبد النار فيها..وقلبي على عجل للرحيل.."

أسافر أحيانا عبر الغيوم الماطرة..وأرحل إلى مدن لا رفيق لي فيها ولا صديق..

وأحطّ رحالي بتلك البقاع القصيّة كطير غريب حطّ على غير سربه..

أحتاج أبي الآن كي ألعن في حضرة عينيه المفعمتين بالأســى غلمانا أكلوا من جرابي وشربوا من كأسي واستظلوا بظلي في زمن القحط والجدب..لم أبخل عليهم بشيء وعلّمتهم الرماية والغواية والشدو البهي..

واليوم تحلّقوا في كل بؤرة وحضيض لينهشوا لحمي..وحروفَ إسمي..

آه أمّي..كيف سمحت لنفسي بتسليمك إلى التراب..؟!

أمّي التي خاضت تجربة الحياة بمهارة..مازالت ظلالها ممتدة من الجغرافيا إلى ارتعاشات القلب..

مازالت هنا رابضة على عتبات الرّوح مثل رفّ جناح..وما زالت أسمع تراتيلها وصلواتها كلّما مرّت رياح الجنوب بحذوي..مازلت أرى طيفها في الأيّام الشتائية الماطرة حين السحب تترجّل على الأرض ضبابا..أستجدي عطفها أحيانا..فتتسربل بالغيم وتتوارى خلف الهضاب..أبكي قليلا ثم أقتات من مهجة الليل..وأنام..

أما أنت يا-غسان-يا مهجة الروح:

اقتادتك-الموت-من يد روحك إلى فردوس الطمأنينة،بل ربما إلى النقيض..ولكن الأبناء البررة يولدون مصادفة في الزّمن الخطإ،ويرحلون كومضة في الفجر،كنقطة دم،ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر..

إبني ومهجة روحي:

منذ رحيلك وأنا أحاول مجاهدا تطويع اللغة،ووضعها في سياقها الموازي للصدمة..للحدث الجلل..إننّي مواجه بهذا الإستعصاء،بهذا الشلل الداخلي لقول الكلمات الموازية،أو المقاربة لرحيل القمر والدخول في المحاق..

ولكن الدّمع ينهمر نزيفا كلّما لاح لي وجهك من شقوق المرايا..

ماذا تعني كلمات أو مفردات:منكوب أو مفجوع أو مدمّى أو منكسر؟

لا شيء..سوى الفراغ الذي كنت تملأه فيما مضى.يتسع بك ويضاء بالبهاء الإنساني والغنى الروحي الحزين جراء فساد العالم وخرابه..

الآن بعد رحيلك-القَدَري-أعيد النظر في مفاهيم كثيرة،ربما كانت بالأمس قناعات راسخة،الآن تبدو لي الحياة بكل مباهجها كأنّها مهزلة وجودية مفرغة من أي معنى سوى الألم والدموع..

وأسأل نفسي :

هل كان الحمام الجنوبي يعبّر بهديله عن رغبته في اختطافك إلى الفضاءات النقية لتكون واحدا من-قبيلته-بعيدا عن الأرض الموبوءة بالإنسان الذي تحوّل إلى وحش ينتشي بنهش الجثث،قاتل للحمام والبشر،معيدا سيرة أجداده القدامى منذ قابيل وهابيل حتى الآن..؟ !

غسان:

الزّمان الغض،المضاء بشموس النصر والتحدي.الزمان المفعم بإشراقات القصيد،ما قبل إدراك الخديعة،بغتة الصدمة ولسعة القدر..

-تطاوين-الجاثمة على التخوم الفاصلة بين البسمة والدمعة ترثيك.فرحة هي النوارس بمغادرتك عالم البشر إلى الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..

أنت الآن في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق،والتردّي إلى مسوخية ما قبل الحيوان.

نائم هناك على التخوم الأبدية،وروحك تعلو في الضياء الأثيري،طائرا أو سمكة أو سحابة أو لحنا في موسيقى.لقد غادرت المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض.

في الزمان الحُلمي،كما في رؤيا سريالية،سأحملك على محفة من الريحان،بعد تطهيرك بمياه الوديان،من مصبات الأنهار والمنحدرات الصخرية بإتجاه البحر..سيسألني العابرون :إلى أين؟

في السماء نجمة أهتدي بها.أعرفها.تشير دوما إلى الجنوب.أنت أشرت إليها ذات غسق وهي الآن فوق-مقبرة تطاوين المدينة-تضيئ القبور بلمعانها المميز عن بقية الكواكب.وهي تشير كذلك إلى المرقد والمغيب فوق أفق البحر في أواخر المساءات.أحملك نحوها لتغطيك وتحميك بنورها الأسطوري لتدخل في ذرّاتها وخلودها الضوئي..

قبل هذا الإحتفال الأخير سأطوف بك حول-شارع طارق بن زياد-الذي أحببته،حيث يرثيك أبناء حيك ومجاييلك من الفتيان أمثالك..بدمع حارق يحزّ شغاف القلب..

يسألني العابرون أو أسأل نفسي:هل محاولة إستعادة نبض الحياة الماضية يخفّف من وطأة صدمة الموت؟..لا أعرف شيئا..!

حين يأتي المساء الرّباني سنلتئم تحت خيمة عربية مفعمة بعطر الجنوب.نشعل النيران في فجوات الصخور اتقاء للرّيح،ونبدأ الإحتفال في لحظة بزوغ القمر فوق تطاوين..

أما أنتم-يا شباب الحي الذي عاش فيه رفيق دربكم-:إذا رأيتم-غسان-مسجى فوق سرير الغمام فلا توقظوه،إسألوا الصاعقة التي شقّت الصخرة إلى نصفين لا يلتحمان.

إذا رأيتم-غصنا-متبرعما في الصمت الأبدي،فلا تعكرّوا لمعانه بالكلمات.

اسكبوا دمعة سخيّة على جبينه الوضّاء،دمعة في لون اللؤلؤ،واكتموا الصرخة المدوية كالرعد في كهوف الرّوح..

وأخيرا إذا رأيتم والده المغنّي الجوّال حاملا قيثارته،افسحوا له مجالا في الدروب لينشد أغنية الوداع للنجم الآفل..

عندما تبهت الأيّام،وتنطفئ في عين النّهار إبتسامة حاولت كثيرا أن أغذيها بدمي،يتعالى صراخ من هنا،أو نحيب من هناك،وتتوالد حول الأحداق أحزان كثيرة وعابثة الشعور،تذكّر أنّ الإنتهاء قد اقترن بكل شيء.

في عمق اللجة-مات إبني-بكل حتمية..مات وهو يتوسّد أحلامه وآمانيه..

لقد تجرّأ الموت وسأل -إبني-لماذا يعيش..؟! ولا بدّ أن يكون المرء سخيفا ليسأل الموت عن علاقته بإبني.غير أنّي صرت سخيفا لحظة من زمن..

وفي تلك اللحظة عندما نظرت إليه يستلقي في استقرارة أبدية بلا عيون،سألت لماذا تنكسر البراعم قبل أن تزهر..ولماذا تولَد مصادفة في الزّمن الخطأ،وترحل دون وداع..يترك القلب أعمى.. ؟!

وأدركت أنّ السؤال قدريّ..وأدركت أيضا أنّ الدموع لا تمسح تراب الأسى..إلا أنّ الألحان العذبة التي عزفها لي إبني عبر رحلة شبابية لم تكتمل،ستظل تحلّق في الأقاصي ويتغنى بها القادمون في موكب الآتي الجليل..

.. وهذا عزائي في المصاب الجلل..


محمد المحسن


*هذه اللوحة النثرية المنبجسة من خلف شغاف القلب..مهداة إلى روح إبني ذاك البرعم الغض الذي استقر به المقام في عمق اللجة ذات زمن مفروش بالرحيل..بعد أن استرددت برحيلة حقي في البكاء..!



الخميس، 1 يناير 2026

الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير تتغنى بلغة الضاد..بإعتارها تاج العرب..وعنوان كرامتهم. متابعة الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير تتغنى بلغة الضاد..بإعتارها تاج العرب..وعنوان كرامتهم.

اللغة العربية،هي لغة الضاد،ولغة المعاني والمفردات الثرية،وهي التي تغنى بكلماتها شعراء العالم واستلهم منها الأدباء رواياتهم وكتبهم.

وتحتلُ اللغة العربية مكانةً مرموقة بينَ لغات العالم،فهي لغة القرآن الكريم ولغةُ أهل الجنة.

لغة الضاد فيها من السحر والبيان ما لا يوجد في أي لغةٍ أخرى،وهي من أكثر اللغات انتشارًا في العالم،ويتحدث بها عدد كبير من الناس في مختلف بقاع العالم وليس في الوطن العربي فقط.

وتعتبر اللغة العربية من أكثر اللغات غزارة من حيث المادة اللغوية،كما أنها من اللغات الحية التي تضم مفرداتٍ كثيرة ومترادفاتٍ لا يوجد مثلُها في لغةٍ أخرى.

وتغنى الشعراء بحبهم للغة الضاد وقالوا فيها من الكلام أجمله،إذ كتب الشاعر حافظ إبراهيم قصيدة “اللغة العربية”،ومن أشهر أبياتها: “أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي”.

كما قال فيها الشاعر حمد بن خليفة أبو شهاب: “لغة القرآن يا شمس الهدى..صانك الرحمن من كيد العدى”.

وفي حب العربية نظم الشاعر صباح الحكيم قصيدة لغة الضاد قائلا: “أنا لا أكتبُ حتى أشتهرْ..ولا أكتبُ كي أرقى القمرْ..أنا لا أكتب إلا لغة في فؤادي سكنت منذ الصغرْ”.

فيما تغزل من خلالها المتنبي بمحبوته العربية بقصيدة لغة الأجداد قائلا: “لغة الأجداد هذي رفع الله لواها..فأعيدوا يا بنيها نهضة تحيي رجاها”.

وفي عشق اللغة العربية،قال الشاعر عبدالرحيم الصغير: “طلعتْ..فالمَولِدُ مجهولُ..لغة ٌ في الظُلمةِ.. قِنديلُ” وذلك بقصيدته “اللغة العربية”،كما نحت الشاعر وديع عقيل أبياتا دفاعا عن العربية بقصيدة “لا تقل عن لغتي”.

وفي سحرها المذهل ووهجها الخلاّب (اللغة العربية) نسجت الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير خيوط قصيدتها الرائعة الموسومة ب”لغة الضاد..” حيث قالت :


قُلْ لا إِلَهَ سِواهو  وازْدَهي فرَحاً

ضادُ العُروبةِ والإسلامِ ……نيشانُ!


هذي هِيَ الضّادُ فَلْنَسْمو بِها شَرَفاً

كُلُّ اللُّغاتِ لِجِذْرِ الضّادِ …سيقانُ 


فَهْيَ الرّئيسةُ ،كُلٌّ  مِنْهَا مُنْبِثِقٌ

 (أُمُّ اللُّغاتِ)وَفيهاالشّرْقُ…..يزْدانُ


(يُمْنَى)لِمُخٍّ مَقَرّاً فيهِ قَدْ أخذتْ

 باقي اللُّغاتِ(بِيُسْرى)المُخِّ  سُكَّان!


ضادُ الْكِتَابِ تَحَدّى فيهَا عالَمَنا

ربُّ العِبادِ فَسادَ الكَوْنَ ……..قُرآنُ!        


َفأْخُذْبها كَرَماً مِنْ سِنِّ ناشِئةٍ ،     بحْرٌ غزيرٌ بِهِ  دُرٌّ …………..وَمَرجانُ 


إنطِقْ بِها، عِزَّها دَوْماً  ؛  لِتُكرِمَها   

فيها تُسامُ وفيها ….الحِذْقُ ميزانُ! 


ضادُ الكتابِ بِقلْبِ العُرْبِ،نابِضَةً

في المسلمينَ لها رُكْنٌ ….لَهَا شانُ!  


عَلِّمْ بنيكَ لُغاتِ الكَوْنِ ،لا حَرَجاً

لكِنَّ ضادَكَ ………قَبْلَ الكُلِّ،عدْنانُ 


فَهْيَ الهوِيّةُ بعْدَ الدّينِ ، مَفْخَرَةً

  وَهْيَ الكَرامَةُ،تاجُ العُرْبِ ..عُنوانُ! 


وهْيَ المليكةُ  في خِدْرٍ  تُعَزُّ  بِه

 لَيْسَتْ نشازاً،…ولا عُقْماً بِها دانوا! 


إصْعَدْ بها للِعُلا واسْعَدْ بها لُغَةً

حَقٌّ عَلَيْكَ،……فَكُنْ لِلضّادِ شَرْيانُ!


ضادُ الكتابِ وعهْدٌ مِنّا  نُعلِنُهُ:

 "نُطْقُ الجميعِ بِهَا،لِلرّأسِ تيجانُ"!


                        عزيزة بشير


تتخذ القصيدة من اللغة العربية(الضاد) موضوعا رئيسيا،وهي قصيدة افتخارية تمجد اللغة وتتغنى بمكانتها باعتبارها لغة الهوية والانتماء فهي "الهوية بعد الدين" و"تاج العرب" وعنوان كرامتهم.وهي أيضا  لغة الدين الإسلامي..لغة القرآن الكريم الذي تحدى به الله العالم ("ضاد الكتاب تحدى... رب العباد")،لغة الأصالة والجذور، فهي "أم اللغات" وأصلها،بينما اللغات الأخرى فروع ("سيقان")،لغة العقل والعلم،فهي "يمنى المخ" مقارنة باللغات الأخرى التي هي "يسرى المخ" ولغة الجمال والثراء،فهي "بحر غزير به در ومرجان".

كتبت القصيدة على البحر الخفيف (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن)،وهو بحر مرن يعطي إحساسا بالانسيابية والرقة،لكنه قادر أيضا على حمل المعاني القوية والخطابية،مما يتناسب مع طبيعة القصيدة بين الغزل اللغوي والخطاب الحماسي.هذا،ونلاحظ التصريع في أول بيتين (فرحاً/نيشان-شرفاً/سيقان) لشد انتباه المتلقي والتأكيد على الفكرة الأساسية.كما إعتمدت الشاعرة ( الأستاذة عزيزة بشير ) أسلوب النداء والخطاب المباشر ("قل"، "فأخذ"، "أنطق"، "علم") مما يعطي القصيدة صفة الإلقاء الحماسي والتوجيهي،وكأنها خطبة أو رسالة توعوية.واستخدمت ببراعة الجمل الاسمية الكثيرة ("هي الضاد"، "هي الرئيسة"، "هي الهوية") لإضفاء الثبات والديمومة على صفات اللغة العربية.دون أن ننسى التكرار الذي يظهر في كلمة "الضاد" و"الكتاب" و"اللغات" لترسيخ الفكرة المركزية.

تعبر القصيدة عن رؤية تراثية متأصلة ترفع من شأن اللغة العربية وتجعلها مركز الوجود الثقافي والديني للأمة.إنها رؤية تضع اللغة في مرتبة مقدسة لا تنفصل عن الدين والهوية.كما تحمل دعوة صريحة وملحة للحفاظ على اللغة وتعليمها للأبناء ("علم بنيك لغات الكون..لكن ضادك قبل الكل عدنان"، "فأخذ بها كرماً من سن ناشئة").

إنها ( في تقديري) قصيدة قوية المبنى،واضحة المعنى،تحمل شحنة عاطفية ووطنية ودينية كبيرة.وقد استطاعت الشاعرة توظيف التراث البلاغي بشكل فاعل لخدمة فكرة العروبة والإسلام واللغة.ربما يمكن القول إن الصور الجزئية متناثرة بعض الشيء وليست مترابطة في مشهد كلي واحد،لكن الفكرة المركزية الموحدة هي التي تضفي تماسكا على القصيدة.أما اللغة فهي سلسة ومعجمها بين التراثي والمعاصر،مما يجعلها مفهومة وقادرة على الإقناع.

خلاصة القول: قصيدة" لغة الضاد" للشاعرة الأستاذة عزيزة بشير قصيدة مناسباتية فخارية، نجحت في تحويل اللغة من موضوع خطابي إلى موضوع شعري مشحون بالصور والعاطفة،محققة هدفين: تمجيد اللغة العربية،وحث الأمة على الاعتزاز بها والذود عنها.وهي نموذج للشعر الذي يلتزم بقضية ويدافع عنها بأدوات فنية لائقة.

وأجمل ما أختمُ به-قراءتي-قول أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932) عن جمال اللغة العربية:

إنَّ الذي ملأ اللُّغاتَ محاسِنًا

جعل الجمال وسرِّه في الضّادِ

قد يقول قائل أنني بالغت..ولكنّني أدركُ تمامًا أيّ سحرٍ أتكلم عنه.

على سبيل الخاتمة :

أصبحت اللغة العربية عبر التاريخ هي من أعظم لغات العالم،والتي تمتلك العديد من الخصائص والمميزات التي أبقتها حية وصامدة ولم تتغير حروفها أو شكلها لأكثر من 15 قرنا من الزمان، لتصبح في وقتنا هذا اللغة الرابعة على مستوى العالم وينطق بها أكثر من 422 مليون شخص،وقد أحب الشعراء العرب بالتغني بلغتهم،وأبدعوا في الدفاع عنها وبجمالها وثرائها وقوتها اللغوية التي تحمل معاني هامة وجميلة إذ قاموا بتقديم أبيات شعرية نالت الأفضل،وارتقت إلى مرتبة الإشعاع والإبداع،على غرار قصيدة شاعرتنا الفذة الأستاذة عزيزة بشير.


متابعة محمد المحسن



أحبك في مطلع..كل عام جديد بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 أحبك في مطلع..كل عام جديد

يظن البعض أن سماع كلمة أحبك..هي أجمل ما في الحياة..ولكن الأجمل من هذا..أن ترى تلك الكلمة في عيون من تحب..لأن العيون لا تكذب..بينما اللسان يمكنه المخاتلة و الكذب..


-أعدّي لِيَ الأرضَ كي أستريحَ..فإني أحُّبّك حتى التَعَبْ (محمود درويش)


أريد أن أحبك هنا في بيت كجسدك مرسوم على طراز أندلسيّ .أن أُسكن حبك بيتاً يشبهك في  تعاريج أنوثتك العربية،بيتاً تختفي وراء أقواسه واستداراته ذاكرتي الأولى.تظلل حديقته شجرة ليمون كتلك التي كان يزرعها العرب في حدائق بيوتهم في الأندلس."


(1)


بين جرحَين كنّا معا في التشظــــي..

كنّا..

وإذ نال الحزن من أضلعي،فلبثت

وأنتِ تضوّع عطرك 

    بين الثنـــايـــــــــا..

وظللت وحيدا..

ومنهمرا في الفصــول.

في ليل مدينتي حيث لا شيء يشبهني

      غير نجمة أراها تضيئ وتخبــو

أراني أرنو إليها..

علّها تفتح لي دربا إليــــــــــــكِ

فما زلت أخشى عليكِ من شائك الضــــــــــوء..

ومازلت..

         أحيل أيّامي إلى نرجس اعتراه الأفول..

(2)

مرّ عطر مسرّاتنا..

                ومرير هو الوقــت

لكنّ طيفك أدخلني 

في ضياء الثمار

      وقد فتح الوجد أبوابه للرؤى

ولاح نجم يضيئ على عاتق الليل

فظللت أنتظر..

             ثقيل هو الإنتـــــظار..

طائر الصحو لا يحتفي بضيائي

يطارد ضوئي..

                    يوغل في المدى..

ثمّ يحطّ على وجع بأصل الرّو ح

             فتلمّ الحدائق أورادها..

ويذبل ورد النهار..

(3)

مـــــــذ تخيّلتكِ..

وأنت تعبرين بساط الخزامى..

            تلجين فلوات الرّوح

 في مُترف الثوب..

وتمدّين أصابعك

        في خيوط الحرير المذهّب..

لكِ هذا الحمام-الجنوبيّ-

علّمته الهديلَ..

                  في زمن للبكاء

وعلّمتكِ كيف يرشح من الحلم 

عشق وماء..

صرخت بملء الرّوح 

علّ يجيء طيفُك

-فأنا أولم الليل نذرا..وألبس أبهى ثيابي-

          ولكنّي وجدتكِ في برزخ الوجع..

بين البكاء..

وبين الغناء

ومن معجزات الزمان..

        يتجانس فيكِ الثرى والفضاء..

(4)

   آن للوجع العتيق أن يتفادى دروبي

       ويعود بي الزّمن إلى حقل صباي

يوم كان اليمام ينام بحضني.. 

                    وبقربي تدنو القطوف

وأراك كما كنت 

          أرسمكِ على دفتري المدرسي..

يتهودج طيفُكِ 

                         في ثوب شفوف..

وأراكِ ثانية..

       وقد لا مس عطرُك نرجسَ الرّوح..

ثم..ألتقيكِ وقد نضج النهد قبل الأوان..

(5)

..كانت لي أمنية..

                     أن أراكِ كما كنتُ..

قبل البكاء

أن لا أرى،في شهقة الرّيح،عاصفتي

لا أرى في دفتر عمري

ما كنت خبّأته من شجن ومواجع..

..سلاما على ما تبقّى

..سلاما -على تعتعة الخمر-

..سلاما على أمّي التي أحنو

      على طيفها ما استطعت

..سلاما على كلّ الرّمال التي احتضنت حيرتي

..سلاما على غيمة ترتحل

            عبر ثنايا المدى..

ها هنا..

أرتّق الموج،وقد أبحرت روحي

دون أشرعة

ترى..

هل أقول للزبد إذا ساح إليّ :

دَعني "أقرأ روح العواصف"

                    فأنتَ لست في حاجة للبكاء

دَعيني أطرّز عمري

وشاحا للتي سوف تأتي

           عل ّ يجيء الموج بما وعدته الرؤى

فليس سوى غامضات البحار،تقرأ الغيـــــم

وتنبئ بما خبّأته المقاديـر

                 وفاض منـــــه الإنـــــــــــاء..


محمد المحسن


*صورة الحسناء..تعبيرية فقط.



تحية خاصة إلى أسرة أدبية رائدة ( مؤسسة الوجدان الثقافية): كل عام وأنتم إبداع بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 تحية خاصة إلى أسرة أدبية رائدة ( مؤسسة الوجدان الثقافية): كل عام وأنتم إبداع

بمناسبة بداية العام الإدارى الجديد 2026،تتجه القلوب والعقول بالتحية والتقدير إلى منصة أدبية استثنائية ( مؤسسة الوجدان الثقافية) استطاعت أن تحوّل الحرف والكلمة إلى فضاء إنساني مشترك،وإلى مؤسسها الذي حول الرؤية إلى واقع ملموس( الشاعر والكاتب الفذ د-طاهر مشي)

لكل منصة إبداعية روح،وروح منصتكم الأدبية الفريدة تنبض بتناغم نادر بين مختلف الأصوات والأقلام.لقد نجحتم-بجدارة-في تحويل الفضاء الرقمي إلى صالون أدبي حقيقي،يجمع ولا يفرق، يثري ولا يستنزف،يبني ولا يهدم.

ما يميز مسيرتكم عدة عناصر جعلت من هذه البوابة الأدبية وجهة لكل طالب جمال ومحب لكلمة:ثراء المحتوى وتنوعه: فمن القصة القصيرة إلى الرواية،من النقد المتعمق إلى الخاطرة العابرة،من الشعر العمودي إلى النثر الحر..كل أشكال التعبير تجد مكانها تحت مظلتكم الواسعة.

 لقد أصبحت هذه المنصة الرائدة ملتقى للأجيال، حيث يلتقي الأصيل بالجديد،والخبير بالموهوب، في حوار إبداعي مجلجل ينفع جميع الأطراف،ويؤسس لخطاب أدبي إبداعي يتسم بالبها،والعطاء والجمال..

و بعيدًا عن المجاملات الفارغة أو الهدم غير المبرر،يقدم نقادكم رؤى عميقة تثري النص وتطور قدرات أصحابه وترتقي بالكلمة الإبداعية إلى منصة الإحتفاء والتقدير.

لقد تحولت هذه المؤسسة الثقافية الواعدة إلى أسرة أدبية حقيقية،يرعى كبارها صغارها،ويقدم الجميع الدعم المعنوي والمهني لبعضهم.

تحية خاصة لمؤسس هذه المسيرة ( د-طاهر مشي) الذي آمن بأن الأدب ليس ترفا بل ضرورة، وأن الكلمة ليست حروفاً بل رسالة.شكرا لكل ساعة بذلتها،لكل فكرة طموحة،لكل حلم حوّلته إلى واقع.قيادتك الحكيمة وتحليك بروح الفريق جعلت من هذا الصرح الأدبي المتميز نموذجا يُحتذى به.

وبمناسبة عام 2026 الإداري الجديد،نتمنى لكم من القلب،استمرارية العطاء واتساع الرقعة التأثيرية،المزيد من الشراكات الإبداعية البناءة،

تطوير مبادرات تلامس احتياجات المبدعين في عالم متغير،الحفاظ على الروح الأسرية التي تميزكم ووصول أصواتكم إلى كل محب للأدب والجمال والتجلي..

كل عام وأنتم تقودون ركاب الإبداع إلى آفاق أرحب،وكل عام وأنتم تثبتون أن الأدب العربي بخير طالما هناك منصات جادة ومخلصون يحملون همّه.

إلى الأمام دائماً..نحو آفاق إبداعية أكثر رحابة وإنسانية في عام 2026 وما بعده.

مخلصون لكم،ومتابعون لمسيرتكم،ومتطلعون لمستقبل أكثر إشراقاً معكم.


متابعة محمد المحسن



الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

يـا شَــعْــبَ غَــزَّةَ بقلم الــشــاعـــرة/ نــســريـن بــدر مـصــر

 يـا شَــعْــبَ غَــزَّةَ

 ************* الـبــسـيــط

يــا غَـيْمَةً بـرَقَتْ فَـلْتَهْدَئِي واخْـشَعِي

الـجُرْحُ أعْـمَقُ مِـنْ عَيْنٍ سَقَتْ أدْمُعِي


فَـــغَــزَّةُ امْــتَــلأتْ بــالـمـاءِ مُــتْـرَعَـةً

تَـسْـري كـجُـنْـدٍ فَــلا تَبْكِي ولا تَـدَّعِـي


فـالـماءُ جــاءَ يُـغَطِّي الأرْضَ مُـقْتَحِماً

لا يَـفْقَهُ الـنَّفْسَ أو يـخْشَى مِـنَ الفُزَّعِ


خِـيـامُـها غَــرِقَـتْ بـالـقـاعِ وانْـزَلَـقَـتْ

كـأنَّـهُـمْ يَـصْـطَـلُونَ الــنَّـارَ بِـالـمَضْجَعِ


أجْـسـادُهُـمْ تَـلْـتَـوِي والـلَّـيْـلُ مُـنْـهَزِمٌ

والــبَـرْدُ يَـفْـتَرِسُ الأطْـفَـالَ كـالـمَدْفَعِ


طِــفْـلٌ يُـقَـلَّـبُ فِــي طِـيـنٍ فَيُـسْـقِمُهُ

والــجُـوعُ قـاتِـلُـهُ والـمَـوْتُ بِـالـمَسْمَعِ


أمٌّ تُــنـادي الـسَّـمـا والــدَّمْـعُ يُـرْهِـقُـها

الـصَّوتُ يـخْنُقُهُمْ والـخَوْفُ لَـمْ يَرْجِعِ


الـقَـهْـرُ كَــمْ يَـبْـتَلِي والـكَـوْنُ مُـنْـقَسِمٌ

الـنَّـاسُ فِــي رَهْـبَـةٍ أحْـوالُـهُمْ لا تَـعِي


يا أمَّـةَ الـعُرْبِ هل تنسَوْنَ مَنْ وهَـنُوا

مَـنْ لِلرَّجا دُونَكُمْ والجُرْحُ فِي الأضْلُعِ


لـيْـسَتْ بِـغَزَّةَ سَـقْطٌ فِـي الـخَرابِ وَلا

حُــطَـامُ رُوحٍ ولــكِـنْ وقْــفَـةُ الأشْـجَعِ


عَــرى الـزَّمـانُ إِذا مــاالـجَــوْرُ ألـبَـسَـهُ

ثـوْبَ الـحَضارَةِ زُوراً فَــوْقَ ذِي ألْـمَــعِ


فَــإِنْ هَــوَتْ خَـيْـمَةٌ فـالرُّوحُ شـامِخَةٌ

والــقَـهْـرُ يَـكْـسِـرُ لِـلْأعْـمـاقِ بِـــالأذْرُعِ


مِـنْ تَـحْتِ مـاءِ الأسَـى نُصْغِي لأدعِيَةٍ

فتُرْبِكُ الرَّعْدَ تُحْيِي الرُّوحَ فِي المَوْقِعِ


يـــا مَـــنْ تُـفـاخِـرُ بِـالأنْـسـابِ مُـدَّعِـيـاً

فــأيْـنَ أنْــتُـمْ فــإِنَّ الـمَـوْتَ بـالـمَهْـجَعِ


الـصَّـمْتُ جُــرْمٌ ومَــنْ يَـرْضَ بِـهِ خـائِنٌ

والـعـارُ يَـلحَقُ مَـنْ يَـهْوَى ومَـنْ يَـمْـنَـعِ


يـا شَـعْبَ غَـزَّةَ قُـلْ مـا عُـذْرُ صَـمْـتِـكُمُ

فـالمَـوْتُ يَـكْتُبُ بـالأسْـماءِ مَـنْ يُـصْرَعِ


هَــلْ أغْـلَـقَ الـنَّـوْمُ أسْــمـاعـاً بِـلا رَشَـدٍ

أمْ تَـنْـطَوي صَـرْخَـةٌ لِـلْطِـفْـلِ لَـمْ تَـرْدَعِ


فـالـشَّجْبُ مُـشْـتَرَكٌ والـقَتْلُ عَـنْ عَـمَـدٍ

والــحُـرُّ لا يَـتْــرُكُ الـمَـذْبُـوحَ بـالأوْجُـعِ


الـقُـدْسُ تَـشْـهَـدُ أنَّ الـجُـرْحَ إِذْ نَـطَـقَتْ

أسْــرارُها قَـدْ هَــوَى بالـجِـذْرِ والأفْــرُعِ


الــشــاعـــرة/ نــســريـن بــدر مـصــر



.إن شاء الله زينا كلمات الشاعرة الفنانة ليلى_السليطي

 .إن شاء الله زينا

....

آخر ساعات العام

آخر ساعات حزينة

في رجايا يا ليّـام

يارب إن شاء الله زينا…

فجر الأمل اينادي

عالق بخيوط الشمس

عصفوري هايم شادي

في بالو الليله عرس

فرح السما بالقمرا

لورد اللي عانق شجرا

ونجمات تضوي علينا

يارب إن شاء الله زينا…


ليل الهوى ما يقصّر

جاب الأغاني معاه

نغمة هوانا تحيـّر

كالدمعة ما تخطاه

اللي مشى وما ودع

خلي نجومه تسطع

والغالي يطل علينا

يارب إن شاء الله زينا…


شاهد علينا اشهيد

من فوق سابع طاق

واش ينفع التنهيد

الي صبر مـا طاق

ريحة نسايم جنـه

كفوف الغلا بالحنه

بلادي يا أم حنينـا

يارب إن شاء الله زينا....🌿


ليلى_السليطي



سكنة دائمة في ليلة ❄︎باردة ❄︎ بقلم الكاتبة ناديا الحسيني

 سكنة دائمة في ليلة  ❄︎باردة ❄︎


قبل أن أكون مدينةً لك

سأكون لك وطنًا،

وطنًا لا يختبرك،

ولا يطالبك بإثبات الإنتماء،

يحتويك كما أنت،

بتعبك، بصمتك، وبكل ما أخفيته طويلاً

سأكون المكان

الذي إذا وصلتَ إليه

شعرتَ أنك تأخرت كثيراً،

لا لأن الطريق كان طويلاً،

بل لأنك كنت تستحق هذا الأمان منذ البداية

سأكون مدينةً

تسكن فيها سكنةً دائمة،

لا تعود تفكر في مغادرتها

ولا تضع الإحتمالات

على بابها

مدينة

لا تُغلق نوافذها في وجهك

ولا تُطفئ أنوارها

حين تتعب

لأنك حتماً ستجد فيها

ما كنت تتوق له منذ الوعي،

وما تمنيته بصمت،

وما حسبت يوماً

أنه كثير عليك

سأكون لك مدينة

الفصل الذي تحبه،

صيفاً بارداً

ينعش روحك

حين تثقل الأيام على صدرك،

ويمنحك ظلاً

لا يزول

وشتاءً بارداً

لكنه آمن،

تخلد فيه إلى نوم السبات المريح،

دون قلق،

ودون خوف من أن تستيقظ

على خسارة جديدة

سأكون ربيعاً مزهراً

دائم البسمات،

تتفتح فيه الأشياء ببطئ،

كما يجب أن تتفتح القلوب،

وطفولته لا تكبر،

ولا تتعلم القسوة.

وإن مرَ الخريف،

فلن يكون فراقاً

سيكون حنوناً

يعرف كيف يضمك بقوة،

ويجمع أوراقك المتعبة،

ويقول لك بهدوء:

لست وحدك

أنا مدينة

إذا اخترت البقاء فيها

لن تسألك لماذا،

ولن تذكرك بما مضى،

فقط ستمنحك

سبباً واحداً كافياً

لتبقى


بقلمي


ناديا الحسيني


30/12/2025



هنا تطاوين رأس السنة على مقهى الطريق: حكايات الجنوب بين كأس شاي..ودمعة..! متابعة الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 هنا تطاوين

رأس السنة على مقهى الطريق: حكايات الجنوب بين كأس شاي..ودمعة..!


الليلة تختلف عن كل الليالي في مدينتي الجاثمة على التخوم الفاصلة بين البسمة والدمعة..إني أتحدث هنا عن تطاوين الشامخة..الهواء البارد القادم من الصحراء يحمل نسمات متناقضة: رائحة الشاي بالنعناع تختلط مع صمت الليالي الطويلة، وأضواء متفرقة هنا وهناك تحاول أن تقاوم عتمة السماء المرصعة بالنجوم.

بدأت جولتي من "ساحة السوق القديم"، حيث يجتمع العابرون للزمن كما يجتمعون للدفء.كل وجه يحمل حكاية،كل عين تختزن ذاكرة.

عند المقهى الشعبي....،جلست مع الحاج محمد (65 عاماً) وهو يدير أصابعه المتعبة على مسبحته.قال بصوته الهادي الذي يحمل نبرة مفعمة بعطر الصحراء: "كل عام وأنا هنا في هذه الساحة.أتذكر عندما كان أولادي الصغار يرقصون حولي والفرح يملأ المكان.اليوم،اثنان في تونس العاصمة وواحد في الضفة الجنوبية للمتوسط (فرنسا).يرسلون تحايا عبر الفايس بوك..جميلة لكنها ليست دافئة كحضن.العام الماضي كان عام فراق،دفنت أخي وصديق عمري.ولكن الحمد لله،العائلة باقية والصحة لم تتخلى عني كلياً".

انتقلت إلى محل الحلويات حيث يقف الشاب خالد (28 عاماً) يعد صناديق الحلويات للمنازل التي ستستقبل العام الجديد.ابتسامته لا تخفي التعب: "2025 علمتني القسوة والجمال معاً. فقدت عملي في السياحة ستة أشهر،ولكن تعلمت إصلاح الأجهزة الإلكترونية وأسست مشروعي الصغير.أحياناً يخيفني المستقبل،ولكنني أنظر إلى هذه الحلويات وأقول: الحياة مثلها،تحتاج بعض الحلاوة لتستمر.الليلة سأحتفل مع أهلي ثم أتصل بحبيبتي...ربما أطلب يدها في الربيع القادم على مهل".

في الزقاق الضيق المقابل للمسجد القديم،جلست مع السيدة فاطمة (52 عاماً) على عتبة بيتها. تمسكت بغطاء رأسها وهي تحدثني عن العام: "كأم،عامي يقاس بأفراح أبنائي وحزنهم.ابنتي تخرجت من الجامعة وابني تزوج،هذه فرحة لا تنسى.لكنني أيضاً شاهدت دموع جارتي التي فقدت زوجها وصرت أشاركها الصلاة كل جمعة. رأس السنة يأتي ليذكرني بأن الأيام تمر سواء ضحكت أو بكيت.الأهم أن نحافظ على القلب الطيب".

الشاب منير (19 عاماً) يقف مع أصدقائه عند سيارة مكشوفة،يسمعون الأغاني بصوت عال. عندما سألته عن مشاعره،صمت قليلاً ثم قال: "أنا في حرب مع نفسي.أريد أن أفرح لأنني شاب وعمري أمامي،لكنني أخاف.الفرص هنا قليلة، وأحلامي كبيرة.العام الماضي كان عام خيبات في الدراسة والحب أحياناً،لكنه أيضاً عام تعرفت فيه على نفسي أكثر.الليلة نريد أن نغني كأن لا غد، لكن في الصباح سأستيقظ وأفكر: ماذا بعد؟!".

منارة الأمل جاءت من السيدة مريم (40 عاماً) التي قالت: "أدركت هذا العام أن السعادة ليست حدثاً كبيراً،بل لحظات صغيرة نجمعها.طفل في الصف تعلم القراءة،شجرة زيتون في بستاننا أثمرت رغم شح الماء،جار سأل عني عندما مرضت.الذكريات المريرة تبقى،لكني اخترت أن أضعها في جيبي لا على كتفي".

في محطة البنزين،التقي السيد الطاهر (60 عاماً) العائد من ليبيا لزيارة أهله: "كل عام وأنا في بلد مختلف.ولكن القلب هنا.هذا العام رأيت الموت يتمطى في اتجاهي،لكنني أيضاً رأيت كيف أن الغرباء يمكن أن يصيروا إخوة في الظروف الصعبة.ربما جئت لأموت في أرض أجدادي،هذه أمنيتي للعام الجديد".

عند منتصف الليل،ستجتمع عائلات قليلة في الشرفة.قد تسمع الألعاب النارية البعيدة من مدينة أخرى..ربما..،بينما هنا،الاكتفاء سيكون بصلاة جماعية وتهانٍ دافئة.دموع تختلط مع ابتسامات، ذكريات تروى،وأمنيات تهمس للرياح الحاملة لها.

في-مدينتي- الهاجعة في كهف التهميش ( تطاوين) حيث تدق الساعات بلطف،ويعرف الناس أن الحياة قاسية لكنها جميلة،سيكون رأس السنة خليطاً من كل ذلك.ليس فرحاً صاخباً ولا حزناً مطلقاً،بل اعترافاً بأن العام الماضي كان مدرسة،وأن القادم هو صفحة جديدة نكتبها بيدين مرتعشتين لكنها قادرة على حمل الأمل.

عند الفجر، بينما يكون أول ضوء يلامس الروح..ويداعب الوجدان ،سأدرك حتما،أن جمال الناس هنا ليس في قدرتهم على النسيان،بل في شجاعتهم على أن يتذكروا،وأن يستمروا رغم بعض الجراح وندوب الزمن الأخرس..


متابعة محمد المحسن



لأن فلسطين مصدر إلهامهم..فكتبوا عنها بمداد الروح..ودم القصيدة.. (جمالية الخطاب الشعري التقدمي..في قصائد نخبة من الشعراء العرب) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 لأن فلسطين مصدر إلهامهم..فكتبوا عنها بمداد الروح..ودم القصيدة..

(جمالية الخطاب الشعري التقدمي..في قصائد نخبة من الشعراء العرب)


"تقدموا،تقدموا..فقصة السلام مسرحية،والعدل مسرحية..إلى فلسطين طريقٌ واحدٌ،يمر من فوهة بندقية" (نزار قباني)


لطالما كان للشعراء في الوطن العربي دور هام في الحديث عن حقوق الشعوب الضائعة،فكانت القضية الفلسطينية مصدر إلهامهم الأول،فأصدروا لأجلها العديد من القصائد التي كانت رثائية حزينة على واقع الحال تارة،وحماسيّة تحرض المظلومين على استرجاع حقوقهم تارة أخرى.

من الشاعر "المُقاتل" عبدالرحيم محمود حتى شاعر "الأرض المحتلة" محمود درويش،مرورا بنزار قباني وإبنة جنين أ-عزيزة بشير ووصولا إلى الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي.

إليكم أبرز القصائد التي كتبها الشعراء العرب من أجل فلسطين.

-قصيدة "الشهيد" عبدالرحيم محمود

عندما اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى في عام 1936،استقال الشاعر عبدالرحيم محمود من وظيفته كمدرس لغة عربية من أجل الانضمام إلى صفوف المناضل عز الدين القسام ضد القوات البريطانية والصهيونيّة.

وخلال فترة تواجده معهم كتب محمود الذي كان يبلغ من العمر حينها 23 عاماً،واحدة من أشهر قصائده التي صوّر بها الروح الحماسية التي امتاز بها المناضلون الفلسطينيون على جبهات القتال، وأسماها "قصيدة الشهيد":

"سأحمل روحي على راحتي..وألقي بها في مهاوي الردى

فإمّا حياة تسرّ الصديق..وإمّا مماتٌ يغيظ العدى

ونفسُ الشريف لها غايتان..ورود المنايا ونيلُ المنى

وما العيشُ؟ لا عشتُ إن لم أكن..مخوف الجناب حرام الحمى

بقلبي سأرمي وجوه العداة.. فقلبي حديدٌ وناري لظى

وأحمي حياضي بحدّ الحسام..فيعلم قومي أنّي الفتى"

يذكر أنّ عبدالرحيم محمود استشهد في عام 1947 عندما انضم إلى "جيش الإنقاذ" وخاض معهم العديد من المعارك.

"أريد بندقية" نزار قباني

بعد نكسة العرب في حرب الأيام الـ6،أخد الشاعر السوري الكبير نزار قباني على نفسه عاتق الدفاع عن القضية الفلسطينية من خلال أشعاره التي طرحها من خلال منظورين مختلفين الأول: حماسي لشحذ نفوس الشباب،والثاني:رثائي لما وصل الحال بها.

ومن أشهر قصائده قصيدة "طريق واحد" التي كان لها أثر كبير في نفوس الناس حتّى إنّ كوكب الشرق أم كلثوم قامت بغنائها بعد تلحينها من قبل الموسيقار محمد عبدالوهاب.

ويقول في بعض أبياتها:

أريد بندقية..خاتم أمي بعته،من أجل بندقية

محفظتي رهنتها،من أجل بندقية

اللغة التي بها درسنا،الكتب التي بها قرأنا

قصائد الشعر التي حفظنا،ليست تساوي درهماً،أمام بندقية

أصبح عندي الآن بندقية،إلى فلسطين خذوني معكم

إلى ربىً حزينةٍ كوجه مجدلية

يا أيها الثوار..

في القدس،في الخليل،في بيسان،في الأغوار

في بيت لحمٍ،حيث كنتم أيها الأحرار

تقدموا،تقدموا..فقصة السلام مسرحية،والعدل مسرحية..إلى فلسطين طريقٌ واحدٌ،يمر من فوهة بندقية.."

-"على هذه الأرض" لمحمود درويش

ليس هناك ماقبل-الخاتمة أجمل من قصيدة لشاعر "الجرح الفلسطيني"محمود درويش،الذي يعتبر أيقونة الشعب الفلسطيني بعد أن أخذ على عاتقه مهمة نقل مأساتهم من خلال قصائده.

ولا شكّ أنّ من بين عشرات القصائد التي كتبها لوطنه،فإن لقصيدته "على هذه الأرض" مكانة خاصة عند محبيه:

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة،تردد أبريل،رائحة الخبزِ في الفجر،آراء امرأة في الرجال،كتابات أسخيليوس،أول الحب،عشب على حجرٍ،أمهاتٌ يقفن على خيط ناي،وخوف الغزاة من الذكرياتْ.على هذه الأرض ما يستحق الحياةْ: نهايةُ أيلولَ،سيدةٌ تترُكُ الأربعين بكامل مشمشها،

ساعة الشمس في السجن،

غيمٌ يُقلِّدُ سِرباً من الكائنات..

هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين..

وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ.

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ

على هذه الأرض سيدةُ الأرض،أم البدايات أم النهايات..كانت تسمى فلسطين،صارتْ تسمى فلسطين..سيدتي:أستحق،لأنك سيدتي،أستحق الحياة".

لأن لغة الشعر تتجاوز العزلة لترتمي في أحضان المشاركة،فإن الذات الشاعرة تمنح المتلقي مشاركتها بوحا يختلج النفس بعمق يؤثت لمشاهدة تصويرية آنية حينا واسترجاعية حينا آخر،ويشيد حوارا روحيا يتجلى في عالم خاص تُشخّص فيه القصيدة لتكون هي المخاطَبة الحاضرة وحوارها هو المهيمن على النص.

وهنا أضيف: تتوق لغة النص الشعرية إلى الوصف والرمز،فتزيد من قوة النص دون أن تجعله طلاسما،إذ تعبّر الذات الشاعرة بلغة المجاز بعفوية مطلقة بعيدة عن التكلف،لتمنحَ المتلقي لذة القراءة والتأويل.

لكن العديد من الكتّاب والشعراء عبّروا عن موقف آخر نقيض،ألا وهو مكابدة القصيدة والاكتواء بأوارها…فصوّروا الأحوال النفسية التي تعتري الشاعر وهو يقبل على فعل الكتابة حتى أنّ هذه الأحوال تصبح أحيانا شبيهة بالأحوال الصّوفية التي تتطلّب مكابدة ومجاهدة في سبيل بلوغ شفافية النفس والارتقاء بالرّوح حتى يبلغ الشاعر ذروة النشوة الشّعريه.وهم كثيرا ما يشتكون من ارتباكهم أمام اللغة وخضوعهم لصولتها وإفلاتها أحيانا من حضرتهم حتى تصبح مطلبا عصيّا مستحيلا.

فاللغة في هذه الحالة تتحوّل من أداة يسخّرها الشاعر ليسبر أغوار نفسه ويتصفّح بها أحوال العالم من حوله لتصبح مطلبا عزيزا،أو عقبة كأداء تحول بينه وبين التعبير عمّا يجيش بخاطره ووجدانه.

تضيق اللغة في هذه الحالة وتفلت وتميع وتصبح معادية للشاعر متأبّية عليه وسببا في محنته بعد أن كانت نعمة وأداة طيّعة يصرّفها كيف يشاء..

ولكن الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير المترعة بعشق فلسطين،المضمخة بعطر جنين والمؤمنة بالقضايا الإنسانية العادلة،ما فتئت تمارس اكراهاتها على القصيدة فتنحني-هذه الأخيرة-إليها-مكرَهة-ودون عناد،وهنا تتجلى المهارة والبراعة في مسك خيوط القصيدة ونسجها بساطا إبداعيا لا تخطئ العين جماله وحسنه الآخّاذ..

النص الشعري الذي بين أيدينا والمعنون ب"ماذا أقولُ( بِغزّةٍ ) ومَكارِمٍ-هو للشاعرة الفلسطينية المتألقة-كما أصفها دوما-الأستاذة عزيزة بشير-وهو في منتهى الروعة والإبداع،ويغري بالمزيد من القراءة،والتفكيك،ولكن سأكتفي بتقديمه للقراء عساه يداعب ذائقتهم الفنية فيرقصون على ايقاعات كلماته العذبة..إذ يعد الرقص للقارئات والقراء رمزاً حضارياً متوهجاً هذه المرة بدلالة الازدهار ومفعما بعطر فلسطين،حيث تقدم لنا الشاعرة جهداً مضاعفاً في تأصيل البناء النصي الذي عملت فيه على تنمية فضاء الشعرية.

وأشكر الشاعرة المبدعة،على هذا الجمال الأخاذ،في تقديم الشعر بصورة بديعة،وأعتذر عن التقصير بحق النص،فهو يحتاج إلى وقفة أطول وقراءة أعمق.

ماذا أقولُ( بِغزّةٍ ) ومَكارِمٍ  

هذي الرّضيعةُ بعدَ كمٍّ…. تُخرَجُ!


أنْسَتْ جميعَ المُسعِفينَ مُصابَهُمْ

كلٌّ يُقبِّلُ والتّرابُ …….…يُدَحْرَجُ


كُلٌّ يُكبِّرُ …فافرَحوا وتهلّلوا

خيْراً لِغزّةَ بالرّضيعةِ… .فَارْتَجوا


تحتَ الرُّكامِ مَضتْ تُصارِعُ هَجمَةً

كُلٌّ قضى وهيَ الوحيدَةُ… ..تُدرَجُ


  بِسِجِلّها المدنيِّ دونَ مُرافِقٍ

لا أُمَّ ، لا إخوانَ ، لا أبَ …….يُسْرِجُ


سبحانَ ربّي ! ما أرادِ بِطِفلةٍ ؟

ماذا أراد بِها لِتحْيَا …….فيُخرِجوا؟


مَن كان يُرضِعُها ؛ لِتبقى حيّةً؟

كُلُّ قضى والموْتُ عنْها ……..يُفرِجُ


أمَلاكُ مِن فوْقِ السّماءِ اختارَهُ

ربُّ السّما تحتَ الرُّكامِ،…….  يُعرِّجُ ؟


يحميها من بطشِ الصّهاينِ يعتني

حتّى تعودَ  لِغزّةٍ ……………..وَتُتَوَّجُ؟


ألعِلمُ عِندَكَ يا إلهِي تولّها

(غزّا) تُبادُ فهَل بِها لَهَا……….. مَخرَجُ؟


هذي الملاكُ  تُطالُ من تحتِ الثّرى

أوَليسَ مُعجِزَةً نراهَا ، ……….. تُدَبْلَجُ ؟


بالمُعجِزات ِبأرضِ غزّةَ  ينجَلي

فَرَجُ الإلهِ لأهلِ غزّةَ …….،……..يولِجُ!


هذي الرّضيعةُ ، غزّةٌ فاستبشِروا

بعدَ الشّدائدِ نُصرَةٌ ………….وتَخرُّجُ!


 على سبيل الخاتمة :

تفننت قريحة الشاعر التونسي القديرد-طاهر مشي في رسم قصائده الشعرية لتصير غواية البحث عن أسئلته الرابضة خلف دلالات-القصيدة-هاجسا جميلا يطارده في كل لحظة،لأنه اختار القصيدة منفى له يفر إليها من واقع مؤلم باحثا عن فوضى جديدة ولكنها أجمل من عالمه الخارجي،وألذ فراش ينام عليه ساعة الإمتزاج بالقصيدة والسفر إلى عوالم الحس الفلسفي بسريالية جميلة دون سابق إنذار.

هكذا يسافر الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي داخل ذاته ليعيش غربة أنيقة مع خلجات الذات وزخات الفكر متطلعا إلى غذ أفضل في مأمله وأمنيته،ومناديا -بصوت مشنوق-"لنحمي الأقصى..والإسلام جمعا.." 

لنحْمِي الأقصَى والإسلامَ جَمْعا!

فِلسطيني أنا قد ضِقتُ ذَرْعا

فصُهيونٌ طغى والأهلُ صرْعى

نموتُ اليومَ في حرْبٍ ضروسٍ

وصدرُنَا في الوَغى قد بات دِرْعا

نلاقي الموت لا نَنْأى بِدربٍ

ونتلو مِن كتابِ اللهِ سَبْعا( 1)

رأيتُ الأهل يمشون الهُوَيْنا

لحَتْفٍ قادَهُمْ صُهيونُ جَوْعى

أبادوا طفلَنا معهُ نِساءٌ

شيوخٌ غرَّروا فيهم..أشَرْعا؟

فلا ندري متى تأتي المنايا

ولكن في الوغى نمشيهِ طوْعا

نُضَمِّدُ جُرحَنا وَنسُلُّ سيْفاً

لِقهْرِ عدوِّنا،نُرْديهِ صَفْعا

وإن مِتْنا فأرضُ العزِّ تبقى

فِلسطيني أنا للنّصرِ أسْعى

فأرْضي مِنْ دَمي نسقي ثَراها

كغيْثٍ قد هَمى؛ لِيَكونَ زرْعا

فذرْني مَعْ بَني صُهيونَ ثأري

فقد هَدّ البِنى وأراقَ دمْعا

أعُربي،يا بني ديني فَهيّا

نُقوِّضُ عرشَ مُحتلّينَا؛رَدْعا

نُعينُ مُقاوِماً ونفُكُّ أسرى

ونحمِي الأقصَى والإسلامَ جَمْعا!

1)سبعا أي نقرأ السّبعَ المثاني أي (الفاتحة )


لا أقول إنّ الرأس تطأطأ أمام الموت من أجل الوطن،بل أنّ الرأس لتظل مرفوعة فخرا بشعب أعزل يؤمن بأنّ الشجرة إذا ما اقتلعت تفجرّت جذورها حياة جديدة،وتلك هي ملحمة الإنبعاث من رماد القهر وهي بإنتظار من يدخلها ذاكرة التاريخ عملا عظيما يشع منارة في المسيرة الظالمة التي تنشر ظلمتها قوى الشر في هذا العالم.

سلام هي فلسطين..إذ تقول وجودنا تقول وجودها الخاص حصرا..فلا هويّة لنا خارج فضائها..وهي مقامنا أنّى حللنا..وهي السّفر..


محمد المحسن



لِانتِصَارِ الزَنبَقِ الأحمر بقلم الكاتبة عائشة لنور

 *** لِانتِصَارِ الزَنبَقِ الأحمر***

قَبلَ غُرُوب الشَمس المُنهكة...

تَشتَعِلُ روحي...

      سَأغَادرُ...

أُطِيلُ خَطوَتي ويَلهَثُ ظِلّي...

وعُيُونِي تَنجرِفُ على مِياه الوقت...

أَحملُ خَاتم القصيدة في لَيْلِي العَاطفِي...

حَيثُ أَجِدُ نَفسي مُحَمَلة في الخَفاء إلي الضوء الفسيح...

يَكفِي لِإنتصار الزَنبق الأحمر ولإضاءةِ حَياتِي.

وقلبِي يُزهرُ من نفس قِماش الربيع...

          فَلا أَشيخُ أبداً...

وباب الجنَة يُصدِرُ أَزِيزًا رَائعاً...


                                            بقلمي عائشة لنور



الكلمة… حين تصير وطنا بقلم الأديبة زهراء كشان

 الكلمة… حين تصير وطنا

الكلمة هي حبر يُسكب على ورق و هي أيضا صوت عابر في ضجيج العالم هي كائن حيّ يولد من وجع الفكرة ويشب على كتف الوعي ثم يمضي ليصنع أثره في الأرواح.

نكتب لأن الصمت أحيانا خيانة ولأن الحرف هو آخر ما تبقى لنا حين تتكسّر المعاني على عتبات الواقع.

الكاتب الحقيقي لا يطارد الضوء  و يعرف أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون موهبة وأنها ميزان أخلاقي وجمالي في آن واحد فيها نُرمم ما تصدع في الذاكرة ونحفظ هوية أمة من التآكل ونمنح الإنسان حقه في أن يُرى ويُسمع.

في زمن السرعة تصبح الكتابة فعل مقاومة هادئة مقاومة التفاهة والسطحية والنسيان هي انحياز واع للعمق، للصدق، وللإنسان.

ومن هنا، لا يكون الانتماء إلى فضاء الكتاب التزاما دائما بأن تبقى الكلمة نظيفة، حرّة، وقادرة على أن تقول ما يجب قوله لا ما يُطلب منها.

سنظل نكتب…

لأن الحروف حين تصدق تصير وطنا لا يُحتل. 


بقلمي زهراء كشان



أوقد شمعتك و توقف عن لعن الظلام بقلم الكاتبة حياة المخينيني

 أوقد شمعتك و توقف عن لعن الظلام

ازرع أملا في أفئدة الطير القصر

و ابشر بهطول الفرج

فزمن الوجع أعلن التوبة بين يدي الرب

لملم فكرك 

طهر قلبك

وانس حزن الامس و الغد

و تذكر ساعة الصفر

يوم تفر الام من رضيع الصغر

و تغدو عذراء في جنة الخلد

و تتساوى رؤوس القوم

لا أنانية و لا كبر

الكل سواسية بين سطوة القدر

أوقد شمعتك و توقف عن لعن الظلام

 و ابتسم و اتركها عليه

تغدو الحياة زهر في زهر....

حياة المخينيني



في ذكرى اغتيال الشهيد صدام حسين* زئير..تحت عيدان المشنقة.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 في ذكرى اغتيال الشهيد صدام حسين*

زئير..تحت عيدان المشنقة..


تصدير:

"وبغداد الرحيمة لا ترحم السفهاء..ومهما الرّصاص يجزّ رقابا.. يظلّ على شفاه العراقيين الغناء.."(مظفر النواب-بتصرف طفيف)


"..وسألت عن شجر قديم،كان يكتنف الطريق إلى التلال/وبحثت عن-دجلة والفرات-دون جدوى/وانتبهت إلى رماد نازل من جمرة الشمس التي كانت تميل إلى الزوال.."(عن الشاعر الكبير عبد المعطي حجازي-بتصرف طفيف)


قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ العراقيين وحدهم يستطيعون أن يتحدثوا عن أمل ممكن ينبجس من دفقات الدّم ووضوح الموت.المقاومة عندهم تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام والنوايا، وإنّما هي فعل وجود يصرخ أمام كل العالم بأنّ الإستعمار غير مقبول وبأنّ الحرية والسيادة مبدآن لا يمكن التخلي عنهما مهما كانت سطوة –اليانكي-وخيانة-المجوس-وعماء الدول الكبرى المتفرّجة على قوّات المارينز وهي تستعرض عضلاتها على ضفاف دجلة والفرات..

أكتفي بأن أتابع المشهد.أنام وأصحو لأحصي عدد المستشهدين،أتابع مواكب الدّفن،وأسترق السّمع لصراخ الثكالى وهو يخترق سجوف الصمت العربي..

صدّام الصامد

من أيّ موقع،إذن، أتكلّم ويكون لكلامي معنى أو ثقل؟

صدّام حسين الصامد: أوقعتك القافلة سهوا عنك، سهوا عنّا ومضيت قُبيل انبلاج الصباح دون وداع،فحين إكتفى العالم بالتفرّج على الدّم العراقيّ مراقا وعلى الجنائز تخبّ كلّ يوم في مشهد قياميّ مروّع بإتجاه المقابر..

ولكن..الرجال الأنقياء يولدون مصادفة في الزمن الخطأ،ويرحلون كومضة في الفجر،كنقطة دم،ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر..

ماذا تبقّى؟

استنكارات تذروها الرّياح زبدا وطواحين ريح..دبابات وقتلة مأجورون..عساكر..تكبير وتفجير..جنائز تسير خببا بإتجاه المدافن..بيوت عراقية يجتاحها النّوح..قلوب يداهمها الوجع كاسرا.ثكل ودمع ولا عزاء.. وغيوم رمادية في سماء بغداد..

شهيدنا الفذ:منذ رحيلك وأنا أحاول مجاهدا تطويع اللغة، ووضعها في سياقها الموازي للصدمة..للحدث الجلل..إننّي مواجه بهذا الإستعصاء،بهذا الشلل الداخلي لقول الكلمات الموازية،أو المقاربة لرحيل القمر والدخول في المحاق.. ولكن الدّمع ينهمر نزيفا كلّما هبّت نسمة من الفرات..

هي ذي الذكرى المؤلمة لرحيل الزعيم صدام حسين (الذكرى 19).مشهد الإستشهاد كان مهيبا مروّعا:ليث يزأر تحت أعواد المشنقة..شيء في قاع الرّوح يتفتّت..دمع حبيس يدمي أوردة القلب..قلوب تطفح بأسى مهلك صامت مبيد..بطل يغتال فجرا وتتناقل الفضائيات مشهد إعدامه..هكذا كان-موتك- فرجويا متوحّشا بدائيا ساديّا ضاريا عاتيا فاجعا..هو ذا القتل على مرأى من الدنيا والعرب..بغداد لم تصب بقشعريرة ولا

بإندهاش.إنّها”تأكل”بنيها.

ماذا تعني كلمات أو مفردات:منكوب أو مفجوع أو مدمّى أو منكسر؟..لا شيء سوى الفراغ الذي كنت تملأه فيما مضى.يتسع بك ويضاء بالبهاء الإنساني والغنى الروحي الحزين جراء فساد العالم وخرابه..

الرجولة الفذّة والصرخة الإحتجاجية التي تخترق في عنفوانها سجوف الصّمت،وتواجه بشموخ الإنحدار الرعوي ووحشية -اليانكي والمجوس-..

الآن بعد رحيلك-القَدَري-أعيد النظر في مفاهيم كثيرة،ربما كانت بالأمس قناعات راسخة،الآن يبدو المشهد العراقي كأنّه مهزلة وجودية مفرغة من أي معنى سوى الدّم والدموع..

أيّها القائد الرّمز:لقد احتمى إسمك بالوجدان العربي حزنا صامتا عميقا سنظلّ نتوارثه جيلا بعد جيل..ونحلم بولادة رمز في حجم شموخك يأتي منقذا ومخلصا..هذا الحلم ما يفتأ يعاود الظهور في كلّ مرّة تصبح فيه الكرامة العربية مجرّد ذكرى،وتصبح الشعوب العربية مثل الهوام لا أمل ولا فرح ولا نسمة تهبّ من الفرات..

وطوبى للحزانى لأنّهم عند الله يتعزّون..

هي ذي بغداد إذن.هي ذي عاصمة الرشيد وقد حاصرها الليل.عاصمة غدر بها الزمان.وللعراقي أن يدفع الثمن دما ودموعا.ولنا نحن-الواقفين على شفا الهاوية-أن نسمّي ذلك-بطولة-! كي ندرأ الوجع ونتخفّف من تأنيب الضمير..بل علينا أن “نبتهج”بالنظام العالمي الجديد صانع

المعجزات.وكافر كلّ من يردّد قول المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان..

سيدي الرئيس- الشهيد:الزّمان الغض،المضاء بشموس النصر والتحدي..الزمان المفعم بإشراقات الآتي الجليل،ما قبل إدراك الخديعة،بغتة الصدمة وضربة الجلاّد..الكون الحزين يرثيك.فرحة هي النوارس بمغادرتك عالم البشر إلى الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..أنت الآن في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق،والتردّي إلى مسوخية ما قبل الحيوان.

هل كان الحمام العراقي يعبّر بهديله عن رغبته في اختطافك إلى الفضاءات النقية لتكون واحدا من -قبيلته-،بعيدا عن الأرض الموبوءة بالإنسان الذي تحوّل إلى وحش ينتشي بنهش الجثث،قاتل للحمام والبشر،معيدا سيرة أجداده القدامى منذ قابيل وهابيل حتى الآن؟

نائم هناك على التخوم الأبدية،وروحك تعلو في الضياء الأثيري،طائرا أو سمكة أو سحابة أو لحنا في موسيقى.لقد غادرت المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض.

في الزمان الحُلمي،كما في رؤيا سريالية،سأحملك على محفة من الريحان،بعد تطهيرك بمياه الوديان،من مصبات الأنهار والمنحدرات الصخرية بإتجاه البحر..سيسألني العابرون :إلى أين؟

في السماء نجمة أهتدي بها.أعرفها.تشير دوما إلى القدس.أنت أشرت إليها ذات غسق وهي الآن فوق-دجلة والفرات-تضيئهما بلمعانها المميز عن بقية الكواكب.وهي تشير كذلك إلى المرقد والمغيب فوق أفق البحر في أواخر المساءات.أحملك نحوها لتغطيك وتحميك بنورها الأسطوري لتدخل في ذرّاتها وخلودها الضوئي..

قبل هذا الإحتفال الأخير سأطوف بك حول -تكريت-التي أحببت،معقل الرجال،حيث يرثيك أهلك و-مريدوك ـبدمع حارق يحزّ شغاف القلب..

يسألني العابرون أو أسأل نفسي:هل محاولة إستعادة نبض الحياة الماضية يخفّف من وطأة صدمة الموت؟..لا أعرف شيئا..

حين يأتي المساء الرّباني سنلتئم تحت خيمة عربية.نشعل النيران في فجوات الصخور اتقاء للرّيح،ونبدأ الإحتفال في لحظة بزوغ القمر فوق الهضاب العراقية..

أما أنتم -ياسادتي الكرماء-:إذا رأيتم-البطل البغدادي-مسجى فوق سرير الغمام فلا توقظوه،إسألوا الصاعقة التي شقّت الصخرة إلى نصفين لا يلتحمان.

إذا رأيتم-الشهيد التكريتي-نائما في الصمت الأبدي فلا تعكرّوا سكينته بالكلمات.

اسكبوا دمعة سخيّة على جبينه الوضّاء ،دمعة في لون اللؤلؤ،واكتموا الصرخة المدوية كالرعد في كهوف الرّوح..

أيّها الشهيد الشامخ: الإمام علي بن أبي طالب لم يمت !..ما زال يجوب الأرض على صهوة فرس أبيض كي يطهّرها من دنس الفاسدين وشذّاذ الآفاق..لقد قُتل وهو يصلي صلاة الفجر،قُتل غيلة.وكان أن بكاه المسلمون بدموع حارقة والدنيا أصابها رجف وسُمع في الآفاق كلّها نوح ونحيب.. وأنت أيضا، قتلوك ،غيلة،قتلوك فجرا وأنت تنطق بالشهادتين وترنو ببصرك إلى فلسطين وهي مضرّجة بالمؤامرات،الدسائس،الشرور والدّم المراق..لكنّك ستظلّ وصمة عار على جباههم..لعنة أبدية تلاحق بسخطها الغزاة ومن ورائهم-الصفويين-وأتباعهم..وها أنّي ٍأراك على فرس من أثير معجون بالنور.تطارد أعداءك ولن تترجّل إلا يوم ينتصب الحقّ شامخا،يخرّ الباطل صريعا..وينبلج الصبح على عاصمة الرشيد.


محمد المحسن


هوامش

*عيد أضحى صادم استقبله العالم العربي والإسلامي عام 1427 هجرياً( 2006م) قبل 19 عاماً،حينماً نفذت الحكومة العراقية حكم إعدام صدام حسين بعد 3 سنوات من الغزو الأنجلو أمريكي للعراق والذي تم تحت ذرائع عدة ثبت بعد سنوات عدم صحتها.



قال القدر كلمته بقلم الكاتبة سلوى مناعي

 قال القدر كلمته

قالَ القدرُ كلمتَهُ


فامتثلنا للقرار،


كما تمتثلُ الوردةُ


لذبولها حين يأتي المساء.


لم نُجادل…


فالقدرُ لا يُقنع،


ولا يمنحُ القلبَ


حقَّ الاستئناف.

قال: انتهى،حتى كلمة ياليت

ما تطفئ النار


فانكسرَ الحلمُ


بين شهقةٍ ووداع،


وتبعثرت خطواتُنا


على أرصفةِ الصبر.


كنّا نعرفُ


أن الحبَّ أكبرُ منّا،


لكن القدرَ


كان أدهى… وأقسى.


سلّمنا أيدينا للغياب،


وخبّأنا وجعنا


تحت معاطف الكبرياء،


ومشينا


وكلُّ واحدٍ منّا


يحملُ الآخرَ


كجرحٍ نبيل.


قال القدر كلمته،


فامتثلنا…


لكن قلوبَنا


لم توقّع على القرار.


سلوى مناعي



إِلَى وَالِدَيِ الطِّفْلِ. بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف... تونس.

 إِلَى وَالِدَيِ الطِّفْلِ.

عُوجِي عَلَى الطِّفْلِ، بِالأَخْلَاقِ غَذِّيهِ     

وارْعَيْـهِ بِالعَـطْفِ، وَاسْقِي هِـمَّةً فِيـهِ

يَـــا أُمُّ، إِنّـــكِ لِــلْأَجْـــيَـــالِ مَــــدْرَسَــةٌ      

كُـونِـي لَـهُ سَـنَـدًا لِـلْـخَـيْـرِ يَــهْـدِيــهِ 

الطِّـفْلُ كَالصَّفْـحَـةِ الـبَـيْـضَاءِ نَاصِـعَـةً     

والأُمُّ تَكْـتُبُ مَـا قَـدْ تَشْـتَـهِـي فِـيـهِ

أَوْ قِـطْعَـةِ الطِّيـنِ، بِالتَّأْثِـيـرِ تَصْنَـعُـهَا     

خَـلْـقًـا مِنَ الـخَـيْـرِ أَوْ شَـرًّا تُسَوِّيـهِ

فَابْـنِـي لَـنَـا وَطَـنًـا، النَّـشْءُ حَـارِسُهُ      

وَالنَّـشْءُ مِـنْ خَطَرِ الأَزْمَانِ حَامِيهِ.

الـخَــيْـرُ وَازِعُـهُ وَالـحُـبُّ دَافِـعُـهُ         

وَالـحَـقُّ رَائِـدُهُ وَالـدِّيــنُ هَــادِيـهِ

الـبَـحْـر يَـعْـمُـرُه وَالــبَـرّ يُـثْـمِــرُهُ،         

وَالأَرْض يَزْرَعُهَا وَالصَّرْح يَبْنِيهِ

وَالرَّكْب يَـدْفَعُهُ، يَسْمُو بِمَوْكِبِهِ          

وَالقَوْل يَصْدُقُهُ وَالدَّيْـن يَقْـضِيـهِ.


يَا وَالِدَ الطِّفْلِ حَقُّ الطِّفْلِ تَعْرِفُهُ: 

البِـرُّ وَالـخَيْـرُ، فِي قَـلْبٍ، تُجَلِّـيـهِ

وَحَلِّ بِالعِلْـمِ رُوحَ الـجِـيـلِ يَطْلُبُهُ      

وَاشْحَذْ عَزِيـمَتَهُ، فَالدَّرْسُ يُـرْوِيـهِ.

أَعِـنْـهُ فِـي عَـمَـلٍ وَكُـنْ لَـهُ مَـثَـلًا       

أَنْتَ الّذِي لِلْفِدَا والبَذْلِ تَـهْدِيــهِ

وَازْرَعْ بِهِ بَذْرَةً فِي الخَيْرِ عُنْصُرُهَا      

 كَيْ تَحْصُدَ الـخَيْرَ لِلْأَوْطَانِ تَجْنِيهِ.

إِذَا الشَّبَابُ، بِطِيبِ الخُلْقِ نَبْتَتُهُ      

 كَالطِّيبِ، يُصْـبِحُ مَحْبُوبًا لِرَاعِيهِ.


الطِّفْلُ مُسْتَقْـبَلُ الأَوْطَانِ، رَائِدُهَا     

يَبْنِي غَدًا، عَالِيًا، مَا اليَوْمَ نُنْشِيهِ

مَا بَـيْـنَ أَيْـدِيَـنَـا، بِالدَّرْسِ نَـنْـفَحُهُ      

مِشْـعَـلُـنَـا، في غَدٍ، حُـبًّـا نُغَذِّيــهِ.

طُوبَى لِمَنْ عَلَّـمَ الأَجْيَالَ، حَـرَّرَهَا     

مِنَ الجَهَـالَةِ، نَدْعُو اللهَ يَـجْـزِيــهِ.

حمدان حمّودة الوصيّف... تونس.

خواطر : ديوان الجدّ والهزل



حصاد عام بقلم الكاتبة زينب حشان

 ✨حصاد عام✨


مرت سنة

كريح عارية

جرّدت الأشجار من ملامحها،

لا كما تمنيناها،

ولا كما توقّعنا للخذلان طريقا


تركتْ على الطاولة

أحلاما مكسورة الحواف،

وكؤوسا أنهكها الانتظار،

وأماكن نمر بها الآن

بقلوب مثقلة بالغبار،

نتعثر بالذكرى

ونواصل السير

وقد نقش التعب وجوهنا.


ودعنا وجوها

كانت سقف أيامنا،

رحلت على عجل،

فانكشف الغياب مطرا،

وأوصدنا أبوابا

لم يعد الدفء يهتدي إليها.


لكن السنة،

على قسوتها،

دلّتنا على نوافذ خفيّة،

دخل منها أحباء

يشبهون الضوء

حين يأتي بلا موعد،

يرممون فينا

ما أهملته الخيبات،

وما تصدع بصمت.


تألمنا،

ونضج الوجع فينا

حتى صار بصيرة،

وتعلّمنا

أن بعض الخسارات

تعيد القلب

إلى اتزانه الأول.


انتهت السنة،

وفي الصدر

خرائط ندوب،

وفي الروح

بذور امتنان،

نرويها برجاء هادئ

أن يكون القادم

أحن …وأصفى


بقلم زينب حشان 

               المغرب



وِرْدُ المسايا بقلم الكاتبة جميلة. مزرعاني

لي وِرْدٌ قيْد المسايا

يروي ظمأ الرُّوح

على مشارفِ الهزيع 

في عقر دار العتمة 

يشتعلُ قنديلُ الخشوع 

يتسامى القلبُ مناجيًا 

أنينٌ يشقّ صدرَ السُّحب 

فينفثُ عرقُ الخضوع 

شامخٌ دعاءُ اللّيل 

على وَقْعِ هسيسِ السّكينة 

وتنهيدةِ الجوارح 

ينسكبُ شلالُ الدُّموع

يرتفعُ منسوبُ البصر 

يبذلُ قصارى التَّرَجِّي

ويدان تقترنان

وعاءُ التَّلَقِّي

فينحني القمر 

تخضعُ النّجوم

تَسْكُنُ النَّفْس

تقرُّ البصيرة 

وتشفى القروح 


جميلة مزرعاني 

لبنان الجنوب 

ريحانة العرب



سألني بقلم د/آمال بوحرب

 سألني

هاتِ من الليل خمر شفتيكِ

تُخمِرَني 

فمكسور الكأسِ شُقاقاً 

من البِلَّورِ مخمورُ

.........

أخبرته


خذ الليل واسقها  الشفاه 

خمرا 

تكسر ت كؤوس الهوى  

وترمّلت أشواقي  مذ 

غادرتها القبل

د/آمال بوحرب



الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

إشراقات الأدب المقاوم..في زمن الخيبات والهزائم..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 إشراقات الأدب المقاوم..في زمن الخيبات والهزائم..!

الإهداء: إلى الشهداء أكرم ما في الدنيا وأنبل بني البشر،وإلى الشرفاء الأحرار وزينة الحياة،وبناة المستقبل،وإلى حملة الأقلام الذين ارتقوا في الكتابة الحرة المقاومة


«إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية،فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغير القضية». (غسان كنفاني)


-فلسطينية العينين والإسم/فلسطينية الأحلام والهم/فلسطينية الميلاد والموت (محمود درويش)


-الأدب روح تمرد،وامتداد مقاومة من ضفة الثورة على الجمود والتخلف والظلم والقهر إلى ضفة الاستشهاد تمرداً ومقاومة واستشهاداً من أجل العقيدة والهوية والانتماء والحرية والكرامة والعيش في ظل أمن من جوع وخوف..(الكاتب)


-الأدب روح تمرد،وامتداد مقاومة من ضفة الثورة على الجمود والتخلف والظلم والقهر إلى ضفة الاستشهاد تمرداً ومقاومة واستشهاداً من أجل العقيدة والهوية والانتماء والحرية والكرامة والعيش في ظل أمن من جوع وخوف..(الكاتب)


من منّا لايعرف عبر التاريخ أهمية الأدب المقاوم في مواجهة الاحتلال،وأهمية الشعراء الذين صدح صوتهم فاختلطت المعاناة بمشاعر التمرد،لمواجهة الاحتلال والظلم والاستبداد والتسمك بالهوية والأرض

وكما هو معروف بأن الأدب المقاوم مصطلح وضعه الأديب الفلسطيني غسّان كنفاني،ليصف الأدب الذي بدأ يُكتب في فلسطين المحتلّة عام 1948،بعد حرب النكبة حيث نادى بالوصول للحرية والاستقلال

نعم،المقاومة بهذا الفعل واجب وضرورة لأنه مفروض على كل إنسان إعلاء القيمة الحقيقية بالمقاومة والتعبير عن الوفاء للوطن

الحياة مقاومة للموت ولكل ما يشكل موتاً في الحياة من فساد وانحلال وضمور قيم وضمائر ومسؤوليات وملكات

الحياة مقاومة مستمرة،والفكر والأدب،في بعض الأوقات والحالات،نسغ تلك المقاومة الذي يسري في شعاب القلب والروح ليبعث الحيوية ويجدد الحياة ويحرّض على فعل المقاومة

وحين يتعرى القلب،وتتشقق جذوع الروح،وتقف هيكلاً عظمياً باهتاً مرمدّاً يقاوم الهلاك والتهالك والتهافت والسقوط،يسري سحر كلمة صادقة منقذة ليبدع الحياة ويبعثها إرادة حرة متوثبة،ولينعش هيكل الروح فيخضرّ ويخضَلّ ويزدهر ويقبِل على ما في الكأس من بقية،حتى وهو يغالب ترسبات الحنظل فيها.

والأدب روح تمرد،وامتداد مقاومة من ضفة الثورة على الجمود والتخلف والظلم والقهر إلى ضفة الاستشهاد تمرداً ومقاومة واستشهاداً من أجل العقيدة والهوية والانتماء والحرية والكرامة والعيش في ظل أمن من جوع وخوف.

ولو تلمّسنا في الأدب الرفيع والإبداع الذي يستحق اسمه،معالم الأهداف والمعاني والدلالات، لما وجدنا إلا مواقع القيم ومقوماتها مما يسترعي الاهتمام ويشكل خريطة الإبداع الحق

ومنظومات القيم في الأدب تكاد تشكل أهم مقوماته،من قيم الخير والحق والعدل والحرية إلى قيم الجمال والبديع والبيان الساحر والمنطق المسكوب حكمة وتعقلاً،وما تمثله المتعة العالية من حضور في قلب وعقل وروح تشكل السعادة لها هاجساً وتطلعاً وأملاً

ما أريد أن أقول ؟

أردت القول أن المقاومة ليست ورقة تذروها الرياح،بقدر ما هي شجرةٌ تضرب جذورها في الأرض عميقًا،ومهما اختلفت أشكال المقاومة إلا أنها بالنهاية تقود إلى هدف واحد،ولذا كان الشكل الثقافي في المقاومة بمثل أهمية المقاومة المسلحة،وهما عاملان مُترافقان يكمل أحدهما الآخر،وشكَّل أدب المقاومة على وجه الخصوص حلقة جديدة في سلسلة التاريخ بتطوُّره السريع الذي واكب متطلبات الوضع،ولكن الذي ميَّز الأدب المقاوم هو ظروفه القاسية بالغة الشراسة التي واجهها وتحداها

إن تناثر الكلمات الفلسطينية في الكتب عبر أرفف مكتبات العالم هي ليست حالة شتات الشعب الفلسطيني ذاتها لما بعد النكبة،وفي الواقع تعمل الحالة الأولى للكلمات كأنها قوى مضادة للحالة اللاحقة للشتات من خلال التأكيد على قوة تحمل الفلسطينيين والتعبير عنها

لقد تواتر الحديث عن الهوية الفلسطينية وضرورة الحفاظ عليها في ظل الاحتلال الإسرائيلي مع تزايد وتيرة أدب المقاومة والتوكيد عليه،علمًا أنه تشكَّل في الفترة ما بين نزوح الفلسطينيين عام 1948 وحرب الأيام الستة عام 1967،ما ميَّز الهوية الفلسطينية بطابع فريد منذ ذاك الحين،واستمر حتى الوقت الحالي.والرائع في أدب المقاومة هو التعبير بحرية دون خوف عن الأهوال والجرائم التي ترتكب في حق الشعب الفلسطيني من قبل المحتل الصه..يوني.وكان الكاتب الفلسطيني غسان كنفان-كما أشرنا-هو من قام بسبك مصطلح أدب المقاومة »وعرّفه بأنه الأدب الذي يقاوم القمع والاحتلال الإسرائيلي وينادي بالحرية والاستقلال،على الرغم من وقوع البلاد تحت طائلة المحتل.وفي كتابه «أدب المقاومة في فلسطين المحتلة»يؤكد غسان كنفاني أن أدب المقاومة في فلسطين يمكن اعتباره إلى حد ما ضربا من ضروب المقاومة المسلحة،وهو بمثابة حلقة في سلسلة تاريخ متواصل،لم يستطع أحدهم قطعه طوال نصف قرن من حياة الفلسطينيين،إلا أن نصف القرن هذا في عصر غسان كنفاني قارب في الوقت الحالي القرن من الزمان

وإذن؟

 يرتقي الأدب المقاوم إذا،في معراج القيم إلى كل ما هو صاف ونبيل وسام لتحقيق كرامة الإنسان وحريته وطمأنيته،وفي ضوء ذلك فإن الناس قديماً وحديثاً شغفوا بأدب المقاومة وظهرت تجلياته بأنماط شتى ومضامين عدة،وما زالت عبقرية المبدعين تبتكر أنواعاً ومضامين جديدة تساير ارتقاء الحياة والحضارة،فهم يتوقون إلى هذا النمط الذي يؤكد التزامهم الثابت بقضايا مجتمعاتهم وهمومها وطنياً وقومياً وإنسانياً،وبهذا فإن الأدب المقاوم على الرغم انه ركَّز على المقاومة الفلسطينية المعاصرة يحمل في ذاته ملامح العام والخاص فضلاً عن أن طبيعته تتألق بروح الجذب والإثارة،ويتصف مضمونه بروح الجوهر المشرق والمثير للدهشة والمتعة، ويتصف بالثورة والتمرد على كل أشكال التقهر والظلم والاستبداد والاحتلال

لقد قال الشاعر الراحل محمود درويش: ما أعظم الفكرة وما أصغر الدولة .والاديب هو حامل الفكرة والمدافع عنها ومبدؤها الاول.وقد اتسعت رؤيا الأدباء الفلسطينيين بفعل انتمائهم،وبلغة الإبداع،لتحمل فيض التعبير عن الوفاء للأرض،وشكلت عباراتها وتعابيرها الخاصة الوجود الحتمي والفني،كما نرى في إبداعات الرعيل الاول،إبراهيم طوقان،عبد الرحيم محمود،حنا ابو حنا،هارون هاشم رشيد،يوسف الخطيب وغيرهم.وتجلت صوفية العلاقة التوحدية في معالم الوجود الفلسطيني،حتى غدت إشارتها الترميزية آفاقاً لحق التعبير عن الارض

والإنسان،بإبداعات معاني الحالات في رحلة روحية تتلخص فيها تجربة الحلول

واذا كانت الثورة في جوهرها ايمان بامكانية تحقيق العدل في هذا العالم كما يقول رجاء النقاش،فإن الثورة الفلسطينية عمقت تجربة الابداع بشمولية الفعل التراجيدي،ووحدته،مرتكزة حول الانا في مبدأ الوحدة،ليصبح حضور الكاتب الملتزم معادلا لموقف فني

على سبيل الخاتمة:

الأدب شعراً ونثراً ابن الذات المبدعة شعوراً ورؤية وخيالاً،فهو إلماعة ذهنيـة مـضمخة بالانفعـال الـذي يـرف علـى الـشجن الـدافئ..ويتربـع الأدب المقاوم على عرش هذا الأدب في كل زمان ومكان،لِما يتصف به من الانـدماج في كينونـة الجماعـة والأرض،ولاسـيما عنـدما تطـوف اللحظـة الزمانيـة في تمجيــد القــيم الأصــيلة الـتي يتواضــع عليهــا المجتمــع أو

تتعهدها الرسالات السماوية بالحفاوة توقيفاً وتوفيقاً كما هو حال المفهوم الإسلامي للشهادة أو النصر بوصفهما إحدى الحسنيين

فـإذا كـان الأدب عامـة فنـاً جمـيلا،فـإن الأدب المقـاوم يـصطبغ بهـذا الجمال في الوقت الذي يحمل رسالته ووظيفته في طبيعته الفنية

لهذا فإن إشراقات الأدب المقاوم ترتقي معراج القيم إلى مصافي التعبير عن كل ما هو نبيل وسامٍ لتحقيق كرامة الإنسان وحريته وطمأنينته،ما يعني أنها استكناه لأسرار الحياة الخيّرة وخلودها كل زمان ومكان لأنها تنبثق من مفهوم العزة والحرية والاستقلال والسيادة

وبهـذا فـإن الأدب المقـاوم-علـى الـرغم مـن أنـه ركـز علـى المقاومـة الفلسطينية المعاصرة-يحمل ذاته ملامح العـام والخـاص،فـضلا عـن أن طبيعته تتألق بروح الجذب والإثـارة، ويتـصف مـضمونه بـروح الجـوهر المشرق والمثير للدهشة والمتعة،لأنه يتصف بالثورة والتمرد على كل أشكال القهر والظلم والاستبداد والاحتلال و

وأخيراً أقول: حسبي أنني حاولت الاستجابة لصوت الواجب النضالي إذ ناداني إلى ساحة الأدب المقاوم رغبة تقرير مواقف الكرامة والبطولة خدمة للأجيال وللوطن والأمة،وحباً بهذا النمط من الأدب الصادق والرفيع..

والله من وراء القصد.


محمد المحسن



قراءة وجودية في تجربة إخلاص فرنسيس بين الكتابة والهوية بقلم د.آمال بوحرب باحثة وناقدة تونس

 قراءة وجودية في تجربة إخلاص فرنسيس بين الكتابة والهوية

د.آمال بوحرب

باحثة وناقدة

تونس

 

في عصر يتسم بالهجرة الواسعة والتحولات الثقافية السريعة تبرز أصوات أدبية قادرة على تحويل الاغتراب إلى طاقة إبداعية خصبة تجمع بين الذاكرة الجماعية والتجربة الفردية. إخلاص فرنسيس الأديبة والشاعرة اللبنانية المقيمة في سان دييغو بكاليفورنيا تمثل واحدة من هذه الأصوات البارزة في الأدب العربي المعاصر. نشأت في قرية جنوبية لبنانية حيث تشربت رائحة الأرض والنعناع والحنين المبكر ثم حملتها الهجرة إلى فضاء أمريكي واسع يمزج بين صخب المدينة الحديثة وهدوء الغابات والمحيطات. لم تكن الهجرة بالنسبة إليها مجرد انتقال جغرافي بل تحول وجودي عميق دفعها لاستكشاف أعماق الذات الإنسانية الهشة مفككة الثنائيات التقليدية بين الوطن والمنفى الرغبة والفقدان الجسد والروح.

يأتي مشروع إخلاص فرنسيس الأدبي والثقافي في قلب تحولات عميقة يعيشها العالم العربي والشتات معًا حيث تتحول الهجرة من حدث اجتماعي إلى سؤال وجودي يمس الهوية والذاكرة والجسد تمثل الكاتبة اللبنانية المنحدرة من جنوب لبنان والمقيمة في سان دييغو نموذجًا لذات مهاجرة تحوّل جرح الاغتراب إلى طاقة معرفية وجمالية وتحوّل المنفى من فقدان إلى فضاء لإعادة كتابة الذات والعالم عبر الكتابة والحوار من خلال  هذه القراءة  اردت الكشف عن البنية العميقة لتجربتها من خلال ثلاث ركائز الاغتراب كأفق وجودي الجسد الأنثوي والرغبة ثم المشروع الثقافي غرفة 19 بوصفه فعلًا جماعيًا للمقاومة والمعنى

 

أولًا الاغتراب كأفق وجودي في الكتابة

تتجذر تجربة إخلاص فرنسيس في انتقالها من قرية جنوبية ذات ملامح ريفية وذاكرة حسية كثيفة إلى فضاء أمريكي واسع شديد الاختلاف ثقافيًا وحضاريًا حيث يتحول الانتقال الجغرافي إلى تحول في نمط الوجود ذاته تلتقط الكاتبة هذا التحول من خلال ثنائية الوطن المنفى وتعيد صياغتها كحركة توتر دائم تفتح النص على سؤال كيف يمكن للإنسان أن يسكن عالمًا يشعر فيه بالانتماء على نحو متدرج هنا تقترب تجربتها من الهاجس الوجودي الذي يرى في الاغتراب لحظة وعي فتغدو الكتابة محاولة لإعادة ترميم السكن في العالم عبر اللغة والصورة والذاكرة

في مجموعتها القصصية ظل النعناع تتجسد هذه الرؤية بوضوح إذ تتحول رائحة النعناع القادمة من المطبخ الجنوبي إلى ظل يرافق الذات في المنافي البعيدة فيتحول الحسي إلى حامل أنطولوجي للانتماء هذا الاستثمار للتفاصيل الصغيرة يمنح النص بعدًا فلسفيًا فالذاكرة تمارس إعادة تشكيل من داخل الحاضر المنفي ما يجعل النص فضاء تعبر فيه الذات بين زمنين وهويتين بذلك يصبح الفن عند فرنسيس وسيلة لمصالحة الذات مع جذورها وجسرًا تستعيد به حقها في الحنين وحقها في الحرية معًا

 

ثانيًا البنية الجمالية من الحسي إلى الوجودي

تعتمد إخلاص فرنسيس أسلوبًا يقوم على مزج الحسي بالوجودي والنفسي بالفلسفي بحيث يتحول المشهد اليومي البسيط إلى مرآة لأسئلة عميقة حول الفقد والوحدة والهوية في نصوص مثل عشق ضائع وعلى أهبة الغروب تظهر لغة مشحونة بالعاطفة والحرارة وتعمل على نحت صور تفتح أفق التأويل الفلسفي التركيب اللغوي هنا يعمل في مستويين سطح حسي يلتقط الحركة والرائحة وتفاصيل الجسد وعمق دلالي يلامس قلق الكينونة في مواجهة العدم والوقت والانفصال

تتفكك في هذا الأسلوب الثنائيات التقليدية التي رسخها الأدب العربي طويلًا الخير الشر العقل الجنون الامتلاء الانكسار وتُقدَّم كحالات متجاورة داخل الذات نفسها هذا التفكيك يمنح النص بعدًا إنسانيًا لأنه يعبّر عن هشاشة الكائن الذي يتجاذبه التناقض ويحوّل الأدب إلى مساحة اعتراف بالقلق بدل التمثّل بصورة مثالية إن الرهان الجمالي يكمن في جعل الهشاشة موضوعًا للكتابة وفي جعل القارئ يشعر أن قلقه جزء من جرح مشترك يفتح أفق الشفاء

 

ثالثًا الذات الأنثوية والرغبة بوصفهما فعل مقاومة

تقدّم إخلاص فرنسيس الذات الأنثوية في نصوصها من موقع الفعل ومن موقع الاختيار المرأة في قصصها وشذراتها ذات تمتلك جسدها وتعيد تعريف رغبتها ومصيرها عبر الكتابة والوعي هذا الحضور يضع تجربتها ضمن تيار الكتابة النسوية العربية المعاصرة الساعية إلى كسر أنماط التشييء والتبرير التي جعلت المرأة رمزًا للامتثال أو التضحية

تظهر الرغبة الأنثوية في أعمالها كحاجة وجودية إلى الاعتراف والكرامة قبل كونها ميلًا جسديًا فالرغبة هنا تقف في مواجهة الاغتراب وتتحول إلى وسيلة لاستعادة الذات من هوامش التهميش الاجتماعي والثقافي في هذا السياق تكتب فرنسيس الجسد بوصفه لغة مقاومة وتكشف تناقضاته بين الجموح والانكسار وبين الاشتعال والهدوء لتفكك الصور النمطية التي تلحق الأنوثة بالضعف أو الخضوع هذه الرؤية تتجلى أيضًا في قراءاتها النقدية كما في تفاعلها مع رواية الجميلات النائمات حيث تعيد تأويل الجسد كموقع كامِن لرفض صامت وإمكانية تحرر مؤجلة

 

رابعًا غرفة 19 والمشروع الثقافي في المنفى

يشكل مشروع غرفة 19 ركنًا أساسيًا في فهم تجربة إخلاص فرنسيس فهو امتداد عضوي لاختياراتها الوجودية والجمالية ومحاولة لتجاوز عزلة الكاتب في المنفى عبر تأسيس فضاء حواري مفتوح تأسست المنصة بين عامي 2019 و2020 في سان دييغو بمنظور يربط المثقفين العرب في المهجر بنظرائهم في الداخل وتحولت مع الوقت إلى منصة رقمية ذات طابع مؤسسي وتعقد ملتقيات وندوات دورية عابرة للحدو

يتجاوز دور غرفة 19 النشر التقليدي إلى جعل النقاش النقدي والحوارات الأدبية والملتقيات الدولية مختبرًا حيًا لصناعة الوعي ومساءلة القيم السائدة في زمن تهيمن عليه السرعة والاستهلاك الثقافي عبر هذه الفعاليات تستعيد إخلاص فرنسيس دور المثقف بوصفه منشئًا للجسور بين الشتات والأصل ومقاومًا للانغلاق والعزلة الثقافية من خلال تفعيل طاقة الحوار والتفكير الجماعي المنصة بهذا المعنى تعيد الاعتبار للفعل الثقافي كمساحة مشتركة بين الفلسفة والأدب والممارسة الاجتماعية وتكشف أن المنفى يمكن أن يكون مركزإشعاع

 

سادسًا المنفى طاقة  إبداعية وإعادة صياغة الهوية

يمنح موقع إخلاص فرنسيس الهجين بين لبنان وأمريكا تجربتها وعيًا مزدوجًا يتيح النظر إلى الذات العربية من خارجها وإلى الثقافة الغربية من موقع الاختلاف هذا الوعي ينتج نصوصًا تتقاطع فيها رائحة النعناع الجنوبي مع غابات كاليفورنيا والمحيط الهادئ فتتشكل مخيلة هجينة تفتح الأدب العربي على فضاءات جديدة دون قطع مع الجذور

المنفى في كتابتها شرط لإعادة التفكير في الهوية بوصفها عملية مستمرة فالهويّة تُستعاد عبر مساءلتها وتُرمَّم عبر المرور بتجربة التمزق والتعدد بذلك يتحول الاغتراب إلى محرّك للتأمل والكتابة إلى وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة وبين الماضي والمستقبل

الغروب سؤال الوجود في أفق القراءة الفلسفية

"لنص على أهبة  الغروب "

تتجلى خصوصية إخلاص فرنسيس الشعرية في نص "على أهبة الغروب "الذي يفتح إمكان قراءة فلسفية ترى في الغروب لحظة انكشاف للكينونة عند حدودها القصوى فيتحول الزمن من معطى حسي إلى تجربة وجودية متأملة حين تقول يحملق الوقت يتجسد الزمن ككيان حي يحدق في الإنسان ذاته وهي صورة تنسجم مع تصور مارتن هايدغر للكينونة والزمان حيث يعيش الإنسان الزمن كأفق وجودي داخلي

أما صهيل الشرق في شرياني فيمثل نداء الكينونة الأولى حيث يغدو الشرق رمزا للانبلاج والخلق البدئي بينما تتجسد الحربة المغروزة في صلصال الحرية كاستعارة وجودية تلتقي مع تصور جان بول سارتر للحرية بوصفها مادة الوجود الإنساني ووعيه بذاته فالإنسان يتشكل عبر اختياراته ومسؤوليته

وفي قولها أعلق على أغصان الزيتون أحلامي تتبدى علاقة الذات بالعالم وفق منظور موريس ميرلوبونتي حيث يتحقق إدراك المعنى عبر الجسد المتجذر في العالم الزيتون رمز للسلام الداخلي والهوية الأرضية والحلم طاقة تسكن الواقع وتطلب توازنا وانسجاما

مصدر مرجعي تبلغ التجربة ذروتها حين تقول وعلى شفتي تتبدد الرغبات ويهدأ صراخ الريح فتظهر لحظة سكينة الوعي بعد العاصفة وهي حالة تصالح بين الذات والعالم تذكر بما يسميه هيغل سكينة الروح حيث يتحقق الوعي بذاته في أفق كلي ربما لتؤكد هذه توحد الشعري والفلسفي في تجربة إخلاص فرنسيس حيث يتحول الشعر إلى فعل كشف وتجل للذات والعالم وتتحول الحرية إلى ممارسة معرفية ملتحمة بالجمال

خاتمة

قد تكشف القراءة النقدية لتجربة إخلاص فرنسيس عن مشروع متكامل تتضافر فيه الكتابة الإبداعية والوعي الأنثوي والفعل الثقافي الجماعي في المنفى لتشكيل رؤية فلسفية وإنسانية للاغتراب والهوية

والأكيد أنها تنجح في تحويل المنفى إلى أفق للتجدد وفي جعل الجسد الأنثوي والرغبة مساحتين للمعرفة والتحرر و أفقًا للتفكير  ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق  هو الى أي حد تنجح الكتابة على مداواة الجرح الجماعي أو  النفس الكاتبة والمفكرة المغتربة ؟



الاثنين، 22 ديسمبر 2025

**(( مراسلة )).. أحاسيس: مصطفى الحاج حسين.

 **(( مراسلة ))..

أحاسيس: مصطفى الحاج حسين. 


مُسيَّجةٌ بأسوارِ الغياب 

قلبي يتشمَّمُ أفقَ النّدى  

يتحسَّسُ صمتَ المدى  

يُقبِّلُ تلعثُمَ الضّوء

لا يُصدِّقُ حِلفانَ الشّمس 

والقمرُ بارعٌ في الكذب.  


الدّروبُ تُخفي عني الجهات  

والسّماءُ قاسيةُ الوجدان  

البحرُ خنزيرٌ لا يدلُّني عليكِ

والشاطئُ ابنُ حرامٍ

مُقطَّر 

الكونُ يدّعي أنكِ لستِ فيه  

والزّمنُ أنكرَ عليَّ اسمَكِ.  


أينَ أنتِ، يا لئيمةَ التخفّي؟!  

لا أُريدُ منكِ سوى سُطوعِكِ

لا أطمعُ بغيرِ الابتسامة.  


أُعطيكِ دمي مقابل

تحيّة 

لكِ كلُّ ما أملكُ من

نبض  

لكِ كاملُ روحي 

وجميعُ قصائدي.  


سأُقدم ما عندي من حنين  

أُهديكِ عنفواني 

وقبري

وباقي أنفاسي 

وخلجاتِ دمعي...  


لو أنّكِ تبعثين لي رسولَكِ.*


  مصطفى الحاج حسين.           

        إسطنبول



أُمّي بقلم الشاعر حسين جبارة

 أُمّي

 

                 صُبّي المشاعرَ في كؤوسٍ مِن حروفْ 

                 لا تحبسي ما فاقَ حدًّا للسُّيوفْ            

                 أَذكي المشاعلَ في الدُّروبِ منارةً             

                 وَدَعي الشَّذا في الجوِّ فوَّاحًا يطوفْ

                 دفءُ المشاعرِ والمشاعلِ طاقةٌ 

                 تَهِبُ الحرارةَ للأيادي والكُفوفْ  

                 هذي الحرارةُ رافقتكِ إلى العُلا 

                 في عُهْدةِ الأغراسِ في جَنْيِ القطوفْ   

                 برعايةِ الأطفالِ في حَلَكِ الدّجى   

                 الحُبُّ يُعلي نبضةَ الحسِّ الرَّؤوفْ  

                 ما الدِّفْءُ إلَّا أمَّهاتُ مَحبَّةٍ      

                 مجدًا بنينَ بلا أساسٍ أو سُقوفْ       

                 الحبُّ أُمّي، أنتِ نبعُ مسرَّةٍ   

                 أنتِ الشِّفا مِن كلِّ ويلات الصُّروفْ

                 عاهدْتِني طفلًا بحضنكِ راكنًا    

                 راعيتِني في يقظةِ القلبِ العطوفْ  

                 لِينٌ ذراعُكِ يحتوي أَلَمًا بدا   

                 عهدٌ فعالكِ في جُلوسٍ أو وُقوفْ 

                 جمَّعْتِ ما بينَ القلوبِ بِأُلْفَةٍ  

                 وتماسُكًا شَيَّدَتِ في رصِّ الصُّفوفْ

                 خُضتِ السِّنينَ وداعةً وتواضُعًا  

                 طابَ الغذاءُ مُخَزَّنًا فوقَ الرُّفوفْ 

                 الصَّدرُ رَحبٌ بالتَّراحمِ والوفا 

                 والبيتُ أهلٌ في تحيَّاتِ الضُّيوفْ 

                 الأرضُ حَبٌّ تنكشينَ بِمِعولٍ   

                 بالعهدِ يكفي حاجةً تبغي الألوفْ

                 أنتِ العطاءُ بِحُبِّ طفلكِ والثَّرى

                 أنتِ المليكةُ في الصُّروحِ وفي الكُهوفْ 

                 حسين جبارة                    نيسان 2014

                                     


محطَّات الغياب بقلم الكاتب علي المحمداوي

 محطَّات الغياب 

أسفي على من ضيَّعني وخان ثقتي 

وأنا من كنتُ في كلِّ ثانيةٍ أشتهيهِ 

أسفي على من أذللتُ روحي كي أشتريه

بكل معاني الحبِّ أحببته 

وقلبي إلى الآن يحتويه

بحثتُ عنهُ بينَ النجومِ

وحولَ الكواكبِ والغيومِ

وفي جهاتِ الأرضِ وأعماقَ البحار

فما اهتديتُ لظلٍ إليهِ ولا غبار

أنا روحٌ معلقةٌ في محطَّاتِ الغياب

أنا ليلٌ وفي ليلي كمٍّ من العذاب

أينَ أنتَ ؟!!!!! 

يا حياتي وعمري

في غيابكَ شاخَ عمري تاهَ فكري

حتى ما عدتُ أعرف كيفَ أميِّزُ

بينَ الماءِ والسرابِ

وبينَ الحضورِ والغياب

أوَّاهُ يا قلبي من الأشواق

ومن حبيبٍ أورثني 

الحزن والدمع والفراق

وهجرٌ قاتلٌ فيه ما رثاني

لا ولا جفنهُ الناعس بكاني

وحين أدركتُ بأنَّهُ لا يستحقُّ حتى عتابي

تركتُ لهُ قلبي الكدوم 

كفحمةِ الليلِ الفحوم

فإن أحبَّ ينقذهُ فمشكورُ

وإن تركهُ بمحطَّاتِ الغياب فمغفورُ


بقلمي علي المحمداوي



..هون عليك.. بقلم عامري جمال الجزائري.

 ..هون عليك..


      هون عليك هون وطب نفسا 


                       وانئ عن هموم الدنيا وانسى.


     والجأ إن خانك الزمان يوما


                         إلى الله يؤويك ويغنيك أنسا.


     مادام حال وكل الدنيا فناء 


                           فلا تحمل هما ولا أنت تأسا.


     واطلق عنان التفاؤل في السما


                 وليس همك الجلل سوى رب الناسا.


      أتثنيك الهموم وربك الواحد 


                       هو عليها أشد قوة وأشد بأسا.


     فكن له في خلواتك مخلصا


                  وادعوه في صلواتك وناجه همسا.


     ترى الهم يخضع ويدبر مستسلما


                       وتغدو متحررا لا غم ولابخسا.


             بقلم عامري جمال الجزائري.


          المسمى فرحي بوعلام نورالدين.


    الجزائر ولاية سعيدة يوم 21-12-2025.



" بدون فائدة تذكر " بقلم الشاعر محمد ختان

 " بدون فائدة تذكر "

اِستفاق بالصباح على مهل

أنزع الغطاء من فوقه

اِستدار جالسا على حافة السرير

أخد برهة ليزيح أثار النوم

اِستقام واقفا يريد الحمام

أغسل يديه و وجهه بالماء

اِسترسل عائدا للغرفة بهدوء

اِستبدل بيجامته بملابس أنيقة

اِستعرض شياكته أمام المراَة

أدنى إلى الباب و قصد وسط الدار

أخد مقعد و جلس بطاولة الفطور

اِلتحام العائلة اليومي المعتاد

أحاديث و حوارات و مواعظ

اِستكمل الوجبة و اِستعد للخروج

اِستوقف للحظة لرسم قبلة حب

اِستعقب خارجا كعادته اليومية

اِعتاد السير للقاء أصدقاء

اِستمر يلتفت حول المنزل مرارا

أخيرا صعد إلى سطح المنزل

أدار مفتاح غرفة خاصة له

أعقب إلى الداخل بسرعة

أغلق عليه الباب من الداخل

أسرع بفتح نافذة تطل للخارج

اِستدار ناحية المكتب الصغير

أوراق منشورة فارغة

أقلام موضوعة في حالة تأهب

أشغل موسيقى من الزمن الجميل

أخفض الصوت على قد السمع

أطل من الشباك يستطلع للأفق

إستعاد وعيه من شرود

اِسترجل عائدا للمكتب المفضل

اِستباح بأن يخدش ورقة بالمداد

اِستجمع شحنة أفكار رائجة

أمسك قلم بين أنامل

اِتكأ منحنيا الرأس للأسفل

استسلم لنوم عميق جدا

إنتهى يومه بدون فائدة تذكر

تمت بقلم محمد ختان المملكة المفربية 12/12/2025