الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

في الوقت المناسب بقلم :ماهر اللطيف /تونس

 في الوقت المناسب


بقلم :ماهر اللطيف /تونس


كان يقود شاحنته الفلاحية بسرعة جنونية، يتجاوز السيارات بتهور، محرجًا السيارات القادمة من الجهة المقابلة. كان يشير بيديه بغضب إلى كل من ينبهه إلى خطورة ما يفعل.


لم يطع أمه الجالسة بجانبه حين طلبت منه تخفيف السرعة واحترام قواعد المرور؛ بل بدا كأنه لا يسمعها ولا ينتبه إلى وجودها.


كان تائهًا، غائبًا عن وعيه؛ يتذكر حديث والده ومزاحه معه، فيضحك تارة، ثم يسمع صدى صوت: «مات قيس»، فيبكي طورًا.


اقتفت أثره سيارة شرطة كانت رابضة عند رأس أحد الأنهج، لكنه لم يمتثل لإشارة التوقف، فطلب سائقها المدد، تجنبًا لكارثة محتملة.


بعد دقائق من المطاردة، أجبروه على التوقف، وأمروه بالتنحي عن العربة ورفع يديه عاليًا. امتثل وهو في غيبوبته، فأمر رئيس الشرطة بالقبض عليه وإجراء تحليل عاجل للتأكد من استهلاكه مواد مخدرة.


مد هشام يديه طواعية إلى الأصفاد.


هرعت دعاء نحو رئيس الشرطة، وجثت على ركبتيها تحاول تقبيل حذائه وهي تبكي بحرقة. مد يديه إليها، ساعدها على النهوض، ومنعها من ذلك، ثم قال مبتسمًا:


— القانون فوق الجميع، أماه. أرواح الناس أمانة في رقابنا.


قالت متوسلة:

— ابني منهار يا ولدي، أظنه أصيب بانهيار عصبي.


— بل يبدو أنه استهلك مواد مخدرة، و...


قاطعته بصوت مرتفع:

— دفن والده للتو! دفن سنده في الحياة. أصر على أن يفعل ذلك بيديه، ليكون آخر عهده به... ومنذها تحول إلى الحالة التي تراها، بني.


ساد الصمت لحظات، وبدا التأثر على الجميع.


قالت:

— حوّله إلى المستشفى ليتلقى العلاج بدل القبض عليه.


خفض صوته وقال:

— حاضر، أماه... سنقوم بالاثنين معًا.


نُقل هشام إلى المستشفى، فيما تولى أحد أعوان الشرطة التحقق من رواية دعاء. وبعد دقائق، عاد ليؤكد صحة الحكاية.


كان قيس قد مات بعد صراع طويل مع سرطان انتشر في جسده ونال منه رويدًا رويدًا. وكان هشام يهيم بأبيه، وأنفق عليه أموالًا طائلة لإنقاذه، لكن محاولاته باءت بالفشل.


جاءت نتيجة التحليل خالية من أي مادة مخدرة أو مسكرة.

لم يكن هشام مخمورًا... كان مكلومًا.


بحثوا عن سبيل لعلاجه وإنقاذه من حالته الحرجة؛ فقد أنقذوه، في الوقت المناسب، من نفسه... ومن كارثة كان يمكن أن تقع.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق