الخميس، 22 يناير 2026

(( حاء و النّون تسكنني )) بقلم الأستاذ داود بوحوش

 (( حاء و النّون تسكنني ))

و إنّك للعذراء التي أهيم

و إنّي لرسول الله إليك

و إنّك لدنياي التي أحلم

و إنّي لأشهد الله  الذي 

 إليه كل الخليقة تحتكم

أنّك فجري  الذي ينبلج

 متى سواد الليل يحتدم

تسألني السنون في دعة

 هاثلاثة من العقود تنصرم

أسرّك البناء الذي عقدته

أجيب و ملء الثّغر يبتسم

قساة النوائب كلانا روّضها

أنّى  بديارنا  تحطّ  تنهزم

ما قولك بإثنين الله ثالثهما

تحابّا بعنف و الشاهد القسم

تالله مهما كان الوجع يعتمل

فبالحبّ عصيّ الجرح يلتئم

حاء و النون بالفتح  مشبعة

تعقبها  نون بالضمّ  تُختتم

و أنا مبدئي دّال شامخ ألفي 

يجاوره الود، يغذّيه فيُحترم

هو القمر و النجم متى طلعا

يتجمّل بهما الكون و ينتظم


بقلمي

ابن الخضراء

 الأستاذ داود بوحوش

 الجمهورية التونسية


التقوى في شهر شعبان: منعطف روحاني نحو رمضان بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 التقوى في شهر شعبان: منعطف روحاني نحو رمضان

شهر شعبان هو شهر التهيئة والإعداد الذي يأتي بين رجب ورمضان،والناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوك السلف الصالح يجد أنه كان محطة روحانية عظيمة،ومنعطفا إيمانيا يهيئ النفوس لاستقبال شهر الصيام.فما تجليات التقوى في هذا الشهر الكريم؟ 

إنه كالغيث الخفي الذي يَسْقي بذور القلوب قبل موسم الحصاد،وكنسمة الفجر الهادئة التي تسبق شروق شمس رمضان.

وشعبان ليس مجرد فاصل زمني،بل هو-كما أشرت-محطة تهيئة وتدريب.التقوى هنا تتجلى في الاستباقية الإيمانية،حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في شعبان،حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان،وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان". هذا السلوك النبوي يعلمنا أن التقوى ليست استجابة للمناسبات فحسب،بل هي حالة دائمة من المراقبة والاستعداد.كأن شعبان روضة إيمانية نتزود فيها من أنوار السُّنَّة، ونتدرب على مشقة الطاعة قبل دخول مدرسة رمضان الجادة.

وفي شعبان تتجلى التقوى كجسر يربط بين العبادات،فمن صام شعبان كأنما واصل بين الفضيلتين: فضيلة النوافل وفضيلة الفريضة. وهذا الإستمرار يجسد التقوى الحقيقية التي وصفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخوف من الجليل،والعمل بالتنزيل،والاستعداد ليوم الرحيل". إنه جسر من نور يعبر به المؤمن من شاطئ العادة إلى شاطئ العبادة،ومن ضفة الغفلة إلى ضفة المناجاة.

وليلة النصف من شعبان تذكر المؤمن بضرورة محاسبة النفس قبل أن تُحاسب،وهي من أبرز تجليات التقوى في هذا الشهر.فالتقوى الحقيقية تقتضي وقفة صادقة مع الذكرات والهفوات، واستغفارا يمحو ما تقدم،وتوبة تعيد ترتيب البوصلة نحو الله تعالى.إنها ليلة تُرفع فيها الأعمال،وتُقضى فيها الأقدار،فالمتقون ينتظرونها بقلوب خاشعة وأكف مرفوعة،طمعا في عفو من "يغفر الذنب ويقبل التوب".

يأتي شعبان ليرفع المؤمن درجة في سلم التقوى، فمن كان مقبلا على الطاعة في رجب،يجد في شعبان فرصة للزيادة والثبات.والتقوى هنا ليست شدة عابرة،بل هي تدريج روحي يهيئ النفس للانطلاق في رمضان بأقصى طاقاتها.كما قال الحسن البصري: "إن التقوى ليست بصيام النهار وقيام الليل مع إضاعة الحرمات،ولكن التقوى أداء فرائض الله واجتناب محارمه". إنه شهر التدرج الحكيم،كالتمرين الروحي الذي يعد العضلات الإيمانية لتحمل مشاق العبادة وظمأ المناجاة.

في خضم الاستعداد لرمضان،يذكرنا شعبان أن التقوى ليست في الصوم والصلاة فحسب،بل في تزكية النفوس وإصلاح القلوب.فمن صام شعبان ولم يصم عن الغيبة والنميمة،أو صام عن الطعام ولم يصم عن النظر المحرم،فقد أخل بجوهر التقوى. يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183).فشعبان يدربنا على التقوى الشاملة،تقوى الجوارح والقلب واللسان.

وهنا أختم : شهر شعبان هو الفرصة الذهبية التي منحنا إياها الإسلام لشحن البطاريات الروحية قبل دخول مضمار رمضان.إنه أشبه بمرحلة الإحماء قبل السباق،أو مرحلة المراجعة قبل الامتحان الكبير.فلتكن أيام شعبان ولياليه مدرسة نتخرج منها بأعلى درجات التقوى،لننطلق في رمضان بقلوب مخبتة،ونفوس متوضئة،وأرواح متشوقة إلى مغفرة الرحيم وغفران الكريم.

فطوبى لمن جعل من شعبان جسرا يعبر به إلى رمضان،وطوبى لمن اتقى الله في شعبان فكان من المتقين في رمضان،وطوبى لمن داوم على التقوى فكانت له نورا في الدنيا وذخرا في الآخرة.

فلنستقبل هذا الشهر الكريم بقلوب عامرة بالتقوى، ولنغتنم أيامه ولياليه في التوبة والاستغفار والطاعة،كي نعبر منه إلى رمضان ونحن في أتمِّ الاستعداد وأكملِ الآهبة.فهو شهر التهيئة والإعداد، ومحطة التزود والاستعداد،وبداية الانطلاق نحو رحاب الرحمن،حيث المغفرة والعتق من النيران. فالمتقون في شعبان هم الأقرب إلى القبول في رمضان،والعاملون فيه هم الأرجى للوصول إلى مرضاة الرحمن.

فيا أيها المؤمنون،ها هو شهر شعبان يُنير لنا الدرب بذكرياته النبوية،ويهبنا فرصة ثمينة لإصلاح القلوب وتجديد العزائم.فلنغتنم أيامه ولياليه مدرسة إيمانية نتزوّد فيها بأنوار التقوى، ونتدرب على طاعة الرحمن،حتى نعبر بسلام من ضفة الغفلة إلى شاطئ القرب،ومن ظلمة الهفوات إلى نور المغفرة.

فطوبى لمن جعل من صيامه نُسُكا،ومن دعائه ذكرا،ومن استغفاره توبة نصوحا.وطوبى لمن أعدّ زاد التقوى في شعبان،فدخل رمضان وهو من السابقين بالخيرات،الفائزين بالعتق من النيران.

اللهم بلّغنا رمضان وأعِنّا على صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا،واجعلنا فيه من عتقائك من النار.واجعل شعبان لنا جسرا من النور،نعبر منه إلى رحمتك الواسعة ومغفرتك العظيمة.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


محمد المحسن



لمثل هؤلاء تنحني الأبجديّة بقلم الأديبة سامية خليفة/لبنان

 لمثل هؤلاء تنحني الأبجديّة


بؤساؤك يا هوغو لم يولدوا من طينٍ، وإنما من شهقةِ الألم، ذلك الليل الكئيب هو الذي صنع لهم من سواده

 دثارهم، فإن سألت الفراغ الممتلئ شجنا في نبرة أصواتهم، الساكن في أعماقهم، لأجابك بأن الحياة لم تخجل من إهدائهم لحنا جنائزيا، مع ذلك فهم معجونون بنور التمرد. إن سألتني يا هوغو عن امرأة لم تدخل في روايتك، لكنها الأشد بؤسا من كل بؤسائك، لبحت لك عن سرِّ السكينة التي حلّت بالكون، عن بؤس الوعي الذي سيطر على كيانها، لقلتُ لك: إنها هي، أنثى النور ، المتمردة على الظلم والظلام، هي بكامل أناقة وعيها، ندرت نفسها امرأة للانبثاق، والتحدي.  لمثل هؤلاء  يا هيجو تنحني الأبجدية، لمثلهم  يتحوّلُ

رصاص أيامهم إلى تبر من رؤى . ها هم الآن يمضون بعدما زرعوا بذورَ اليقين أينما حلًوا، حيث نبتت نخيل الوفاء في حقول الألم المكللة بالمجد، ستتفتتُ غيمة الشك فالمطر سينهمر من مساماتهم رذاذ حكاياتهم المغمّسة بالصبر.  نحنُ لسنا سوى صدىً لخطوات، نقتاتُ على فتاتِ الحقيقة الملتحفة رداء التأملات، سنبحث بينها دوما عن موئل، عن سقف وجدران، وأنا على دراية من أننا لن نعثر عليها إلا في أبجديةٍ جديدة...


سامية خليفة/لبنان



مُعَلَّقَةُ الحُبِّ. بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف... (تونس)

 مُعَلَّقَةُ الحُبِّ.

واللّهِ... وَالرَّحْـمَانِ، مَا أَنْـــآهُ

وَعْدُ الحَبِيبِ، فَكَيْفَ؟ هَلْ أَنْسَاهُ؟

أَأَرَاهُ يَـوْمَ غَـدٍ؟ لَا؟ كَـيْـفَ لَا؟

أَتَـظُـنُّ؟ أَنَّـكَ كَــارِهٌ مَـلْـقَـاهُ؟

إِنَّ الجَوَارِحَ ، صَـمْتُـهَا يَـهْفُو لَهُ

والقَلْبُ مِنْ خَلْفِ النِّخَابِ يَرَاهُ.

يَا وَيْـحَ قَـلْبِي،،، حَائِرٌ فِي أَمْرِهِ

يَـهْـوَى الـحَبِيبَ ويَـتَّـقِي لُـقْـيَاهُ

أَيَخَافُ إِنْ يَلْقَاهُ يَصْرُخُ، يَرْتَمِي

فِي حُضْـنِهِ، أَمْ خَوْفُـهُ لِجَـفَاهُ؟

أَيَخَافُ مِنْ بَعْدِ اللِّقَاءِ وَدَاعَهُ؟

أَيَخَافُ أَنْ لَا يَسْتَعِيدَ نُـهَـاهُ؟

عَجَبًا لِقَلْبِي، مَا يُرِيدُ؟ أَيَشْتَكِي

فِي الوَصْلِ أَمْ فِي الهَجْرِ طَابَ مُنَاهُ؟

 

الـحُبُّ أَنْ تَـضْـنَى الـجَـوَارِحُ كُـلُّـهَا

وتَـصُـومَ عَـنْ بَـوْحٍ بِــهِ شَفَـتَـاهُ

الحُبُّ مَا خَرَسَتْ عَلَيْهِ شِفَاهُنَا

الحُبُّ أَنْ لَا تَسْـتَـطِـيـعَ لِـقَـاهُ...

الحُبُّ أَنْ تَسْرِي بِقَلْبِكَ رِعْشَةٌ

مَحْـمُـوَمَةٌ،،، أَنْ لَا يَعِيـبَكَ آهُ

الحُبُّ أَنْ لَا تَرْتَوِي عَيْنَاكَ مِنْـــ

ـــهُ وأَنْ يَـرَاكَ بِـغَـفْـوَةٍ وتَـرَاهُ

الحُبُّ، مَعْـسُولُ الكَلَامِ يُمِيتُهُ

والصَّـمْتُ يُـذْكِي نَـارَهُ وسَنَـاهُ

الحُبُّ لَـيْـسَ بِـقُـبْـلَـةٍ غَـرْبِـيَّةٍ

فِي عُـمْقِهَا كُلَّ الوَرَى نَنْـسَاهُ

الحُبُّ لَيْـسَ صَبَـابَةً وتَـأَوُّهًا

أَوْ دَمْـعَةً جَادَتْ بِـهَا عَيْنَاهُ

الحُبُّ لَيْـسَ مَنَـامَةً شَـرْقِـيَّةً

وتَـأَلُّـمًا رُؤْيَــا الحَبِـيـبِ غَـذَاهُ

والقَلْبُ خَالٍ مِنْ سِوَى غَدْرٍ بِهِ

مَا الحُبُّ فِيكَ مَطَامِعٌ أَوْ جَاهُ

الحُبُّ لَـيْـسَ بِـجَوْلَةٍ مَـوْعُودَةٍ

وَيَـمِينُـكَ الـمِحْنَاءُ حَوْلَ قَفَاهُ

الحُبُّ لَيْـسَ بِـخُلـْوَةٍ مَمْنُوعَةٍ

مِنْ بَعْدِهَا خَيْر الوَرَى نَنْسَاهُ

الحُبُّ أَسْـمَى مَا يَكُونُ مَكَانَةً

أَنْ نَعْبُدَ المَحْبُوبَ حِينَ نَرَاهُ...

أَوْ حَالةٌ فِيهَا الذُّهُولُ مُسَيْطِرٌ

إِنْ تُـغْـمِـضَا عَيْنَـيْكُـمَا، تَرَيَاهُ.

حمدان حمّودة الوصيّف...  (تونس) 

"خواطر" ديوان الجدّ والهزل



رسم..على جدار الروح.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 رسم..على جدار الروح..

تصدير : 

نـزولُ الرحمة السماوي يُجَدِّد العَهْد مع الحياة، فكلُّ قطرة تهمس بتطهير الروح من أتربة الأيام.

يهطل ندى السماءِ بلطف ليغسل غبار الخيباتِ والأحقاد،فتذوب الأثقال في مجرى المياه.

تنبعث الروح من الأعماق مغتسلة بانتعاشة عميقة، فتتسع المساحات بنقاوة الزجاجِ بعد المطر،

وتولد من جديد خفيفة تحت سماء نقية..


في رحم كلّ منا غابة داخلية،هامسة بالأشباح وبالزهور،حيث تتدلى ذكرياتنا كفاكهة مرة وحلوة على أغصان الوعي.وحده الصمت الداخلي،ذلك الرفيق الذي يزورنا في لحظات الانهماك في الذات، يمكنه أن يقودنا إلى تلك الغابة ليحدثنا بلغة الضباب والندى.ها هو القلب ينفتح كمظلة في يوم غائم،ليس للهروب من المطر،بل للالتقاط كل قطرة منه،لأن المطر هنا ليس ظاهرة جوية،بل هو لغة الوجود السائلة،ترجمان بين صراخ الأرض وتنهُّد السماء،وشاهد على أن أكثر حواراتنا مصيرية تلك التي نعقدها مع ذواتنا على وقع هطوله.

في هذا الصَّباح المُتلوِّن بضباب الذكريات،حيث تذوب السماء في هيامها الأرضي،أجدني أغوص في صمت المطر العميق.كل قطرة تسقط كذكرى تبحث عن جرح تُعيد فتحه،أو كغفران يبحث عن قلب ليغسله.كأن الزمن هنا،تحت ظلال هذه المدينة الموغلة في المواجع،يتوقف ليسمح للروح أن تتنفس أخيرا.

لطالما وقفتُ كشجرةٍ مُثقلة بأغصان الهموم، تتحدى العواصف المادية التي تجتاح الحياة، وتصارع الأعاصير الصحية التي تهزّ الجسد،لكن الجذور تظلّ متشبثة بأرض الأمل.ليس المطر سوى حوار بين الأرض المتعطشة والسماء المتسامحة،وأنا في الوسط،كجسر من لحم ودم، أحمل في صدري نهرا من الأسئلة التي لا تجد ضفافا.

أليست الحياة سلسلة من الجروح التي نرتديها دروعا؟ وكل ندبة حكاية صمت نُحدثها لنجعل من ألمنا قوة..؟

إن الصمود ليس غياب الألم،بل هو القدرة على النزف داخليا والوقوف بحزم،وكأنك جبل يرى في السحب العابرة مجرد زوّار عابرين.كم من مرة أوشكتُ فيها على الانكسار،لكني وجدتُ في قاع اليأس بذرة صلبة،كانت تنتظر مطر التحدي لتنبت من جديد.

هل نبحث في الدموع عن خلاصٍ ما،أم أننا نكتب بألمنا سيرة للمطر كي يحفظها لنا حين نغيب؟!

الحياة لا تسأل عن جروحنا،لكن المطر يأتي كل عام كطبيب روحاني،يداوي بالنسيان تارة، وبالتذكر تارة أخرى.وها أنا،بين المنزلتين،أتعلم كيف أكون إنسانا: أشتاق،أغفر، أتألم،وأحب..ثم أمطر.

وما بين فصول الشقاء هذه،حيث يضيق الحال وتثقل الأجساد،يتجلى صمتي كأعظم لغات الحوار مع الذات.أرى يديّ المضمختين بغبار الكفاح، وأشعر بقدميّ المتعبتين من طول المسير في طرقات المواجع والجراح،وفي صمتي أسمع صدى روح لا تزال تُناجي النور.إنها روح تعرف أن العاصفة مهما طالت،فهي تمر،وأن الجرح مهما أوغل في الروح،فهو يندمل ليترك مكانه درسا لا ألما فقط.

أتعلم من المطر التواضع،فهو يهبط من علياء السماء ليُحيي كل صغير في الأرض،وهكذا أفعل، أنحني أمام المصاعب لأجد في انحنائي قوة النهوض.لأن الإنسان الحقيقي ليس من لا يسقط، بل هو من يسقط وفي عينيه بريق الصمود،وفي قلبه عزم المطر على العودة دائما،ليغسل ما تقدم ويروي ما سيأتي.فأنا لست ضحية الظروف،بل أنا ابن تحديها،أقف في قلب العاصفة وأبتسم،لأني أعرف أن بعد الغيمة وعد،وبعد الألم حكمة،وبعد كل شتاء ربيعٌ ننتظره بقلب مفعم بالمطر.

وهكذا،تتحول الحياة من سجل للضحايا إلى ملحمة للغزاة.غزاة الشقاء بأنفسهم،باحثين في قاع كأس الألم عن تلك القطرة الماسية التي اسمها: الفهم.فليأتِ المطر إذن،بكل غزارته ووداعته،ليغسل عنا غبار المسافات التي قطعناها بوجع،وليروي بذرة الرجاء التي لا تموت في تربتنا. لنسلم وجوهنا لهذا البلل المقدس،ففيه نذوب لنولد من جديد،وفيه نغفر لأنفسنا أولا،كي نتعلم كيف نغفر للعالم. وليكن دمعنا الأخير،قبل أن تجفف الشمس الأثر،ليس دمع ألم أو حنين،بل دمع امتنان..امتنان لأن الجرح علمنا الحنان،ولأن العاصفة أظهرت متانة الجذور،ولأن المطر،في نهاية المطاف،لم يكن سوى حب السماء الطويل والصامت للأرض.وها هي السماء تحبنا بنفس الطريقة،حتى عندما ننسى أن نرفع رؤوسنا لنرى السحابة التي تسبق الوعد.

وهكذا،نكتشف أن أعظم المعارك لا تدور في ساحات الواقع الواسعة،بل في تلك المساحات الهادئة داخل صدورنا،حيث تُختم صرخاتنا بأختام من صمت،وتُزرع أحزاننا كبذور في تربة الروح. فالإنسان ليس سوى أرض تحمل في ثناياها كل التناقضات: الجفاف والخصب،العواصف والصفاء، الجروح والأمل.والمطر الحقيقي ليس ما ينزل من السماء فحسب،بل هو ذلك الفيضان الوجداني الذي يغسل ركام الذكريات،ويسقي بذرة التسامح الكامنة في أعماقنا.إننا نولد من جديد في كل مرة نسمح فيها لأنفسنا بأن تذوب في براءة البكاء، وننصت إلى حكمة الجرح الذي لم يعد ندبة تُخجلنا،بل رسما على جدار الوجود يخبرنا: لقد صمدتَ،واستنبتَ الزهر من بين الصخور.فلتأتِ كل الأمطار،ففي حنوّها لغسل الأرض تتجلى أعظم معاني التجدد،وفي قدرتنا على الوقوف تحت وابلها،مفتوحي القلوب كالمظال،تتجلى معجزة الحياة ذاتها.

وهكذا،في عمق هذا الصّمت المُطَرِّب،ندرك أنّنا لسنا مجرد مستقبلين للألم أو الفرح،بل نحن الأرض نفسها التي تحتضن البذور والسُّحُب، نترجم صمت السَّماء إلى نبضٍ حيٍّ،ونحوِّل الجراح إلى جذورٍ تشّق صخور اليأس نحو نور نعتقد أحيانً أنَّنا نحن مَنْ يصنعه.فليس المطر سوى مرآة تُري الروحَ عمقها،وليس الصَّمود سوى تلك اللحظة الخالدة التي نختار فيها أن نكون الغيمة والرَّعد والزَّهرة معا،كائنا واحدا لا ينقسم على ذاته،بل يذوب في كُلِّيّة الوجود،مطرا يسقي أرضا،وأرضا تنجب دوما ربيعا بهيا..


محمد المحسن



الأربعاء، 21 يناير 2026

درّة(2) بقلم الكاتب رشيد بن حميدة _ تونس

 درّة(2)

****************

عزيزتي درّة

تبني لها صرحا

يزداد كلّ يوم علوّا

وعظمة وسموّا

بقلبي..


تنتكس آلامي 

ومن عتمة الأيّام

ينبجس الضّياء

كلّما مشت درّة

بدربي

****************

رشيد بن حميدة _ تونس

في 18_1_2026



مرايا.. متشظية أطلال الذاكرة..في جغرافية الخراب..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مرايا.. متشظية

أطلال الذاكرة..في جغرافية الخراب..!


"سرت في اتجاهك العمر كله،وعندما وصلت،انتهى العمر". (مظفر النواب)


"المنفى لا يسكن مكانا،بل يسكنني.هو حنين مؤلم إلى أرض لم تعد تُلمس،إلا كشبح بين الأضلاع. المنفى يمشي في قلبي/في خطواتي في أيّامي/المنفى كالحبّ يسافر/في كلّ قطارٍ أركبهُ/في كلّ العرباتِ أراهُ/حتّى في نومي يمشي كالطرقات أمامي/في هذا العصر/يكون الإنسان/ويُعرَفُ مِن منفاهُ"(مظفر النواب)


-لقد صِرْنا غرباء في جغرافيا أحلامنا،نبحث عن بصمة نعرفها على جدار،أو نغمة قديمة في زقاق، بينما التاريخ يغفو مُثقلا بالغبار،والحاضر يسير على قدمين من نار..! ( الكاتب)


في اللحظات التي تسبق الغروب،حين يصبح العالم ظلا طويلا لأشياء لم أعد أملكها،أفتح أبواب ذاكرتي على آخر عتباتها.هناك،حيث يلتقي ماضيي المهجور بحاضري الغريب،يولد سؤال هويتي من رحم الفقد.كل خطوة إلى الأمام هي خطوة فوق أرض من زجاج،تطن تحت أقدامنا بألحان ما كنّا نعتقد أننا سننساها أبدا.!

هذه حكايتي..روح حُملت بين مدينتين،كُتبتا في سفر وجودي،ثمّ مُزِّقتا في عواصف التاريخ.

أنا الآن أسأل: كيف أسكن روحي خرابا..؟! وكيف أحمل وطني حين يصبح مجرد ندبة في شرايين الزمن..؟!

أحيانا يكون الثقل الوحيد الذي لا نستطيع وضعه هو خفة الأشياء التي لم تعد موجودة.

ربما الخراب ليس مكانا نسكنه،بل هو الذي نحمله. وربما الوطن ليس أرضا نمشي عليها،بل جرحٌ ننزف منه كلما تذكرنا أننا كنّا يومًا ننتمي.

إن أكثر المنافي قسوة ليست تلك التي تبعدنا عن الأرض،بل تلك التي تبعد الأرض عنا،حتى ونحن نقف عليها.

واليوم..تقدم بي العمر كثيرا ونهشتني المواجع في نخاع العظم..! كأنما الحياة استدرجتني إلى خط النهاية،وأنا ما زلت أحمل في فمي طعم أول قهوة،وفي عيني وميض أول فرح. 

بالأمس كانت المحيطات تنام بحضني،والنوارس تهجع على كفي..كنت طائرا غريبا حط على غير سربه..!

كثيرون منّا ماتوا مرات عديدة..ماتوا حين غادروا، وماتوا حين عادوا إلى غير ما يعرفون،وماتوا كلّما تذكّروا أن الموت وحده هو ما بقي على وفائه للمكان.

سكنت بغداد وتجولت في شارع الرشيد وكأن خطواتي كانت توقّع أغنية للحياة،وكتبت رسائلي للغرباء على ضفاف دجلة والفرات..ابتعت كتبي من شارع المتنبي الفسيح،واحتسيت قهوتي الصباحية بمقهى الشابندر التراثي القديم حيث كانت الحكايات تتساقط من الشفاه كندى دافئ..

الذاكرة خيانة جميلة،تقدم لنا الماضي كهدية ثم تأخذ الحاضر ثمنا لها.

ومن بغداد إلى دمشق سافرت على أجنحة الضيم، بعد أن ذرفت دموعا بحجم المطر تحت تمثال أبي الطيب..وقبل أن يفقد شارعه رونقه الجميل..!

بدمشق حططت رحالي،وكانت كالعروس البهية، تنشر رذاذ ياسمينها في الحارات القديمة على العابرين دون حساب..كان عطرها يدخل القلب من غير استئذان،فيذكّرك أن للروح أوطانا من عطر وضوء.وكانت ملاذنا..إذ تقول وجودنا تقول وجودها الخاص حصرا..فلا هويّة لنا خارج فضائها..وهي مقامنا أنّى حللنا..وهي السّفر..

ليس الحنين شوقا إلى مكان،بل هو وقت كان فيه العالم يوسع من دائرة أحلامنا بدلا من أن يضيقها.

لقد كانت ( دمشق) كفيلة بإخراجنا من مدارات الغربة والاغتراب،وإدخالنا في مسارات السكينة،وهدوء الوجدان الباحث عن نقاء الروح في زمن الهزيمة والانكسار..

في ساحة العباسيين،غرب دمشق،خاصرة الريف، مدخل حيّ جوبر..تلمع أسماء خلفاء العصر العباسي وقد نقشت باللون الذهبي على رخامة وسط الساحة..

اليوم لم يعد للتاريخ هناك أثر..! صار الذهب ترابا، وصارت الأسماء همسًا ضائعا في عويل الريح.

أتعلم ما أقسى ما في الخراب؟ أنه لا يمحو الجمال،بل يحنطه أمام عينيك،ثم يهمس: انظر ماذا كان بإمكانك أن تحب.!

أمر صباحا بساحة المرجة،أقدم وأول ساحة عرفتها دمشق المعاصرة مع بدايات القرن العشرين.وساحة المرجة بتاريخها الحافل وتناقضاتها العجيبة وموقعها الاستراتيجي المميز وسط دمشق مع الأسواق المتفرعة عنها،جعلها مكانا يجمع الخيال مع الواقع ويقدم قراءة لمفردات الحياة الدمشقية،لتأتي الساحة متفردة بكل شيء ومتميزة عن كل ساحات وميادين دمشق..

لم تعد دمشق اليوم،كتلك التي عرفتها منذ سنين.. دمشق الوارفة..عاصمة الخلافة الأموية..مهد التاريخ..دمشق العروس البهية التي كنت أطل على جمالها من جبل قاسيون..أين ذهب ذلك الحضن الآمن؟ أين تبخر ذلك الضوء؟!

نحن ندفع ضريبة الذاكرة غاليا،نبصر الماضي بوضوح الشمس،بينما نحاول أن نلمس الحاضر من خلال غبار الانفجارات.!

دمشق التي كانت تستقطب الناس من كل حدب وصوب،بالحدائق والبساتين والنواعير والأسواق والساحات.وقد أبدع ياقوت الحموي حين قال عنها: "ما وُصفت الجنّة بشيء، إلا وفي دمشق مثله"، وقال عنها ابن حوقل: "هي أجمل مدينة من مدن الشام تقع في أرض مستوية".

..ولم تعد بغداد (بلاد الرافدين) وعاصمة الرشيد التي أسسها المنصور وكان يقصدها العلماء والنابغون والمثقفون والشعراء كما كانت..ليست نفسها الموجودة اليوم..!

أيتها المدينة التي كانت تتنفس شعرا وتنزف دجلة بأنوار الحكمة،كيف صرتِ جرحا ينزف في صمت؟!

الوطن الذي تحمله في عينيك يصبح عبئًا حين تكتشف أن الناظرين إليه لا يرون سوى الركام.

ربما كان العراق،هو البلد الأكثر دوِيا بما جرى في حقيقة الأمر،للعرب جميعا..لكن ما ظهر بارزا على سطحه كان مترادفات سرية وعلنية في كل أرض عربية..

وهنا يسكن أعظم الألم: أن تدرك أنك لم تفقد المدن فقط،بل فقدت النسخة من نفسك التي كانت تستحق أن تسكنها.

الفقد الأكبر هو أن تفقد القدرة على الحنين،أن تصبح الذكرى أقسى من أن تحتمل،وأثمن من أن تترك.

وها أنا الآن،بين مدينتين تحولتا إلى ظلّين لذكرى، أتساءل: كيف للقلب أن ينبض بانتظام وهو محشوّ بشظايا زمنين مقتولين؟ كيف يمكن للروح أن تسكن خرابا؟ كيف تُحمل الذكريات في حقيبة ظهر،ويُحمل الوطن في شرايين لم يعد يمرّ فيها إلا ندب السؤال؟

أحيانًا أخاف أن تكون حياتنا كلها مجرد هامش كتبته الأقدار على صفحة مدينة محيت.!

لقد صِرْنا غرباء في جغرافيا أحلامنا،نبحث عن بصمة نعرفها على جدار،أو نغمة قديمة في زقاق، بينما التاريخ يغفو مُثقلا بالغبار،والحاضر يسير على قدمين من نار..!

نحن الجيل الذي علّمه المطر أن يكون انفجارا، وعلّمته الأرض أن يكون قبورا متجوّلة.

والسؤال الأكثر مرارة: هل كان كل ذلك الجمال مجرد تمهيد طويل لهذه الخيبة؟ هل كنا نعيش في حلم جميل،لنستيقظ ذات يوم على كابوس لا نعرف مخرجا منه؟!

ما يقتلنا ليس اليأس من المستقبل،بل اليقين بأن الماضي لن يعود،وأنه كان أجمل مما نحن مستحقون.

أحيانا، يتحول الحنين إلى قبر نحمله على ظهورنا، ونخاف أن نضعَه كي لا نفقد السبب الوحيد الذي يجعلنا نشعر أننا ما زلنا أحياء.!

وهكذا أجد نفسي،كشجرة جذورها في سماء الذاكرة وأغصانها في أرض الغربة.وطني لم يعد مكانا على الخارطة،بل صار زمنا مقطوع النَّسب، ورواية انتهت فصولها قبل أن أفهم مغزاها.أحمل في داخلي بغداد ودمشق كتوأمين حزينين، يراقبان من عيني كيف يتحول تاريخهما المجيد إلى ركام من الأسئلة.ربما هذه هي لعنة المحب: أن تحمل جمال ما فقدت حتى آخر رمق،وأن تدرك أن الهزيمة الحقيقية ليست في فقدان المكان،بل في تحول الذكرى من ملاذ إلى سؤالٍ لا جواب له، ومن حنين إلى وجع صامت يستوطن الروح..!

الألم الوحيد الذي لا دواء له هو ألم الجمال الضائع،إنه الشظية التي تبقى في القلب ولا يجرؤ الجراح على لمسها.

وهنا أختم بسؤال: من أين جاء كل هذا الخراب؟ وكيف صيغت أقدارنا وارتسمت خطًا مستقيما من حديقة البيت الأبيض إلى ساحة الفردوس في بغداد.. ووصولا إلى ساحة المرجة بدمشق..!؟

ويظل السؤال حافيًا عاريا ينخر شفيف الرّوح..!

الخراب لا يأتي من العدم،إنه ابن شرعي للصمت الطويل،والأسئلة التي دفنت تحت سجاد المجاملة.

وهكذا،نبقى نحن-أبناء الأماكن المهشمة-نحفر في ركام الذاكرة بحثا عن بصمة ضائعة،عن صوت ينتمي إلينا.قد لا نجد مدننا مرة أخرى على الخريطة،لكننا سنظل نراها في كل غروب يطوي العالم،وفي كل قهوة صباحية تذكرنا بأننا كنّا يوما ننتمي.ربما هذا مصيرنا: أن نكون سجّاني ذاكرتنا، وحراسا لأشباح الأماكن التي أحببنا.نعيش على حافة الوجود،حاملين في قلوبنا نعيا طويلا لأوطان لم تمت،لكنها صارت أشبه بندبة جميلة في جسد الزمن..ندبة تدمى كلما تذكرنا كم كنا فيها أحياء.

مصيبتنا الكبرى أننا ولدنا في زمن صار فيه الحب للوطن حكاية يخجل منها التاريخ.!

السؤال سيظل حافيا..والروح ستظل عارية أمام رياح الغياب.لكن ربما في هذا العري ذاته،في هذه الهشاشة المكشوفة،يكمن آخر أنواع المقاومة: أن نرفض النسيان،أن نستمر في السؤال حتى لو كان الصمت هو الجواب الوحيد.لأن من يحمل وطنه كجرح،يحمله أيضا كشهادة.وكأننا نقف على حافة الهاوية،نصرخ في وجه النسيان: نحن هنا..وكنا هناك..ولن نترك للريح سوى أسمائنا.

ربما ليس المطلوب منا أن نجد الأجوبة،بل أن نحمل الأسئلة بنوع من الكبرياء،كبرياء من يعرف أن سقوط الجدران لا يعني سقوط الذاكرة،وأن دوي الانفجارات،رغم هوله،أقل صدقا من همس جدّتنا وهي تروي لنا حكاية المكان.

عدت بالأمس البعيد إلى أحضاني..إلى تونس الخضراء،أعانق ترابا تشوقت إليه روحي طويلًا.. عدتُ،وكأنني "كولومبس أعماقي"،أبحر في بحر من الذكريات لأكتشف-من جديد تونسي الحميمة، تلك التي تعانق السماء بصمودها،أعني "تَطَاوِين" الحبيبة،الشامخة كجبالها،الصامدة في وجه ليالي الريح العاتية،كقلب لا يعرف سوى النبض بالوفاء.

وما الشعر إلا حنين يبحث عن مسمى..إلا لمسة خافتة نرسم بها جغرافيا الأرواح..إلا همسة تخرج من صمتَ المكان لتصير كلماتٍ ترفرف في سماء اللغة..!


محمد المحسن



الثلاثاء، 20 يناير 2026

(( مَنْ لي ...؟ )) بقلم الشاعر //هادي مسلم الهداد

 ((  مَنْ لي  ...؟ ))

===== *** =====

مَن لي بعينٍ تَشتَهي.. أَرقا؟

تَرنو نجوماً  ضَوءها  .. أَلقا


 مَن لي بليلٍ حَالمٍ.. غَدِقا ؟ 

يسري معَ الأحداقِ لا..قَلقا


مَن لي بيومٍ شَمسَهُ..شَفقا؟

 رفقاً بهذَا النّبضُ ..ياحَدقا 


 حَرفي عميقٌ صامتٌ.. نَطقا

 مَوجٌ يُواسي شَاطئاً .. غَرقا


  حرٌّ ورغمَ العَاتياتِ أَسىٰ

مادَاهَنتهُ الرّيحُ لا..انزَلقا ! 


يَربو على الأَوجاعِ ..مُبتَسما

 والغَيبُ غَيثٌ آثرٌ  .. رَفقا


  ياسَيّدي صَبرُ الكريمِ نَدىٰ

 اللّؤمُ يَشكو دَائما  .. نَزقا ! 

.. بقلم

//هادي مسلم الهداد//



* أحلام القمر... بقلم سميربن التبريزي الحفصاوي

 *  أحلام القمر...   


ظهرت ومضا ثم غابت

لفها هام الغمام...

وتوارت  في متاهات السحر

وتهادت تسحب النور

من شجوني ومن جفوني

من أحلام  عيوني...

من براءات الطفولة...

تتخفى  في السحاب 

بين همسي وظنوني 

عند لمح للبصر

كعرجون قد تقادم وتخفى

خلف أغصان الشجر...

  ياجمال النور الحالم

حين غطيت الربى... يا قمر...

آنسينا إبعثي النشوة فينا

 وٱصنعي فينا السمر...

كم وهمت  بأحلام الطفولة

حين أرنو للنور أنتشي...

أبني بالوهم  خيالا

و قصورا  في المدى

من ليال الشرق...

في سهاد الشوق أنثني

مثل طير يحتضر...

 أنا يا غريبا في الدجى 

 ضائعا في متاهات العمر...

أعشق وحدي  النور وأنام

 وكل من حولي نيام

أغمض العين أرى....

عبقا من أمسي الجميل

ذكرياتي في دروب أيام القرى

حين كانت تعمر ذات يوم 

بالناس الكرام...

وحيدا أبحث في تلك الروابي

عن عش في حقول اللوز...

أقتفي في ليلي العريق

سحر  أنوار القمر 

وظلال هامات الغمام

أبحث عن بيوض في المرج

أقتفي باقي الأثر...

 أبحث عن  سرب  طير وحمام

وحبيب قد هجر...

حين طار ذات يوم للشمال 

وخلى العش منه  والنوادي 

وٱعتلى درب السفر...

حدثت نفسي من وحدتي

ذات ليل...

حين همت بالقمر

رافعا عينايا نحوه أناجي

 ذلك الوجه البهي

ذلك الطيف القصي

إنه صعب المنال...!!!

مادهاني للغرام..؟

أنا الطفل وكل أحلامي عش

فيه بيض وفيه فرخ...

كل أحلامي في البر زهر

وثغور وعطور...

ما دهاني للقمر...؟!

أنا الطفل الفقير...

حافي القدمين في الهجير

أهفو كالفراش 

حين أيام الصبى...

و أديم الأرض فراشي

ليس قطنا وحرير

ليس من ريش النعام ..

كل أحلامي...

 أن يظل المطر يهمي

وأرى قطر الندى 

 على مروج الصباح 

وأرى   في ليلي السلام

حينما يهمي المطر

أيها البدر العصي الراكض

خلف  أصواف الغمام 

ساحرا أنت جمالا...

راسما في غربة ليلي وٱشتياقي

مشهدا في أبهى الصور

وهمت بأحلام الطفولة فيك

وحصانا كالبوراق...!!!

وبياضا ورياحا وجناح...

ورسمت في مدى الأنوار قصرا

وخمائل ورياض...

وحدائق وأميرة

عند الشرفة تنتظر...

وحلمت بأحلام الطفولة والصبى

كلما سافرت في متاهات السماء

 كلما ٱكتمل في عيني القمر...


       -سميربن التبريزي الحفصاوي-🇹🇳

       -(( بقلمي))✍️✏️



مرّت كطيفٍ زائر، بقلم الشاعر محمد علي الفرجاوي

 مرّت كطيفٍ زائر،

لا يُقيم طويلًا في الأمكنة

ولا يترك وراءه

سوى ارتباك

 الضوء.

انتظرنا اللقاء

كما يُنتظر

 ف المعنى

في آخر الجملة،

لكنها اختارت

 الرحيل

قبل أن تكتمل الفكرة.

لم يكن الغياب

قسوةً،

بل فلسفةً أخرى للعشق:

أن تحبّ

 دون أن تمتلك،

وأن تنتظر

دون وعد،

وأن تفهم

أن بعض القلوب

تأتي لتُوقظ

 السؤال

لا لتمنحه

جوابًا.

رحلت دون

وداع

لأن الوداع اعترافٌ بالانتماء،

وهي كانت أعمق

 من أن تُنسب،

وأخفّ.

من أن تُمسك.

تركتنا نعيد ترتيب الشوق

كمن يعيد قراءة كتابٍ

حُذفت صفحته الأخيرة

 عمدًا.

هكذا كان عشقها:

رحلة بلا محطة،

وحضورًا يُعلّمنا

أن بعض الغياب

أكثر صدقًا

من كلّ اللقاءات


محمد علي الفرجاوي



امتنان يوقظ الأذهان بقلم الشاعر أحمد محمد حشالفية

 امتنان يوقظ الأذهان 


أمسكت الجريدة وبها مقالة

تنفض الغبار عن رجل له مقام

اسمه كاسم الرسول وهو قامة

من عائلة بايو ذوو نسب كرام

بدأت بوصفه فانتابتني فكرة 

أحروفي تفيه وتكن له وسام؟

أختار من الأوصاف كل عبارة

ترثيه وقلوبنا من فقده ضرام

بدأت بالكتب باحثا عن بصمة

أو خل عايشه أقتنص منه كلام

فما وجدت إلا نسخة لمقالة

كتبها أديب أصيل له منا احترام

قرأت المقال مرة من بعد مرة

عساه يسعفني ويتحرك الإلهام

نظرت إذ بوسط المقال صورة

لرجل سمح الوجه زينه الهندام

مستدير الوجه إطلالته مشرقة

نظرته بها الهمة والعزم والإقدام

العلم ينبض من محياه معرفة

تمليه العيون وتحرره لنا الأقلام

أقنى الأنف والفم يخفي بسمة

أبية منعها إباء شامخ كأنه الهمام

منح الجميع عطاء وليس منة 

يشهد له طالب ومدرس وإمام

يدرس هذا ويوجه ذاك بنصيحة

حازم وجاد ومن المقصرين ملام

أقام أسس التعليم دون هوادة

مسخرا سيارته ليحفظ بها الدوام

أدى المهمة بلا تقصير ولا غفلة

خرج منه سالما فحسن له الختام

رحل ولم يجد من الجميع لفتة

بفضله زاد بالبيوت الطعام والإدام

رحمك الله يا شهما ولك حسنة

من كل قلم أمسكته سبابة وإبهام

كنت مخلصا وليس بعملك منقصة

مثال يقتدى به لا دعاية ولا إعلام

أبياتي صدقة لروحك دون مزية

وحروفي هبات تزد لذكراك إسهام

إن وفقت فيه فحمدا دون مذمة

وإن لم أوفق  فمن العقلاء لا ألام


بقلمي

أحمد محمد حشالفية 

الجزائر



حلم بقلم الكاتب محمود البقلوطي تونس

 حلم

زارتني شاعرة في المنام


وقالت لي  


في عناقك لكلماتي راحتي


ومن منبع دلالاتها ارتوي


ومن عطر معانيها انتشيي


تلامس وجداني وتتغلغل


في جيوب كياني....


قلت لها  :


كلما قررت أن أنسى مدادي


حضر طيفك ودق على فؤادي


وكلما فتحت بلهفة فؤادي


رق قلبي وقلت من المنادي


محمود البقلوطي تونس



المهرجان الدولي للقصور الصحراوية: إرث الأجداد..وطموح الأحفاد.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 المهرجان الدولي للقصور الصحراوية: إرث الأجداد..وطموح الأحفاد..

في أعماق الجنوب التونسي،حيث تمتزج روعة الصحراء بأسرار التاريخ،سيُقام قريبا "المهرجان الدولي للقصور الصحراوية" بتطاوين،كعرس بهيج يحيي تراثا عريقا ويطلق طاقات جهة غنية بإرثها الثقافي والإنساني.هذا المهرجان ليس مجرد احتفالية عابرة،بل هو منصة حضارية تعيد للقصور الصحراوية روحها،وتفتح نافذة على عالم من السحر والجمال،يساهم في تنشيط المنطقة اقتصاديا وسياحيا وثقافيا.

وتعتبر القصور الصحراوية في تطاوين إرثا معماريا فريدا وذاكرة حية لتجارب إنسانية متكيفة مع بيئة قاسية.هذه القصور،التي بناها الأجداد بحكمة بالغة،لم تكن مجرد مساكن،بل كانت مجتمعات متكاملة تضم مساكن ومخازن وغلال ومرافق جماعية،تعكس نمط عيش تعاونيا وروحا جماعية متينة.هي شاهد على حضارة صحراوية عريقة تجسد التكافل والابتكار في استخدام الموارد المحلية.وصون هذا الإرث هو مسؤولية تاريخية وأخلاقية،والمهرجان يأتي كأداة حيوية لإبرازه والتعريف به عالميا.

في هذا السياق،يقوم هذا العرس المهرجاني بدور حيوي في تنشيط جهة تطاوين على مستويات عدة،فهو يجذب آلاف الزوار والسياح،مما ينعش القطاعات المرتبطة مثل الفنادق والمطاعم والحرف التقليدية والنقل،ويفتح أفاقا للاستثمار في المجال السياحي والخدمي.كما أنه يضع تطاوين على الخريطة السياحية العالمية كوجهة للسياحة الثقافية والبيئية،مما يساهم في تنويع المنتوج السياحي التونسي.ويتحول بالتالي  إلى فضاء لإحياء الموروث الغنائي والموسيقي والفني والرواية الشفهية والأزياء التقليدية،ونقلها للأجيال الجديدة وللزوار.كما يوفر مناسبة للفرحة واللقاء وتمازج الثقافات،مما يقوي النسيج الاجتماعي ويحسس سكان الجهة،خاصة الشباب بالفخر بهويتهم.

وهنا أقول : لكل مرحلة تاريخية رجالها،وجهة تطاوين اليوم بأمس الحاجة إلى طاقات أبنائها الشباب لقيادة دفة هذا المهرجان الحيوي نحو آفاق أرحب.

على هذا الأساس،فإن تشبيب الهيئة التسييرية للمهرجان بوجوه شبابية فاعلة ومبدعة وذات رؤية،ليس خيارا بل ضرورة  لتجديد الأفكار،وإدخال أساليب تنظيمية وإعلامية وتقنية حديثة تواكب العصر.إذ أن انخراط الشباب يضمن استمرارية المشروع وارتباط الأجيال الجديدة به.كما لا يمكن لهذا الحلم أن يتحقق إلا بتضافر جهود كل مكونات المجتمع في تطاوين،بجمعياته الثقافية والتنموية،كقوة اقتراح وتنفيذ وتعبئة.مع ضرورة توفير الدعم اللوجستي والمالي والإداري وتسهيل المهام.

وهنا أؤكد،أن المهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين هو أكثر من احتفال،هو مشروع تنموي متكامل ورسالة ثقافية إلى العالم. والنجاح في المرحلة القادمة يتطلب شجاعة في تسليم الراية لطاقات شبابية واعدة،مع الحفاظ على الحكمة التراكمية،ودعم هذا المسار بتعاون وثيق بين كل الأطراف.بهذا،نضمن أن يظل هذا المهرجان منارة ثقافية،وصانعا للفرص،ووسيلة للأجداد ليمرروا إرثهم إلى أحفاد فخورين قادرين على تطويره وإشعاعه.

وهكذا،بين جدران الطين التي حفظت همسات الأجداد وحكايات القوافل،يصحو الماضي بلغة الحاضر.إذ ليس المهرجان مجرد احتفاء بحجارة صامتة،بل هو إيقاظ للروح التي تسكنها،وتحويل الذاكرة إلى حلمٍ مشترك.إنه الوشاح الذي يربط بين حكمة السنين وطموح الغد،بين صبر الصحراء وحيوية شبابها.فهنا،حيث تلتقي العروق بالنجوم، تُنسج ليس فقط أيام احتفال،بل مستقبلٌ ينبض بثقة واثقة،أن التراث ليس قيدا للماضي،بل هو جناحٌ يرفع الوطن إلى آفاق أرحب،وجذر يمد أغصانه لتحتفي بها كل حضارات العالم.

على سبيل الخاتمة :

بهذه الربوع الشامخة ( تطاوين)،حيث تختزل القصور القديمة حكايات الأجداد وعبقرية التكيف مع البيئة،يُعدُّ "المهرجان الدولي للقصور الصحراوية" بتطاوين أكثر من مجرد احتفالية عابرة.فهو بمثابة جسر بين الماضي والحاضر، ومنصة تنبض بالحياة لإحياء تراث معماري وإنساني فريد،وتحرير طاقات ثقافية واقتصادية كامنة في ربوع الجنوب.

 انطلاقا من هذا الرؤية،يأتي المهرجان ليكون رسالة ثقافية إلى العالم،ودعوة لإعادة اكتشاف هوية مكانية جمعت بين جمال الطبيعة وحكمة الإنسان،وسعيا لتحويل الذاكرة إلى مستقبل مشرق يتشاركه أبناء المنطقة وزوارها.


متابعة محمد المحسن



💖عهد المحبة💖 بقلم الشاعرة سعاد الحائك مدنين

 💖عهد المحبة💖

كان    صوتك   زمان 

يلون   سماء   الأيام

كان   وجودك   امان

يطفئ  نار   الحرمان

طال  انتظاري    لكن 

انت   خيال     وكان

رحل  مع       الأيام

كان    صوتك    وتر

يعزف  لحن    القدر

كان   جرح    ودموع 

ساكن  بين   الضلوع

لاكن صعب   الرجوع

بعد    الحزن    يكون

غير     كسر     القلب

وهذا   ثمن      الحب

كان     انتظاري     مر

حنضل    طعم   الصبر 

ضاعت   سنين   العمر 

راحت  مع     النسيان

هذا   الهوى    ومكان

كان   غرام       ولهفة

فعيونك  ما      يخفة 

لحظة   حنين   وصدفة

غيرت   مجرة    القدر

كان     احلى      حلم

مرسوم  على  الجفون

مكان   يوم      يهون

ماخان   القدر    لاكن

طبع    البشر    يخون

انت الى بعت  وخنت

بعت   فرحتي  ورحلت 

على   حلمنا     تنازلت

وانت    عليا         قلت

في بيت   القلب سكنت 

ولا    سكنتُ      لغير ي

عهد   المحبة      خنت


الشاعرة سعاد الحائك مدنين



السقف الأحمر بقلم الكاتبة هادية آمنة

 السقف الأحمر

ليس مجرد عنوان لروايتي ، بل هو  رحلة شائكة وصعبة عبر أسقفٍ متراكبة تُحكم الإطباق على الإنسان؛ سقف السلطة الذي يتفيّأ به الشعب ظاهريًا بينما يخنقه في العمق، وسقف المجتمع الذي ترزح تحته المرأة محمّلة بأثقال التقاليد والوصاية، وسقف القيود الدولية التي تُعاد بها صياغة المصائر وفق خرائط لا ترحم، وصولًا إلى السقف الأكثر التباسًا وخطورة: سقف النوازع والغرائز الجسدية، ذلك القيد الخفي الذي يكبّل التصرفات ويشوّش الإرادة، فينساق البشر إلى تجارب عسيرة وملتبسة، لا تعد بالخلاص بقدر ما تكشف هشاشتهم أمام الرغبة والهيمنة معًا. في هذا التراكم الخانق، يغدو السقف الأحمر فضاءً للاختبار القاسي، 

تُقاس فيه الحدود  والخطوط الحمراء

هادية آمنة

تونس



لحن الخلود بقلم الكاتبة عائشة ساكري – تونس

 لحن الخلود

تسألني من أنا؟

أنا ابنة الصمت حين يصير لغة،

وعشقٌ يتخفّى في نبرةٍ مرتعشة.

أنا قيثارةُ زمنٍ متعب،

أمدّ أصابعي على أوتار الذكريات

فتنزلق الألحان حزناً شهيّاً

يطرب الروح قبل السمع،

ويأسر شغاف القلب دون استئذان.

كلما اقتربت همساتك مني

استيقظ الحنين في دمي،

يطوف بي، يسرقني منّي،

ويعيدني إليك

كأنك البداية وكأنك المنتهى.

أنا براكين عزفٍ لا تهدأ،

ولحني الشجيّ

يملأ سكون هذا الليل السرمدي،

يشقّ عتمته

ويترك فيها ندبة ضوء.

فانتظرني يا نبضي،

حين أبلغ ذروة الصمت

وأتجاوز وجعي،

سأعزف لك

لا لحناً عابراً،

بل نشيداً يولد من الاحتراق،

لحن الخلود

الساكن في الوريد

ما دامت الروح تنبض

وما دام الحب

يعرف طريقه إليك.

بقلمي: عائشة ساكري – تونس



قصيدة بعنوان *** ربما هي مرحة وصاخبة .. وأنا بقلم الشاعر // محمد الليثي محمد ... مصر ... مدينة أسوان .

 قصيدة بعنوان ***   ربما هي مرحة وصاخبة .. وأنا

ماذا على أن أفعل ؟

عندما أعشق امرأة 

تعشق الفجر

تبكي حين أبكي

وتفرح لجناح الحمامة

حين يطير فرح

كأنها جاءت من عالم آخر

تحمل كل الجمال

بلا هدف ، تعطي 

وتعطي .. رائحتها لحلمي

كيف تشكل الفرح

في جنبات القلب  ؟

 كأنها سلة موسى

حين جاءت بطفل يبتسم

في وجه امرأة فرعون

من يستطيع الرؤية 

في عرس الشمس

جذبني الهواء بهدوئه الجميل

إلى هواء العشق 

حين قرارات التخلي

عن نعمة الحياة

الى شراء الرضا

وضعت أفكاري 

في حجرة الدرس

وقبل أن تبدأ أول حصة

هربت من نفسي

ذهبت إليها حافي

من عقلي وإرادتي

في أن يكون لي فعل

مستسلما لذلك الصوت

الذي يخرج 

             من أحشاء الأرض

                                 من أطراف القرى

تشرب شاي

على ضوء شمعة

انتظرتها  تقول

إن العمر قصير

وأن الكراهية

شجرة .. تنموان

بين ساعات الغضب

وأن المكان يتسع

للحب وقتل العصافير

ربما كنت أحلم بالوجود

في خانة الاهتمام

كأنني مطر سقط في صحراء

ليس فيها أحد

يسير

ولم تستقبله فرحة الأطفال

كل شيء يوجعني

مادمت أفقد حريتي

في أن أفعل ما أريد 

كنت فرحا  بقيدي

متذمرا من وجودي

حول صوت يأمرني

ويحملني  ويطير

إلى العدم

كأنني أمضي إلى موتي

فرحا بغيابي عن واقعي

 في أن أعيش مع خوفي

من فكرة الرحيل

*****0000000************************

بقلم الشاعر // محمد الليثي محمد ... مصر  ... مدينة أسوان .



الاثنين، 19 يناير 2026

تأملات في لوحة غلاف ديوان الشعر " اما بكِ الانتظار قليلاً" للشاعر محمد الهادي الجزيري بقلم الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳

 تأملات في لوحة غلاف ديوان الشعر " اما  بكِ الانتظار قليلاً" للشاعر محمد الهادي الجزيري

القراءة :  

 انطلاقا من مقال الناقد سالم العڨربي و الذي قرب منا الديوان و كأنه بين أيدينا نتصفح ما ورد به من قصائد جلبني العنوان و لوحة الغلاف.

فيها من البساطة و العمق : لم تتعدى الثلاثة ألوان : الأسود و الرمادي و الأزرق القريب من الأخضر بخلفية بيضاء حتى يبرز الموضوع الرئيس .

الملامح العامة للوحة الغلاف: 

إمرأة بشعر طويل يمسك بيدها أحدهم بينهما اللونين الرمادي و الأزرق القريب من اللون الأخضر .

تحدثنا اللوحة في حوار بين هروب المرأة و تمسك الآخر بها (الآخر لغياب الملامح) في اتجاه مبهم لأن الرسام لم يرسم أمامها و لا شيء ، حتى الريشة طمست الملامح ، اكتفى برسم محيط الوجه و شعرها الطويل بثوب خفيف دلالة على الزمن الذي همت فيه بالمغادرة (فصل حار كنهاية للربيع و بداية الصيف) .

كانت القبضة قوية ( قبضة الآخر) و هو متمسك بمعصمها، فيها من الرجاء و الترجي الكثير يُختصر في كلمة " لا تذهبي" ، فحاجته ملحة بأن تبقى معه.

بينهما مسحة الفرشاة بلون رمادي و الأزرق المائل للإخضرار.

دلالات اللون الرمادي :بين القوة و التوازن ، بين الاكتئاب و الخسارة و الإحباط ، بين الغموض و التعقيد لكن يستمد قوته من اللون الأسود.

الأزرق القريب من اللون الأخضر: هو اللون الفيروزي أو الأكوا ؛ لونان متناظران يقعان بجوار بعضهما ، يرمز إلى التوازن و الراحة و الاسترخاء .

اللون الأسود الذي رسم كل محيط اللوحة : القوة و الثقة .

حزم القراءة : 

انطلاقا مما تقدم يتضح من لوحة الغلاف أنها ملخص لما جاء بالديوان و ما جاد به قلم الناقد ، الشاعر محمد الهادي الجزيري ضمن ديوانه مشاعر و أحاسيس بين حالة فقد يعيشها و حالة ماضية كانت مستقرة ( انطلاقا من دلالات و رمزية ألوان لوحة الغلاف ) .

فالعلاقة بين العنوان و اللوحة علاقة تناغم رغم ما حمله من استعطاف و توسل " اما كان بكِ الانتظار قليلا" .

فعلا هذا النداء كان موجه للأنثى التي غادرت حياته و هو في أمس الحاجة لوجودها في حياته .

أبدع الرسام في رسم شخوص الغلاف فقد كانت تُشبه الأطياف التي تمر بكل واحد منا غادره عزيز و تمنى في سره لو بقي أكثر وقت معنا . كانا يستمدان القوة من بعضهما ( دلالات اللون الأسود ).

هذا ما أوحت لي به لوحة غلاف ديوان الشعر " أما كان بكِ الانتظار قليلاً" للشاعر محمد الهادي الجزيري 

بقلمي 📝 سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳



القدسُ أغلى وتفديها الجراح بقلم طاهر مشي

 القدسُ أغلى وتفديها الجراح

ااااااااااااااااا ااااااااااااااااا  

فَما لِلْقُدْسِ نِدٌّ فِي سَنَاهَا

وَمِنْ نُورِ السَّمَا يعلو… ضِياها


تَصِيحُ جِرَاحُها وَبلَا مُجيبٍ  

وَتَخْنُقُ صَمْتَها …..حتّى  بُكَاهَا


وتَبْكِيهَا البُحورُ مع القوافي 

وتطلبُ نَجدَةً تُعلي…. شَذاها


تُحرِّرُ (صَخْرةً)وتُعيدُ (أقصى)

يعودُ المسلِمونَ إلى… ذُراها!


وَيَحْمِلُهَا الأَذَانُ عَلَى نِداءٍ

يُبارِكُ لَيْلَهَا حَتَّى ……ضُحَاهَا


وَفِي الأَقْصَى طُفُولَةُ حُلْمِ شَمْسٍ

يُعَانِقُ فَجْرُهَا  دَوْماً  خُطَاهَا


إِذَا سَقَطَتْ يَدٌ قَامَتْ بِأُخْرَى

وَمَا انْكَسَرَتْ جِبَالُها في عُلاها 


دماءٌ للشّهيدِ بِكلِّ دَرْبٍ

تُنادِي ربَّها فاقبَلْ ……دُعاها


لِتَحفَظْ أقصَى والصّخرا وقُدساً

بِلادَ العُربِ ، ولْتهْزِمْ .. عِداها


سَتَبْقَى القُدْسُ  عاصِمَةً لِعُرْبٍ

وكلِّ المسلمين فهَلْ نَراها؟

اااااااااااااااا

طاهرمشي



ق ق ج «حُلم قرصان» بقلم الكاتبة فاطمة حرفوش _ سوريا

 ق ق ج

«حُلم قرصان»

           بقلمي فاطمة حرفوش _ سوريا 


جريءٌ بوقاحته،

إخطبوطٌ تعبث يداه بكل شيء،

وعيناه تلتهمان كلَّ ما لدى غيره.

يومِئ بإصبعه،

فيهرول الجميع نحوه مذعورين،

يزبد ويعربد،

فتنهمر فوقه الثروات.


يشعل حروبًا،

ويعلّق على صدره وسامَ السلام.

وفي يومٍ ما

حلم بجزيرة الكنز،

فقذفته أمواج بحرها الأسود إلى القاع.


على شاهدة قبر

خُطّ بقلمٍ ذهبي:

هنا يرقد

عاريًا…

عبدُ مال فقير.



كنّا صغار ... بقلم الأديب د. قاسم عبدالعزيز الدوسري

 كنّا صغار ...

كان يحتضننا القمر..

لانعلم  بحقد البشر

نجهل ما يحيط بنا

نجهل مايكفي القمر...

عشنا معاً...

الحب نزرع معا..

والعطر فواح إنتشر..

الآن في نفس الطريق

نشعر في عجزٍ وضيق

لانعرفُ ماذا حصل..

الحقد بسرعة البرق هبط..

مثل المطر...

كي نفترق...

لكنه حين التقى فينا 

إنكسر...


قاسم عبدالعزيز الدوسري



نافذة مفتوحة..على الإبداع التونسي في أبهى تجلياته..) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 نافذة مفتوحة..على الإبداع التونسي في أبهى تجلياته..)

د. طاهر مشي: شعلة إبداع تتوهّج من مدينة مهد الثورة التونسية المجيدة..لتُثري المشهد الثقافي العربي


تصدير :

تكمن ضرورة تكريم المبدعين والاحتفاء بإنتاجاتهم الثقافية والشعرية والأدبية في كون هذا التكريم ليس مجرد رد جميل،بل هو استثمار في رأس المال الحضاري للأمم.فالمبدع مرآة مجتمعه وعصارة روح زمنه،وتقدير عطائه يشجعه على المزيد من العطاء،ويرسخ قيمة الإبداع في الوجدان الجمعي،ويحفز الأجيال الناشئة على السير على الدرب نفسه.كما أن الاحتفاء بالإبداع يسهم في حفظ التراث الثقافي ونقله للأجيال القادمة،ويؤكد أن الأمم لا تقاس بثرواتها المادية فحسب،بل بما تنتجه من فكر وأدب وجمال يخلد وجودها ويغني الإنسانية جمعاء..


عندما تُذكر سيدي بوزيد،تثور في الأذهان صورة شرارة الثورة التونسية الخالدة التي غيرت وجه التاريخ.ومن هذه الأرض الطيبة نفسها،أرض الثورة والعطاء،انبثق صوتٌ أدبي شجيّ،وُلد من رحم المعاناة والأمل،ليُثري المكتبة العربية بإبداعات متنوعة في الشعر والقصة والنقد.إنه الشاعر والكاتب التونسي الكبير د-طاهر مشي،الذي حمل همّ وطنه وأمته على جبينه،فجاءت كتاباته صادقة نابضة،تعانق وجدان الإنسان أينما كان.

من سيدي بوزيد،منبع الإبداع والثورة

تنحدر جذور د.طاهر مشي..من هذه المدينة الشامخة التي تُعدّ مهد الثورة التونسية المجيدة، وأرض البهاء والعطاء والتجلي،تشرب هذا الشاعر والكاتب السامق ( د-طاهر مشي) من تراب الأرض معاني الصمود والكرامة،فانعكست في نتاجه الأدبي روحٌ ثائرة على القبح والظلم،ومتطلعة نحو الجمال والحرية..

إن ارتباطه بهذه المدينة ليس مجرد علاقة مكان فحسب،بل هي هوية وروح تغذي إبداعه،مما يجعل تكريمه اعترافا بتلك الأرض الخصبة التي أنبتت ثورة خلّادة وأدبا خلاقا..

يتميز مشروع د.طاهر مشي الأدبي بـالتنوع والغنى،فهو شاعرٌ مرهف،وقاصٌ بارع،وناقدٌ ذو بصيرة.

في الشعر،لا يمكن للقارئ إلا أن يقع في فتنة قصائده التي تمتاز بلغة شفافة واضحة،بعيدة عن التعتيم والغموض المُفتعل.إن شعره "عمليّة استشهاد على الورق"،حيث يمتزج الإحساس الوجودي العميق بالالتزام تجاه قضايا الإنسان. فتارة يكون شاعر الحب والعشق،وتارة أخرى يكون شاعر الهمّ الوطني والقضية الفلسطينية،مناحيا على المسجد الأقصى وغزة في قصائد تحمل همّة عالية وحماسة توقد القلوب.لغته الشعرية تستخدم الانزياح والانزياحات الدلالية ببراعة،مما يخلق طاقة جمالية وتأويلية فريدة.أما في القصة والنثر فيبرع د. طاهر مشي في البناء القصصي والحبكة المشوقة.نصوصه النثرية،تُظهر قدرته على استبطان الداخل الإنساني وخلق عوالم سردية مشبعة بالحلم والرمز.إنه كاتب لا يسعى لاسترضاء القارئ،بل يصافح البؤس البشري ويكشف الواقع بألمه وأمله،محافظا على حس جمالي رفيع.

بخصوص رؤيته النقدية والإبداعية،فهو يرى أن "القصيدة الحديثة تحمل أدواتها معها".وهو يرفض فكرة التجريب الشكلي المجرد من المضمون،مؤكدا أن أي ابتكار تقني يجب أن ينبع من صلب النص وضرورته التعبيرية،وأن يكون الهدف تقديم علاقات حديثة مع الحياة الجميلة. هذه الرؤية الواعية تجعله مبدعا يجمع بين الممارسة الإبداعية والفكر النظري الرصين.

هذا،وحظيت أعمال د.طاهر مشي باهتمام نقدي ملحوظ،حيث يرى النقاد أنه شاعر ذو قامة عالية يشكّل تحديا مُرضيا للناقد والقارئ معا.وقد أشرت في قراءاتي المتعددة لأعماله إلى أن تجربته تتميز بـخصوصية تجربة شعرية غنية بالرؤى والدلالات المراوغة،وحياكة جمالية تعتمد على المخيلة الإبداعية والتكثيف،مما يخلق صورا شعرية مؤثرة،تفاعلا خلاقا مع الحداثة مع الحفاظ على الألفة والوضوح التعبيري،وتكاملا بين الأنساق الأدبية داخل العمل الواحد،مما يمنحه تماسكا وقوة تأثير.

هذا الاهتمام النقدي هو شهادة موضوعية على أصالة مسيرته وثرائها،ويجعل الدعوة لتكريمه استجابة لاعتراف نقدي قد سبق وأن نضج.

يتعدى عطاء د.طاهر مشي حدود الإبداع الشخصي إلى العمل المؤسسي التطوعي الرامي إلى إثراء المشهد الثقافي.فهو يشرف على "مؤسسة الوجدان الثقافية"،وهي موقع أدبي إبداعي رائد.إذ تعمل هذه المؤسسة تحت إدارته على جمع خيرة النقاد والمبدعين،وتقديم منصة حرة للتفاعل الثقافي الجاد.هذا الدور القيادي يُظهر التزامه الراسخ بـتكريس الثقافة الجادة كرافد للمجتمع ووسيلة للحوار وبناء الوعي،مما يضيف بُعدا مجتمعيا وإداريا لشخصيته إلى جانب أبعاده الإبداعية.

في ضوء هذه المسيرة الحافلة والمتنوعة،من الإجحاف ألا يحظى د.طاهر مشي بـالتكريم اللائق الذي يستحقه.!

إن تكريمه-في تقديري-هو اعتراف بتونس الثقافة التي تنجب من رحم ثوراتها مبدعي كلمات وفكر،تثمين لمسار أدبي نادر جمع بين الإبداع الشعري والقصصي والرؤية النقدية والعمل المؤسسي،وتشجيع للنموذج الأصيل الذي يرفد الثقافة العربية بقيم الجمال والحرية والانتماء.

إن النداء بتكريم هذا الشاعر والكاتب الفذ (د. طاهر مشي) تونسيا وعربيا ليس مجرد إشادة بماض إبداعي،بل هو استثمار في حاضر الثقافة ومستقبلها*.فهو الذي ظلّ عبر قصيدته وقصته وإدارته،شعلة إبداع دائمة،تسير على طريق الكبار،وتُذكّرنا بأن الكلمة المخلصة تبقى أصدق وأنبل شاهد على عصرها.

والتكريم عطاء مُتجدد لا يتوقّف عند حدود تتويج ماض مجيد،بل هوبذرة تُغرس في حاضر الثقافة العربية وتتعهدها الأجيال بالرعاية والعناية.فالشاعر المُحنّك،برؤيته الثاقبة وعمله الدؤوب،لم يكتفِ بأن يكون قيثارة تونس الحالمة،بل تحوّل إلى مهندسٍ للوعي وحارثٍ في تربة الكلمة الأصيلة التي تثمر جمالا وتحررا وانتماء..

إن مسيرته،التي جمعت بين إشراقة القصيدة ودهاليز القصة ومنطق النقد وحكمة العمل المؤسسي،هي نسيج فريد يتلألأ بكل ألوان قوس قزح الإبداعي،فهو الشاعر الذي يرى بعين السوسيولوجي المجتمع،ويدرك بقلب الأديب نبض الإنسان،مما يجعل إنتاجه سجلا حيا لتطور الذات العربية في علاقتها بالعالم.

إن قصيدة د-طاهر مشي ( وهذا الرأي يخصني) هي مُختبر لغويّ،حيث تُعاد صياغة الذاكرة الجمعية عبر قاموسٍ جديد،وتُستعاد براءة المعنى في زمن غرق في العبثيةواللامعنى.إنه،بكلماته،يرد الاعتبار للغة بوصفها بيت الكينونة ووعاء الحقيقة،في زمن يحوّل فيه "اللاشيء" إلى شيء،والعجز إلى إنجاز وهمي..! فكلماته ليست حروفا على ورق،بل هي صرخة وجود،ومقاومة يومية ضد التسطيح والنسيان.

وفي حقل السرد،يتحول القلم تحت يديه إلى ريشة رسام وفأس عالم آثار،ينقب في طبقات النفس والمجتمع،ليرسم لوحاتٍ إنسانية تعانق الواقع بأبعاده المشرقة والمتألمة،دون أن تفقد أبدا إيمانها بالجمال كقوة تغيير. 

إبداعاته القصصية هي أيضا تأريخ شعري للحظات العادية،مما يرفد المكتبة العربية بنماذج فنية تثري الاتجاه الواقعي وتعمقه.أما الرؤية النقدية والمؤسسية لديه،فهي الجسر المتين الذي يربط بين وهج الإلهام العفوي وصَرامة البناء الفكري.. 

لقد فهم،كحارس للتراث ومنفتح على الآداب العالمية،أن الثقافة شجرة جذورها في الأرض التونسية وأغصانها في الفضاء الإنساني الرحب.

ولذلك،فإن تكريم د-طاهر مشي هو أكثر من عرفان بالجميل،إنه تكريس لنموذج المثقف الكامل الذي لم ينعزل في برج عاجي،بل خاض غمار التأسيس والإدارة والإشراف،ليضمن أن الكلمة الجميلة لا تبقى حبيسة الصفحات،بل تتحول إلى مناخ ثقافيٍ يستنشقه الجميع.إنه الشعلة التي لا تُطفأ،والتي تسير على طريق الكبار لتضيء طريق من يأتي بعدها،وتذكرنا بأن الكلمة المخلصة،عندما تجتمع فيها قوة الشعر وعمق القصة وصرامة الفكر،تصبح فعلا أصدق وأنبل شاهد على العصر،

وأقدرها على تحمل أمانة المستقبل.


متابعة محمد المحسن


*ملحوظة : الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي، شاعر عفيف النفس،ذو كرامة أدبية عالية،لا يطلب التكريم ولا يسعى إلى الأضواء.إذ نراه يُبدع في صمت،بعيدا عن زيف الشهرة وعن الألقاب الزائلة، مخلصا لفنه ولفكره..وما أثرته في سياق المقال،أملته مسؤوليتي الضميرية تجاه المبدعين وحملة الأقلام ليس إلا،إذ تفرض الحيوية الإبداعية للمشهد الشعري والأدبي في تونس والعالم العربي تكريم مبدعيه المتميزين تكريما يُعلي من قيمتهم،ويُحفِّز روح الإبداع.وهذا التكريم-كما أشرت-ليس منّة أو هبة،بل هو واجب ثقافي وأدبي واجتماعي،يُقِرّ بالجهد الفكري والفني الاستثنائي،ويُشكِّل اعترافا موضوعيا بتأثير إنتاجهم في صقل الهوية وإثراء المخيال الجمعي. كما أن هذا التقدير يشحذ عزائم المبدعين، ويمدّهم بالطمأنينة الرمزية والمادية أحيانا، لمواصلة العطاء،مما يضمن استمرارية تدفق الإبداع وتجذيره في الواقع الثقافي،فهو استثمار في الفكر والجمال،وحفظ للحضارة من الزوال.

وأرجو أن تستساغ ملاحظتي جيدا..وأن لا يقع إخراجها عن سياقها الوضوعي.



"حين يسقط القناع" بقلم الكاتبة أحلام العفيف تونس

 "حين يسقط القناع"

ما خُنتُ ودّك ولكن خانني زمني 

كم كنتَ قريبا منّي حين أبعدتني 

أعطيتك القلب سلطانا بلا حذر 

فكنت أوّل من بالخذلان آذيتني 

حسِبتُ صدقك عهدا لا آنفصام له 

أخلفت وعدك و بالغدر أوجعتني

لبستَ ثوب الوفا زيفا لتأسرني

سينكشف الزّيف الذي به أوهمتني

ما كنتُ ظلاّ ولا عابرة في دفاترك 

كنتُ الحقيقة ولكنك بالظلّ أبدلتني

تُجيد وعد الليالي دونما عمل 

كأنّ القول عن المواقف يُغني 

رسمتُ فيك أملا كأنّه الحلم 

ما خلت أنّك بالأوهام خدعتني 

علّمتني أنّ بعض الحبّ مهزلة 

ولم تكن تعلم  أنّك حين قسوت أنقذتني

أنا التي لم تساوم في مشاعرها 

ولا رضيت هوًى يُنقص شأني 

لن أشتكيك فالشكوى صدى العاجز

وحسبيَ صوت صمتي يهمس لِمَ خذلتني؟ 

من لا يصون العهد لا أمان له 

ولو ظننت أنّك بوجه الصدق أقنعتني 

اليوم أخلع عن قلبي بقاياك 

مهما حسبت أنّك بالهوى المذلّ أغريتني 

ستذكر اسمي إذا ماالزّمان غدا 

وتوقن أنّك  خسرتني و ما كسرتني


بقلمي أحلام العفيف تونس


الفجوج بقلم الكاتب رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس

 الفجوج

سأرحل إلى فضائي الصّغير، لا هربا من العالم، بل بحثا عن موطئ قدم داخليّ لم تطأه الفوضى بعد. سأرفع راية التّفرّد والانطواء، لا كقطع مع الآخرين، بل كهدنة مع النّفس، وأسكنني قليلا. أُجهّز أقلاما وأوراقا وقهوة، وأجلس قبالة صمتي، كمن يرمّم بيتا تصدّعت جدرانه من كثرة الضّجيج.

تباعد القوم، واتّسعت الفجوج بين الأفراد، حتّى غدت ممرّات رخوة لعبور الشّياطين؛ لا تأتي بقرون ونار، بل بأصوات مألوفة، تتكلّم على ألسنة النّاس، وتفعل بدلا عنهم. صار الشرّ عاديّا، مألوفا، يمرّ بين الكلمات دون أن يستوقف.

يعترف النّاس بذنوبهم، لكنّهم لا يسدّون الفراغات التي تفصلهم، فيظلّ الشقّ مفتوحا، ويتواصل القول والفعل، كأنّ الاعتراف وحده يكفي لتبرئة المسافات. هكذا غدت العلاقات جسورا دقيقة، شبيهة بمعابر الصّراط؛ رفيعة، مربكة، لا تجتاز بالنّوايا وحدها، بل بالتّمرّس على الإصغاء، وبالشّجاعة اللازمة للاقتراب. ومن لم يحسن العبور، تدحرج في هاوية القطيعة، وسقط في جحيم العداء المجّاني.

الأصل أنّ النّاس متقاربة، متفاعلة، متماسكة، لكن واقع الحال يشهد على تصدّع في الوصل الإنسانيّ؛ تراشق بالكلمات، تسابب بسبب وبغير سبب، انكسار في المعنى قبل الانكسار في العلاقات. لا طمأنينة تستعاد، ولا ألفة تقيم طويلا، كأنّ الاستئناس صار ترفا لا يليق بزمن السّرعة والقسوة.

وفي قلب هذا كلّه، يقف الوطن لاهثا، يلتقط أنفاسه بصعوبة. تتراكم في جسده النّفايات الأخلاقيّة، وتنسدّ أوعيته الدّمويّة، فلا يصل الدّفء إلى أطرافه. أبناء الجلدة الواحدة يتباعدون، والدّم الذي كان يفترض أن يكون رابطا يهدر في أسواق رخيصة، ويستبدل برايات عقيمة لا تظلّل أحدا.

ورغم ذلك، لا تهدأ الخطابات الرنّانة؛ تجتاح الفضاءات، تملأ الشّاشات، وتعد بالخلاص وهي تعمّق الشّرخ. الفضاء الواسع لم يعد ساحة لقاء، بل تحوّل إلى مقاطعات متجاورة بلا نبض مشترك، ولا نغمة تضبط الإيقاع. كلّ يغنّي على ليلاه، ويحسب صوته نشيدا وطنيّا جامعا.

ومع هذا، ورغم كلّ هذا الثّقل، لا ينطفئ الاحتمال تماما. فالمسافة مهما اتّسعت، يمكن ردمها بخطوة صادقة، والفراغ مهما طال، قد يمتلئ إذا تجرّأ أحدهم على مدّ يده أوّلا. لعلّ العودة تبدأ من هذا الفضاء الصّغير، من عزلة واعية تعيد ترتيب الدّاخل، ومن كلمة أقلّ حدّة، ومن إصغاء لا يقاطع. لعلّ الأمل ليس صرخة كبرى، بل تمرين يوميّ على القرب، وبذرة خفيّة تزرع في شقوق هذا العالم، تنتظر فقط من يؤمن بأنّ الوصل ما زال ممكنا. 


رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس


الكَسُولُ... بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف... (تونس)

 الكَسُولُ... 

مِنِّي الـجِـهَـادُ ومِنْكَ الـنَّـوْمُ والكَـسَلُ

قُلْ لِـي بِرَبِّـكَ هَلْ فِي مِثْلِكَ الأَمَـلُ؟

إِنِّـي أَبِيـتُ، طِـوَال اللّيْلِ، مُجْـتَـهِـدًا

أُحَضِّـرُ الدَّرْسَ سَهْلًا، لَيْسَ يُـرتَجَلُ

وَأَعْـصِـرُ الـمُـخَّ فِـي الإعْـدَادِ مُتَّخِذًا

خَـيْـرَ الطَّرَائِـقِ حَتَّى يُـفْـهَـمَ الـمَـثَـلُ

أُفَــسِّــرُ الــدَّرْسَ مَــرَّاتٍ مُــكَــرَّرَةً

وَأَنْـتَ تَـلْـهُـو، أَلَـهْـوٌ خَـيْـرُ أَمْ عَـمَـلُ

كَمْ قَدْ نَصَحْتُكَ فِي مَا فَاتَ، لَمْ تَعِنِي

قَدْ حِرْتُ فِيكَ وقَدْ ضَاقَتْ بِيَ السُّبُلُ

فِي الـحَيِّ، أَنْتَ، كَـمِثْلِ السَّهْـمِ مُنْطَلِقًا

أَمَّـا أَمَـامِي فَـثـَـلْـجٌ، أَنْـتَ، أَمْ جَـبَــلُ؟

عِـلْـمُ الـنُّـفُـوسِ، لَـقَـدْ جَرَّبْـتُـهُ أَمَـدًا

لَــكِـنَّ مـِثْـلَـكَ لَــمْ يُـخْـلَـقْ لَـهُ مَـثـَــلُ.

لَوْلَاكَ مَا شِبْتُ فِي العِشْرِينَ، يَا وَلَدِي

وَمَـا رُئِـيـتُ حَـزِيـنًا، هَـدَّهُ الكَـلـَـلُ.

حمدان حمّودة الوصيّف... (تونس)

"خواطر" ديوان الجدّ والهزل



قصيدة بعنوان *** ربما هي مرحة وصاخبة .. وأنا بقلم الشاعر // محمد الليثي محمد ..

 قصيدة بعنوان ***   ربما هي مرحة وصاخبة .. وأنا

ماذا على أن أفعل ؟

عندما أعشق امرأة 

تعشق الفجر

تبكي حين أبكي

وتفرح لجناح الحمامة

حين يطير فرح

كأنها جاءت من عالم آخر

تحمل كل الجمال

بلا هدف ، تعطي 

وتعطي .. رائحتها لحلمي

كيف تشكل الفرح

في جنبات القلب  ؟

 كأنها سلة موسى

حين جاءت بطفل يبتسم

في وجه امرأة فرعون

من يستطيع الرؤية 

في عرس الشمس

جذبني الهواء بهدوئه الجميل

إلى هواء العشق 

حين قرارات التخلي

عن نعمة الحياة

الى شراء الرضا

وضعت أفكاري 

في حجرة الدرس

وقبل أن تبدأ أول حصة

هربت من نفسي

ذهبت إليها حافي

من عقلي وإرادتي

في أن يكون لي فعل

مستسلما لذلك الصوت

الذي يخرج 

             من أحشاء الأرض

                                 من أطراف القرى

تشرب شاي

على ضوء شمعة

انتظرتها  تقول

إن العمر قصير

وأن الكراهية

شجرة .. تنموان

بين ساعات الغضب

وأن المكان يتسع

للحب وقتل العصافير

ربما كنت أحلم بالوجود

في خانة الاهتمام

كأنني مطر سقط في صحراء

ليس فيها أحد

يسير

ولم تستقبله فرحة الأطفال

كل شيء يوجعني

مادمت أفقد حريتي

في أن أفعل ما أريد 

كنت فرحا  بقيدي

متذمرا من وجودي

حول صوت يأمرني

ويحملني  ويطير

إلى العدم

كأنني أمضي إلى موتي

فرحا بغيابي عن واقعي

 في أن أعيش مع خوفي

من فكرة الرحيل

*****0000000************************

بقلم الشاعر // محمد الليثي محمد ... مصر  ... مدينة أسوان .



اشتعالات..في زمن الحصار بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 اشتعالات..في زمن الحصار

الإهداء:..إلى..تلك المنبجسة من اختلاجات العزلة..والمطلة على مهجة القلب..من خلف نوافذ الرّوح..


تصدير :

في مساحة بين اليأس والرجاء،حيث يُرصَّد الألم بحروف من نور،وتُختزن الأنّات في جرار الصبر، تأتي الكلمات كأنين مُعلَن للكون.إنها حكاية روح حاصرها الجوع والفراق،لكنها لم تفقد قدرتها على العشق،ولم تكفّ عن البحث عن الله في حبة التراب،وعن النور في جنح الضلوع.هنا،حيث يمتزج دمع المدامع بندى الغيم،ويصير الصمت ترنيمة،والصبر إعلان انتماء للريح وللحياة معا..


عتمات الغروب،لها صمتها..

              يفيض به الصبر

حين يحطّ على ليل أوجاعنا..

فنبلّل المدى بالصلاة..

              نعلن عشقنا للرّيح

والإنتماء..

ونردّد لغة لم تبح بسرّها

كلّ المرايا..                                                                       ***

ها هنا،يمتشق الوجد..

غيمة للهدى

ويرسي على ضفاف المدامع..

فتمضي بنا

على غير عادتها..

         الأغنيات

آه من الرّيح تنوء 

        بأوجاعنا المبكيات..

وتسأل الغيم..عسى يغسل رغبتها

بالندى..

عسى ينتشي البدر..

          يعزف أغنية

يبتغيها..

الصدى

فيضيء الصمتُ البيوتَ..

            كي ننام عل ليل أوجاعنا..

نبكي الحصار..وما أفرزته الخطايا

       وما لم تقله المساءات للرّيح..

 وما وعدته الرؤى

          برغيف،لم ينله الحصار..

       كم لبثنا هنا..؟! 

لست أدري..

     وكم أهملتنا الدروب

       وتهنا في أقاصي التشرّد

      وكم مضى من العمر..

   وجع يتلألأ

                     في تسابيح العيون..

وكم ألقت علينا المواجع من كفن..

كي نعود إلى اللّه 

            وفي يدينا حبّة من تراب

وطين يشتعل في ضلوعنا..

ولا يعترينا العويل..

آه من زهرة أهملتها الحقول..

                   وضاع عطرها

يتضوّع بين الثنايا..

كما لو ترى،العنادلَ تمضي لغير أوكارها..

في المساء

تهدهد البحر

            كي ينام على سرّه

كي تنام النوارس على كفّه

قبل أن يجمع أفلاكه للرحيل..                                      ***

  ها هنا في هدأة الليل..

    نلهث خلف الرغيف

نعانق الصّوت

 والصّمت..

      ويمضي بنا الشوق

والأمنيات تمضي..

          إلى لجّة الرّوح

كي لا يتوهّج الجوع فينا..

لماذا أهملتنا البيادر 

        ووهبت قمحها للرّيح..؟!

لمَ لمْ تجيء الفصول

          بما وعدتنا به

وظللنا كما الطفل 

                     نبكي-حصار المرارة-

-حصار الرغيف-

وألغتنا المسافات

                                من وجدها..

حتى..احترقنا

وضاع اخضرار العشق من دمنا

فافترقنا..

تركنا زرعنا..

                في اليباب

تركنا الرفاق..

ربّما يستمرّ الفراق طويلا

وربّما يعصرنا 

الحزن

 والجوع

والمبكيات..

       ألا أيّتها الأرض..اطمئني..

          سينبجس من ضلعك

النّور.. 

والنّار

ونعمّق عشقنا في التراب..

فيا أيّها الطير..

                       يا طائر الخبز تمهّل

ولا تسقط الرّيش من سماء الأماني

سنبقى هنا..

نسكن الحرفَ..

 نقتل الخوفَ..

ونبحث فينا عن الشّعر..

    ونبلّل قمحنا بالعناق

ونرى اللهَ في اخضرار الدروب

   فكم رعشة أجّجتها المواجع

                          في الضلوع

وهجعت على غير عادتها..

الأمسيات..؟


محمد المحسن



الأحد، 18 يناير 2026

عودة الروح في هودج الضباب نص الشاعر محمد علي الفرجاوي

 عودة الروح في هودج الضباب

في هودجٍ

من ضبابٍ كثيف،

معلّق

بين سؤالٍ لم يُطرح

وإجابةٍ

 تواطأت مع الصمت،

عادت الروح

لا كعائدةٍ من سفر

بل كناجيةٍ

 من المعنى الزائف.

كانت تُعيد

ترتيب خرابها الداخلي،

تخلع الزمن

 عن كتفيها

وتترك للذاكرة

 شرف الانسحاب.

الضباب

 لم يكن حجابًا،

بل فلسفةً عابرة

تُعلّم الكائن

كيف ينجو من

 وضوحٍ قاتل.

الطريق

 لم يعد اتجاهًا،

صار حالةً ذهنية

،وكان القلب—

ذلك الأرشيف

السري للوجود—

يقرأ العلامات

 دون حاجةٍ إلى نور.

هناك،

في المسافة

 بين ما كُنّا

وما لم نجرؤ

على أن نكونه،

انحنت الروح

 على ذاتها

لا لتنكسر،

بل لتعيد تعريف

 الاستقامة


نص

 محمد علي الفرجاوي



(سؤال الذات في مرايا الزمن والحنين) قراءة نقدية في قصيدة (من أنا )للشاعر/ أيمن الفالوجي بقلم الأديبة /ھدى حجاجي أحمد

 (سؤال الذات في مرايا الزمن والحنين)

قراءة نقدية في قصيدة 

(من أنا )للشاعر/ أيمن الفالوجي 

»»»»»»»»»»»»»»

بقلم الأديبة /ھدى  حجاجي أحمد 

»»»»»»»»»»»»»»

يأتي نص «من أنا؟» بوصفه صرخةً وجودية لا تبحث عن إجابة بقدر ما تُعرّي حالة التيه الإنساني في زمنٍ متقلّب. منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام سؤالٍ مفتوح، سؤال لا يُغلق بنقطة، بل يتشظّى مع كل سطر، ليغدو النص رحلة داخل الذات أكثر منه محاولة تعريف لها.

يبدأ الشاعر بتحديد موقعه الزمني: «تائهٌ في زمن الماضي، حاضرُ في ذاكرتي»، في مفارقة تُجسّد انفصامًا داخليًا بين زمنٍ مضى ولم ينتهِ، وحاضرٍ لم يكتمل. فالذاكرة هنا ليست وعاءً للذكريات، بل ساحة صراع، يُقيم فيها الحلم بلا أمل، ويطلّ اليأس من ملامح البشر، ليعكس حالة اغتراب شاملة تتجاوز الفرد إلى العالم المحيط.

ويتصاعد البوح حين تتحوّل اللغة نفسها إلى عجز: «أكتب، أتكلم ولا أبلغ مرادي». فالكلمة، أداة الخلاص المفترضة، تفشل في إنقاذ صاحبها، ليبدأ الشاعر بمحاكمة الذات: «هل أنا القاتل؟ هل أنا من قتل الحنين؟». هذا السؤال لا يُدين بقدر ما يكشف وعيًا مؤلمًا بأن الهزيمة قد تكون داخلية، وأن الحب لم يُهزم إلا بعد أن نُزع عنه الحنين.

غير أن النص لا يستسلم لجلده الذاتي، بل يعيد بناء صورة الأنا في بعدٍ آخر: «أنا نبض الحرف، أنا العاشق المتيّم». هنا يسترد الشاعر كرامة البوح، فيجعل من الكتابة هوية، ومن العشق جوهرًا سرمديًا، وإن كان عشقًا ضلّ طريقه وفقد بصره في «زمنٍ حزين رحّال». هذا الزمن المتحرّك، غير المستقر، يُعمّق الإحساس باللايقين، ويبرّر صراع الأشواق بحثًا عن يقين مفقود.

ويبلغ النص ذروة تأمّله حين يخاطب الشاعر ذاته مباشرة: «أيا أنا، أتعرف أنك مجموعة مشاعر في زمن غابر أرهقها الأنين». في هذا الالتفات، تتحوّل الأنا من كيان متماسك إلى فسيفساء وجدانية، تتآكلها التجربة والسنون. ويأتي القلم بوصفه المنقذ الأخير، إذ يُستدعى «مداد القلم» لا ليكتب، بل ليُلبّي نداء المشاعر، وكأن الكتابة فعل طاعة داخلية لا يمكن الفرار منه.

وتظل القافية محمّلة بالحنين، مبعثرة بالأشواق، مثقلة بعثرات السنين التي «دمّرت الحال»، لكن النص لا يغلق أبوابه على اليأس. ففي الختام، يفتح الشاعر نافذة زمنية مزدوجة: «زمنٌ مضى وحاضرٌ آتٍ»، ليبدأ البحث في «رماد العمر» عن فكّ رموز الذات، بعد شوقٍ مُرّ وحنينٍ وصبر.

إن هذا النص ينهض على صدق التجربة، وكثافة الشعور، وتدفّق اعترافي يلامس القارئ دون تكلّف. وهو يؤكّد أن سؤال «من أنا؟» ليس سؤال هوية ثابتة، بل مسارًا طويلًا من المواجهة مع الذات، حيث تتحوّل الكتابة من حروفٍ إلى محاولة نجاة، ومن الحنين إلى شكلٍ من أشكال المقاومة.


القصيدة


من أنا ؟،،،،،،،،،،،،،،،

««««««««««««،

تائهٌ في زمنِ الماضي 

حاضرُ في ذاكرتي

اعيش حلما 

بِلا أمل 

ارى اليأس في ملامح البشر 

اكتب 

اتكلم و

لا أبلغ مرادي 

هل أنا 

 القاتل هل انا من 

قتل الحنين 

بين حنايا القلب 

لأهزم الحب 

انا نبض الحرف  

انا العاشق المُتيَّم 

عشقي سرمدي أضل طريقه

فقد بصره في 

زمنٍ حزين 

مُتقلب الأحوال 

في زمن رَحَّال 

أصارعُ الأشواق 

لأجد اليقين 

أيااا أنا 

أتعرفُ أنكَ 

مجموعة مشاعر 

في زمن غابر 

آرَّ قها الأنين 

يا مداد قلمي 

سطِّر الحرفَ ولبِّى

نداء المشاعر

الحنين يعتلي قافيتي  

ويبعثر أشواقي 

وعثرات السنين 

دمرت حالي

تأمل كتاباتي 

زمنٌ مضَّى وحاضرٌ آتِّ

وابحث في رماد العُمرِ 

بعد شوقٍ وَمُر

وحنينٍ وصبر 

عن فكٍ رموز ذاتي 

«««««««««



متاهات" بقلم الكاتبة فاطمة حرفوش _ سوريا

 "متاهات"

بقلمي فاطمة حرفوش _ سوريا 


تتلاشى من عالمي معالم الطريق،

فأفتش في سلة الأحلام

عن رؤى، سكنت المآقي، 

ولا أجد 

إلا.. رماد حريقْ. 


أبحث عن وجهي في وطنٍ،

فلا أرى إلا غريقاً،

يمسك بيد غريقْ.

كلاهما يبحث عن قشة نجاةٍ

وخارطة سلام ورفيق دربْ


أمشي على حافة الخوف،

فلا أرى إلا أشباح تاريخٍ،

تستعير سيف إرهابٍ، يلوي عنق الحياة، 

ويضرب وجودي ويعبث بصلاتي 

ويقيم مملكةً للشرْ.


أقلب أوراق التاريخ عن مجدٍ، 

فلا أعثر إلا على سراب صحراءٍ،

غمر أوطاناٌ،

وصار ذكرى تطرق القلوب 

بقبضة حديدٍ،

وتصفع وجه الشرقْ

 

تلاحقني عيون الوقت،

وأنا أفتش عن الإنسان

 بأديم الأرض،

فلا أعثر إلا على حطامٍ 

وبؤسٍ وظلمْ.

ويد تزيّف وجه الصدق

وسهام غدر تقصم ظهر العدلْ.

وألسنة خبيثة تلوك سمعته

وتُوسِع وجههه الجميل بالضربْ.


يخذلني الطريق، ويثقل خطواتي، 

فألوذ بزاوية الروح،

وأغمص عيني، 

فينبثق نور ،يشق العتمة 

ويمتد .. 

إلى أرجاء الكون.



في ذكرى الثورة التونسية المجيدة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 في ذكرى الثورة التونسية المجيدة :

الثورة والكلمة: محاولة للقبض على الواقع..خارج عقال اللغة..


الإهداء: إلى الشهداء أكرم ما في الدنيا وأنبل بني البشر،وإلى الشرفاء الأحرار وزينة الحياة،وبناة المستقبل،وإلى حملة الأقلام الذين ارتقوا في الكتابة الحرة المقاومة.


“..وما زال لم يفهم الأغبياء..بأنّ النضال طريق الخلاص..كلا يا تونس..فأنت المحال الذي لايباع..وأنت التراب الذي لا يباع..وأنت السماء والبهاء..وأنت القصاص..”(عن مظفر النواب-بتصرف طفيف)


-هكذا هي الثورات تأتي محملة بالآلام كما بالآمال..وتلك لعبة التاريخ..


كيف يمكن للغة أن تنجو من لغوها،وهي يحك بعضها بعضا،في محاولة -بائسة-للتعبير عما انطبع وينطبع في الذات من مشاعر وخواطر،يثيرها ويركض أمامها حدث الرّوح التونسي الأعظم: الثورة المجيدة؟!

وبعيدا عن التجريد المشخصن الذي آلت إليه كلمة”الثورة”وعن تصدرها قائمة أسهم الخطاب في بورصة المزايدات السياسية،بل بعيدا عما تفجره من تداعيات معنوية وحلمية،أجدني أميل إلى العودة إلى التجسيد،إلى القبض على الشيء والمعنى بالحواس المتأتئة،قبل أن تقنصهما التسمية،وتحبسهما في أقفاصها الرنانة.

ما كنت لأجرؤ على مجازفة كهذه،لولا أنني كنت هنا،على الأرض التونسية التي انتفض لحمها البشري ذات شتاء عاصف من شهر ديسمبر 2010،فشاهدت وشهدت،وإن كانت مشاهدة لم تخرج من حيز الشهود-آسفا-إلى فضاء الإستشهاد.. !

ثمة سؤال آبله يدور في خلدي،قد يصلح ليكون بداية،وإن كانت فجة،للملامسة المقصودة هنا:لماذا يجب على الشعراء أن يكتبوا شعرا أو نثرا،عن الإشراقات الخلابة للثورة التونسية المجيدة؟ !

هو سؤال آبله كما ترون،ولكنه،ككل آبله،يلح في طلب إجابة شافية،وككل أبله لن ترضيه الإجابات المخاتلة،أو تلك المبنية على الركون إلى البدهيات والأعراف.

والوجوب المفترض من الشعراء(أو المفروض عليهم !)-وأزعم أنّي واحد منهم-هو إما نابع من ضمير الشاعر نفسه،من ضيقه بما احتشد في وجدانه من مشاعر وانفعالات صاخبة،لن تهدأ حتى يخرجها كلمات على الورق،أو أنه نابع من إحساس الشاعر بواجبه في التعبير عن مشاعر وانفعالات الآخرين ممن حرموا القدرة على الكتابة،وفي كلتا الحالتين يراد منه أن يكون اسهاما في الفعل الذي جرى على الأرض التونسية-الثورة.

وكأني بالشاعر ما يزال يعتبر نفسه،ويعتبره الآخرون،صوت أمته،وضميرها الحي،الحامل لهمومها وأفراحها وآلامها،المعدد لمناقبها،الممجد لإنتصاراتها،الرائي لقتلاها،الشاتم لأعدائها…وربما هو كذلك،أو كان كذلك،في جاهلية انقضت(أو هكذا حسبناها !)،قبل أن تخرج الأمور عن مجرد نزاعات قبلية بالسيف والرمح على مرعى وكلأ،وقبل أن تتعقد العلوم والإختصاصات،فيتولى آخرون فيما بينهم تلك المهام التي كانت منوطة بلسان الشاعر وفصاحته،وأعني بهم علماء الإجتماع وعلماء السياسة وعلماء الإقتصاد وعلماء التاريخ وعلماء الحرب وعلماء النفس وعلماء الإعلام..حتى علماء الكلام ممن تزدحم بهم –الحوارات-بتلفزاتنا التونسية !

لكن النّاس ينتظرون من الشاعر مثلا،أن يقول ويكتب! وهو في داخله يحس أنّ مهمته هو،دون غيره! وكأنّه راسخ في وهمه أنّ حركة التاريخ،وسيرورة الواقع،ورياح التغيير مرهونة بما سيسيل به قلمه على لوح الأقدار المكشوف،هذه المرة،لا المحفوظ ! وكأننا ما نزال ننظر إلى صراع وجودنا نظرة شاعرية،تستبدل الحركة والفعل الناتجين عن الدرس والتحليل والرصد الموضوعي،بإنثيالات عاطفية،وتهويمات مدغدغة،وبلاغات لفظية،لا تعمل على تحويل الدّم إلى حبر فحسب،بل أيضا على تحويل الشهادة إلى رمز،والألم البشري إلى مجاز !

والسؤال الأبله السابق يلد أسئلة أخرى ليست أقل بلاهة: هل تعدّ قصائد الشعراء وكتابات الكتّاب وخطابات الخطباء مشاركة في الثورة التي أشعلها البوعزيزي واشتعل بها،أم أنّها ليست سوى تعويض مرض عن العجز عن المشاركة الحقيقية فيها ؟

وبسؤال مغاير أقول:هل من شأن هذه الكتابات أن تسهم في تحقيق الديموقراطية وإنقاذ المناطق المهمشة من عقال الفقر وتوفير شروط الأمن والآمان..،أم أنّ جدواها تقتصر على تحرير ضمير كاتبها من وطأة الإحساس باللانفع،وإراحة ضمائر متلقيه من الرهق الذين يرين عليها،بسبب ما تعانيه من شلل شامل..؟!

وحين يستعمل أحدهم لغته لتصوير رمية حجر أو نظرة غضب أو مصرع طفل بتالة..وآخر بتطاوين.. أو نواح أم…هل يكون في روعه أنّ صوره أصدق وأبلغ وأبعد أثرا من صورة الحقيقة التي رآها عيانا،أو عبر ما بثته أجهزة الإعلام صبح مساء ؟!

وحين تعلو أصواتهم بالحمد والتمجيد آنا،والحزن والتفجّع تارة،والوعيد تارة أخرى،هل يحسبونها تبلغ علو أصوات الدم الذي أريق على الإسفلت وحول الحواجز وفي المستشفيات؟

بل هي حين تهدأ أسيانة،هل يرونها تداني الهدوء والأسى اللذين غلفا وجوه الشهداء المرفوعة أمام سماء متخمة بالدموع..؟ !

وهل في ظن أحدهم أنّ أؤلئك البسطاء الواقعيين،ولا أقول الأسطوريين الذين انتفضوا على القهر والظلم والإستبداد،كما ينتفض الجسد الحي تحت وخز الإبر،يقرؤون قصائده أو يفهمونها،أو يتخذون من تكاثرها وتراكمها ذخيرة لهم في مواصلة نضالهم،وهم الذين ما انتظروها حين أشعلوا تلك الثورة الخالدة واشتعلوا بها..؟ !

بسؤال آخر:إذا كان يراد من هذه القصائد والكتابات أن تكون أعمالا فنية جمالية،تسعى،بأدوات دقيقة ومحترفة،إلى استلهام الحدث(الثورة التونسية المجيدة) لتخليده،وجعله عبرة وراقة وجدانية أصيلة،تنفعل بها وتتعلّم منها الأجيال القادمة،فلعمري ألا تكفي قصيدة واحدة،أو بضع قصائد لتلبية هذا المطمح؟.

أجل،إنها أسئلة بلهاء،لا أظنها ترد على خاطر كثير من الشعراء وغيرهم من ممتهني الحرف،وهم ينتظرون هبوب الحدث فعلا،لكي يندفعوا في هبوبه..قولا !

وإذن..؟

أعترف إذا،بأنّ الثورة التونسية الخالدة،جردتني من أدواتي اللغوية والبلاغية جميعها،ومسحت بممحاة واقعيتها كل ما حفظته من كلمات وتعابير،وما خزنته من أسماء وتشبيهات،وأوقفتني هكذا مذهولا مبهوتا،أما حقائقها العارية!

ومن هنا غدت (الثورة التونسية) مبثوثة في الأنساغ كلّها،وعلى من يبحث عن موقع بجوارها،أو في مدى توهّجها أن يعثر على ثورته،لغة ورؤى،وأن يستغيث بها للتحرّر من المديح الذي تورّطت به الثورات العربية كلّها خلال نصف قرن ! وسيبقى السؤال مفتوحا على آفاق لا آخر لها،تنبعث فيها الثورة كالعنقاء وهو..أيهما أنجز الآخر؟ أيهما سينجز الآخر،تونس أم ثورتها.؟

أم كلا الإثنين،سينجزان-تونسيا-حرّا خطوته الأولى على هذه الأرض..تونسية..؟

ويظلّ الانزياح عن المباشرة والخطابية هو التحدي الأكبر أمام المبدع الذي يعايش حدثا استثنائياً كالثورة.فليس المطلوب تسجيل الوقائع بحياد المؤرخ،ولا تمجيدها بابتذال الخطيب،بل استنبات لغة جديدة قادرة على استيعاب رعدة اللحظة وهشاشتها وعنفها الجمالي في آن. 

قد تكون الكتابة الحقيقية عن الثورة هي تلك التي لا تزعم أنها تمثلها أو تخلدها،بل التي تعترف بهشاشتها أمام فوضى الواقع وصمته،وتجعل من هذا العجز نفسه مدخلا للبحث عن صوت أصيل، يكون شهادة شخصية قبل أن يكون خطابا عاما. فهكذا تحافظ الكلمة على اشتباكها مع الحدث الثوري،ليس بالادعاء أنها تساويه،بل بالاعتراف بأنها جزء من رحلته نحو المعنى،بحثا عن تونس جديدة في الجغرافيا والتاريخ والوجدان.

سلام هي تونس..


محمد المحسن