حين يصبح الحبّ..انتحارا للصباح..!
قراءة فنية وتعبيرية..في قصيدة "الفاتحة" للشاعرة التونسية سعيدة الطاهر الفرشيشي
الفاتحة
أناجي الصباح بصوت مباح
اطير اليك بدون جناح
أيا هاجري يامبدد عمري
....رمادا شتيتا ذرته الرياح
أحبك حتى ضياع الضياع
أحبك حتى انتحار الصباح
(سعيدة طاهر الفرشيشي)
ليست هذه القصيدة القصيرة مجرّد بوح عاطفي عابر،بل هي ومضة شعرية مشحونة بوجع الهجر، تختزل في أبيات قليلة مسافة شاسعة بين التوق إلى الحبيب والانكسار أمام غيابه.ومنذ العنوان "الفاتحة"،تفتح الشاعرة بابا على تجربة وجدانية تبدو كأنها استهلال لحكاية عشق،أو استحضار لطقس داخلي تستعيد فيه الذات ما تبقّى من روحها المبعثرة.!
تستهل الشاعرة قصيدتها بقولها: "أناجي الصباح بصوت مباح"،فتقيم علاقة بين المناجاة وانكشاف الصوت،وكأن الصباح فضاء للاعتراف والتحرّر من الصمت.ثم تأتي الصورة: "أطير إليك بدون جناح"، لتجسّد قوة الشوق الذي يتجاوز حدود الجسد وإمكاناته،ويمنح العاطفة قدرة على اختراق المسافات،حتى حين تعجز الوسائل المادية عن بلوغ الغاية.
لكن هذا التحليق سرعان ما يصطدم بقسوة الهجر، فيتحوّل الحبيب من وجهة للنجاة إلى سبب في تبديد العمر: "أيا هاجري يا مبدّد عمري".!
هنا تتكثّف مرارة العتاب،ويغدو الزمن نفسه ضحية لعلاقة لم تستطع أن تحمي القلب من التبعثر.وتأتي صورة الذات رمادا شتيتا ذرته الرياح،لتمنح الانكسار تجسيدا حسيا بالغ الدلالة، فالذات لا تعود كائنا متماسكا،بل بقايا روح تاهت في الجهات،وفقدت قدرتها على استعادة وحدتها.
وتبلغ القصيدة ذروتها التعبيرية في التكرار اللافت: "أحبك حتى ضياع الضياع"،حيث لا تقف الشاعرة عند حدود الفقد،بل تتجاوزها إلى ما بعد الفقد،إلى منطقة تتلاشى فيها حتى المفاهيم التي اعتاد الإنسان أن يقيس بها خساراته.!
إنه إفراط شعوري مقصود،يعبّر عن حب لا يعرف الاعتدال،ولا يرضى بأنصاف المشاعر.
أما الخاتمة: "أحبك حتى انتحار الصباح"،فهي أكثر صور القصيدة جرأة ومفارقة.فالصباح،بما يحمله من دلالات الميلاد والنور والبدايات،يتحوّل إلى ضحية لهذا الحب الجارف.وفي هذه الاستعارة الموجعة،تنقلب وظيفة الضوء،فلا يعود وعدا بالخلاص،بل يصبح شاهدا على استحالة النجاة من وجع العشق..!
فنّيا ونقديا،تقوم القصيدة على اقتصاد لغوي واضح،وتكثيف عاطفي،وتوازن إيقاعي بين القوافي المتقاربة،مع اعتماد الصور الحسية والاستعارات المتصاعدة من التحليق إلى التبعثر، ومن ضياع الذات إلى انتحار الصباح.وقد أسهم هذا التدرّج في بناء حركة شعورية تتنامى حتى تبلغ ذروتها في البيت الأخير.وعلى الرغم من أن بعض الصور تنتمي إلى المعجم المألوف للشعر الوجداني،فإن الشاعرة تمنحها نبرتها الخاصة من خلال المبالغة التعبيرية والتصعيد الدرامي،بما يجعل النص أقرب إلى صرخة قلب منه إلى وصف هادئ للحب.
تحية تقدير للشاعرة التونسية سعيدة الطاهر الفرشيشي،التي تثبت في هذه الومضة أن قصر القصيدة لا يعني ضآلة التجربة،وأن الكلمات القليلة قد تتّسع لأوجاع لا تسعها المطوّلات.
إنها تكتب من منطقة حساسة في النفس الإنسانية،حيث يتجاور العشق والفقد،ويصبح الشعر محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من الروح.!
قد ينتهي النص عند انتحار الصباح،لكن الشعر يظلّ نافذتنا إلى الضوء،فكلّ قصيدة صادقة،مهما أثقلها الحزن،هي شكل من أشكال مقاومة العتمة.
وفي النهاية،تكتب سعيدة الطاهر الفرشيشي وجع العشق بحبر الروح،حتى يغدو الحبّ قدرا يتجاوز الاحتمال،ويصبح الصباح نفسه ضحية قلب أحبّ أكثر مما ينبغي.فبعض القصائد لا تُقرأ فحسب،بل تسكننا كجرح جميل لا يريد أن يلتئم..!
متابعة محمد المحسن
تنويه وتقدير:
اعتمدنا في هذه القراءة الاختزال من منظور فني وتعبيري،حرصا على ألّا نطيل على القارئ الكريم، أو نشعره،دون قصد،بالملل،فالقراء شركاء في المقال،واحترام وقتهم جزء من احترام الكتابة.
أما الشاعرة التونسية سعيدة الطاهر الفرشيشي، فقد تناولت عددا من قصائدها بقراءات نقدية مستفيضة،وفي كل مرة تفاجئني بوهج إبداعها، وتبهرني بخصوصية تجربتها الشعرية وثراء عالمها الوجداني.
مودتي وتقديري للشاعرة،مع خالص الاعتزاز بقلم يواصل إدهاشنا بالجمال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق