الخميس، 1 أكتوبر 2026

المرأة... حضورٌ لا يختزل بقلم لينا ناصر _لبنان.

 مقالي الذي شاركت فيه في الندوة العربية لمنظمة الأيسسكو

المرأة... حضورٌ لا يختزل 

لينا ناصر  _لبنان.


يتبوأ موضوع المرأةِ مكانةً راسخةً في الذاكرة الإنسانيةِ والأدبيةِ،باعتبارها كِيانًا فاعلًا أسهم، عبر تعاقبِ العصورِ، في صياغة ملامح الحياة وتشكيل وعي المجتمعات. فالمرأةُ لم تكن يومًا هامشًا في سجل التاريخ، ولا مجردَ صورةٍ تستدعيها القصائد حين يتحدث الشعرُ عن العشق، بل كانت وما زالت شريكةً في صناعة التحولات، وحاضرةً في ميادين العلم والأدبِ والفكرِ والعملِ والإبداعِ والنضال.


لقد اعتادت بعض الصورِ الأدبيةِ أن تختزل المرأةَ في كونها ملهمةً للرجلِ أو معشوقةً في قصيدته، حتى بدا حضورُها أحيانًا مرتهَنًا بنظرة الآخر إليها غير أن المرأةَ الحقيقيةَ تتجاوز هذه الصورة بكثيرٍ. فهي ليست فقط من تُلهِمُ القصيدةَ، بل من تكتبُها، وليست فقط من يقف الشاعر أمام جمالها متأملًا، بل من تقف هي أيضًا على منابر الفكر والثقافة، وفي قاعات العلم، وميادين العمل، ومواقع المسؤولية، لتصنعَ أثرَها الخاصَّ وتثبتَ أن حضورَها جديرٌ بالتقدير و  الاحتفاء.


فالمرأة أمٌّ تربي أجيالًا، ومعلّمةٌ تبني وعيًا، وطبيبةٌ تمنح الحياة عنايةً وأملًا، ومهندسةٌ تَرسم ملامح المستقبل، وكاتبةٌ تحمل قضايا الإنسان إلى فضاءات الكلمة، وشاعرةٌ تصوغ من تجربتها لغةً خاصةً، وفنانةٌ تمنح الجمالَ معنىً، وباحثةٌ تفتح أبواب المعرفة، وقائدةٌ تتحمل مسؤولية القرار، وعاملةٌ تخوض يوميًا معارك الحياة بإصرار لا يراه كثيرون.


وفي الأدب تحديدًا، لم تعدِ المرأةُ مجردَ شخصيةٍ تسكنُ النص أو موضوعًا يتغنى به الكاتب، بل أصبحت صوتًا يَكتب، وفكرًا يحلل، وقلمًا يناقش، ورؤيا تعيد قراءة المجتمع والإنسان والحياة. 

لقد انتقلت من موقع المتلقي للنص إلى موقع صانع النص، ارتقت من كونها ملهمةً للقصيدة إلى كونها شاعرةً تمتلك صوتَها وتجربتَها وخصوصيتَها الإبداعية..


وحين نتأمل مسيرة المرأة عبر التاريخ، ندرك أن إنجازاتِها  ثمرةُ صبرٍ طويل في مواجهة القيود الاجتماعية والثقافية، وإصرارٌ متواصلٌ على انتزاع حقها في التعلم والعمل والإبداع والمشاركة. وفي كل مَيدان دخلته، لم تكن تبحثُ عن امتيازٍ يمنحُها مكانةً فوق الآخرين، بقدر ما كانت تسعى إلى أن يكونَ لها المكانُ الذي تستحقُه إلى جانبهم.


إن الحديث عن المرأة لا ينبغي أن يبدأ دائمًا من الحب، ولا أن ينتهي عند الجمال. فالمرأةُ أكبرُ من أن تُختزل في علاقة عاطفية أو صورةٍ شاعرية إنها تجربةٌ إنسانيةٌ كاملة، تحمل في داخلِها القدرةَ على العطاء والمقاومة والتجدد وصناعة التاريخ..


وإذا كان الحب قد منح المرأةَ حضورًا واسعًا في ديوان الشعر العربي، فإن الحياةَ منحتها ميادينَ أكثر اتساعًا لتثبتَ ذاتَها. ففي كل مرة وقفت فيها أمام تحدٍّ، كانت تعيدُ تعريفَ القوة. وفي كل مرة حملت فيها مسؤوليةً، كانت تؤكد أن الأنوثة لا تتعارضُ مع الطموح، وأن الرقةَ لا تلغي الصلابةَ، وأن الحنان يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الإرادة...


لقد كانت المرأة في البيت صانعةَ أمان..

وفي المجتمع صانعةَ تغيير..

وفي الثقافة حاملة مشعل....

وفي الأدب صاحبة صوت..

 وفي العمل شريكةً في البناء.. وفي الأزمات وجهًا من وجوه الصمود...!

ولهذا فإن إنصافَها يكون بالاعتراف الحقيقي بقدرتها، واحترام إنجازها، وإتاحة المساحةِ التي تمكّنها من أن تقدم ما تستطيع...


إن أجمل ما يمكن أن يُقال عن المرأة ليس أنها كانت ملهمةً لرجلٍ كتب قصيدة، وإنما أنها كانت قادرةً على أن تكون صاحبة القصيدة والحكاية والقرار والإنجاز..

هي التي لا تنتظر أن يمنحها الآخرون معنى وجودها، لأنها تصنعُ معناها بوعيها وتجربتها وإصرارها...

لا تقف على هامش المشهد لتصفق لمن يصنعون التاريخ، بل تدخلُ المَيدانَ، وتشاركُ في صناعته، وتتركُ بصمَتَها في صفحاته..


ولعل أجمل ما يختتم به الحديث عن المرأة هو أن نكفّ عن النظر إليها من زاوية واحدة فهي ليست فقط أمًا أو حبيبةً أو زوجةً أو ابنة، وإن كانت هذه الأدوار عظيمة في ذاتها، بل هي أيضًا إنسانٌ كامل الإرادة، متعدد المواهب، قادر على الحلم والعمل والإنجاز وصناعة المستقبل.


فالمرأة ليست حكايةَ حبٍ، إنها حكايةُ وطن، وذاكرةُ مجتمع، ونبضُ أسرة، وصوتُ ثقافة، وقوةُ عمل، ووهجُ إبداع، وشريكةٌ في بناء الغد.


وحين نمنحُها حقها في أن تُرى بكل أبعادها، نكون قد تجاوزنا الصورة التي تحصرها في عيون الآخرين، إلى الصورة الأصدق: إمرأة تَرى العالم بعينيها، وتتركُ فيه بصمةً بيديها، وتكتبُ حضورَها بقلمها، وتصنعُ مكانَها بإرادتها...!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق