على هامش يوم التراث الفلسطيني *:
الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..
حين يصبح التراث..معركة ضد المحو
"إنّ التّراثَ هَوِيّةٌ وَأصالةٌ خَسِئَ العَدُوُّ يَطالُهُ ……..وَيُصادِرُ
سَلِمَتْ أيادي الكُلِّ ، عاشَ تُراثُنا فِيهِ القداسةُ أشْرَقتْ ……وَمتاجِرُ
أنظُرْ (لِمِنّةَ) في ثيابِ تُراثِنا وتُباهِي فيهِ وتزْدَهي.. ……وَتُفاخِرُ
وكذا نَغَمْ و َأبُو الفوارسِ إخوَةٌ كلٌّ يباهي بالتّراثِ …………فَناظِروا
والكُلُّ يشهدُ أنّنا وَصِغارُنا نبني التراثَ، وفي الفؤادِ …….مِنابرُ
إنَّ التّراثَ ثقافةٌ فاصْدَحْ بِهِا كَيْما تُقاوِمُ سارِقاً…………..وَتُناحِرُ
دَعْوَى إلى الخلّاقِ نحظَى بِعَوْدةٍ فالشّوْقُ يُضني والتّشَتُّتُ …قاهِرُ!.."
عزيزة بشير
ليس التراث الفلسطيني مجرد ثوب مطرز،أو طبق شعبي،أو أغنية ودبكة وحكاية من زمن مضى،إنه ذاكرة شعب ووثيقة انتماء،وعلامة وجود تتناقلها الأجيال.لذلك لم تكن محاولات الاستيلاء عليه مجرد عبث ثقافي،بل جزءا من صراع أوسع على الذاكرة والمكان والرواية.فالمرأة الفلسطينية،وهي تحمل ثوبها المطرز،لا تحمل قطعة قماش فحسب،إنها تحمل جغرافيا القرية والمدينة،وأسماء الأمكنة،وذاكرة الجدات، وتفاصيل حياة قاومت التلاشي.وكذلك الطعام الشعبي والفنون والحكايات والأمثال والعمارة والموسيقى،كلها مكونات لهوية لا تُختزل في حدود الجغرافيا.
وفي هذا السياق،تبرز الشاعرة والكاتبة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير،التي جعلت من القصيدة مساحة للدفاع عن الذاكرة، ومن الكلمة شاهدا على حق لا ينبغي أن يسقط بالتقادم.تقول:
إنَّ التّراثَ ثقافةٌ فاصْدَحْ بِهِا
كَيْما تُقاوِمُ سارِقاً……وَتُناحِرُ
وهي عبارة تختصر جوهر المسألة:فالتراث حين يتحول إلى ثقافة واعية يصبح أكثر من موروث، يصبح مقاومة للنسيان،ورفضا لأن يعاد تشكيل التاريخ وفق إرادة الأقوى.
وتزداد القصيدة عمقا حين تربط الشاعرة بين التراث والاقتلاع والحنين،فتقول:
دَعْوَى إلى الخلّاقِ نحظَى بِعَوْدةٍ فالشّوْقُ يُضني والتّشَتُّتُ …قاهِرُ!
هنا لا يعود التراث مجرد استحضار للماضي،بل يتحول إلى نداء للعودة،وإلى ذاكرة تقاوم التشتت،وإلى جسر روحي يصل الفلسطيني بأرضه مهما ابتعدت المسافات وتكاثفت سنوات الغياب. فالشاعرة لا تحرس التراث من السرقة فحسب،بل تحرس من خلاله حق الإنسان في أن يتذكر،وأن ينتمي،وأن يعود.
لقد طالت محاولات المصادرة الأزياء والأطعمة والأسماء والمعالم،في محاولة لتغيير الدلالة الأصلية للأشياء وانتزاعها من سياقها الفلسطيني. لكن المشكلة هنا أن تغيير الاسم لا يغيّر الحقيقة، وطمس الملامح لا يلغي الذاكرة،كما أن مصادرة التراث لا تمنح السارق حقا في التاريخ.
ومن هنا تصبح حماية التراث الفلسطيني مسؤولية تتجاوز الحنين إلى الماضي،إنها فعل توثيق ومساءلة وحفظ للحق في الذاكرة.فالشعب الذي يفقد تراثه يفقد جزءا من صوته،أما الشعب الذي يصون ذاكرته فيظل قادرا على إعادة كتابة حضوره مهما اشتدت محاولات المحو.
ولعل قصيدة الأستاذة عزيزة بشير تضيء هذه الحقيقة من زاوية الشعر،حين تجعل من التراث جسرا بين الأرض والإنسان،وبين الذاكرة والمستقبل.ففلسطين ليست فقط أرضا يسعى أصحابها إلى حمايتها،بل ذاكرة تتجدد كلما حاول أحد اقتلاعها.
قد يستطيع الاحتلال أن يصادر مكانا أو يغيّر اسما،لكنه لن يستطيع مصادرة ذاكرة شعب.فحين يصبح التراث قصيدة،تصبح الذاكرة وطنا،وتصبح الكلمة حارسة للحقيقة.
وفي النهاية،تحية للشاعرة الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير،التي لم تجعل من الشعر زينة للكلام،بل جعلت منه ذاكرة تقاوم المحو،وصوتا يحرس الهوية،وقصيدة تنحاز إلى فلسطين بصدق الكلمة ونبل الموقف.
هنيئا لشاعرة أدركت أن بعض القصائد لا تُكتب بالحبر،بل تُكتب بوجع الأرض وذاكرة الإنسان.
محمد المحسن
* السابع من تشرين الأول/ أكتوبر،هو يوم التراث الفلسطيني،يوم للتأكيد كما في كل يوم على أصالة الهوية الوطنية الفلسطينية وعمق تجذرها في الوعي الجمعي،كما في التاريخ والممارسة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق