من سرق العمرررر
ما أغرب العمر...يمضي أمام أعيننا، ونحن لا نراه ...نستيقظ في الصباح، فنحسب أن أمامنا يوماً طويلاً ، ثم نعود إلى فراشنا ليلاً فنكتشف أن يوماً آخر قد انطفأ، كشمعة ذابت دون أن نشعر...ثم يأتي الغد، وبعده غدٌ آخر، حتى تتحول الأيام إلى خيط طويل من الأمس، وحين نلتفت خلفنا نتفاجأ كيف ذهب كل هذا العمر؟ ونحن لم نسمع صوت خطواته، ولم نشعر بيده وهي تقلب صفحاتنا، ولم نره وهو ينتزع من أعمارنا سنةً بعد أخرى....لقد كان يسرقنا ونحن مشغولون عنه...سرقته منا التسويفات..فنؤجل التوبة إلى غد، والحلم إلى غد، واللقاء إلى غد، والكلمة الطيبة إلى غد...حتى يأتي غدٌ لا يشبه ما وعدنا به.
وسرقتنا الانشغالات؛ كطاحونة تدور طوال اليوم، تطحن ساعاتنا دون أن تمنحنا في النهاية شيئاً يُذكر...نركض من مهمة إلى مهمة، ومن موعد إلى موعد، ومن شاشة إلى شاشة، ثم نكتشف أننا كنا نملأ الوقت، ولم نملأ الحياة.
وسرقتنا الهواتف والشاشات؛ حتى أصبح العمر كالرمل بين الأصابع؛ كلما حاولنا الإمساك به تساقط أكثر...فكم من لحظة كان يمكن أن تكون حديثاً مع أب، أو ضحكةً مع أم، أو حضناً لطفل، أو جلسةً مع صديق...لكنها ذهبت إلى شاشة لا تتذكرنا.
وسرقتنا مقارنة أنفسنا بالآخرين؛
فبدل أن نعيش قصتنا، انشغلنا بمراقبة قصص الناس، وصرنا نقيس بيوتنا ببيوتهم، وأرزاقنا بأرزاقهم، وأعمارنا بأعمارهم، حتى أصبحنا غرباء عن حياتنا نفسها.
وسرقتنا الخوف؛ فكم من حلم دفناه حيّاً لأننا خفنا أن نفشل!
وكم من خطوة لم نخطها لأننا انتظرنا الطريق بلا عثرات! فمضى العمر عبثاً.
وسرقتنا الضغائن؛ فسنواتٌ كاملة قد تضيع لأننا حملنا في صدورنا موقفاً قديماً، ننام ونحن غاضبون، ونستيقظ ونحن نعيد الحوار نفسه في رؤوسنا، وكأننا نمنح من أساء إلينا جزءاً من أعمارنا.
وسرقنا اللهاث وراء المال والمظاهر؛ فنحسب أن السعادة تسكن في الشيء الذي لم نملكه بعد، فنؤجل فرحنا حتى نصل.
ونكتشف أننا واهمون...ولا ندرك قيمة اللحظة إلا عندما تتحول إلى ذكرى... فالعمر يتسرب مثل الماء من ثقب صغير في إناء، قطرةً بعد قطرة، حتى يأتي يوم نحمله فلا نجد فيه إلا القليل..إننا لا ننتبه إلى رحيل اللحظة ....ثم يأتي يوم نتمنى فيه دقيقةً واحدة من الماضي، ولا نستطيع شراءها بكل ما نملك.
يا للعمر...
كم يشبه قطاراً لا يعود إلى المحطة نفسها...وكم يشبه ظلاً يمشي معنا؛ نراه طويلاً حين تكون الشمس في أول النهار، ثم يقصر حتى لا يبقى منه إلا أثرٌ صغير عند الغروب.
فيا من شغلتك الدنيا حتى نسيت عمرك، ارفع رأسك قليلاً ...تأمل وجه أمك...اسمع ضحكة أبيك.
اقترب من أبنائك قبل أن تكبر أيديهم وتصبح أحضانهم أقل حاجةً إليك.
سامح من تحب.
قل الكلمة التي تؤجلها...وافتح بابًا بينك وبين الله قبل أن يأتي يوم تتمنى فيه فتحه ولا تستطيع.
لا تنتظر أن تصبح الحياة مثالية حتى تعيشها؛ فالحياة ليست طريقاً ممهداً ينتظر وصولك،
بل هي هذه اللحظة الصغيرة التي بين يديك....عِش ما بقي، وأحبّ ما بقي، وأصلح ما تستطيع، فما مضى لن يعود...
الشاعرة
فدوى حنا خوري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق