الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

حين تغيب الذاكرة ويحضر الإنسان بقلم الكاتبة هالة بن عامر تونس

 حين تغيب الذاكرة ويحضر الإنسان

لم أخطط يومًا لأن أكتب عن مرض  الزهايمر، إلى أن رأيت جدّتي، في أيامها الأخيرة، تبتعد شيئًا فشيئًا عن العالم الذي عرفته وعرفها. 

بدأت الحكاية بتفاصيل صغيرة: اسمٌ يغيب، ووجهٌ يحتاج إلى لحظة كي تستعيده الذاكرة، وسؤالٌ يتكرر. ثم أخذ المألوف يفقد ألفته، والقريب يصبح غريبًا، حتى جاء وقت لم تعد فيه تعرف كثيرًا ممن حولها.

كانت تتغير أمامنا، وقد يسبق انفعالُها قدرتَها على فهم ما يحدث حولها، فتغضب أو ترفض أو تتصرف بعنف، بينما كان أهلها يحاولون أن يفهموا ما وراء ذلك التغيّر، وأن يجدوا الطريقة الأقل إيذاءً لها ولهم. وكان التعب يصل إلى الجميع؛ إليها أولًا، ثم إلى من يحيطون بها، حتى بدا المرض وكأنه لم يعد يقيم في ذاكرتها وحدها، بل امتدّ إلى تفاصيل البيت كله.

من هنا جاء هذا المقال؛ لا بصفتي طبيبة أو مختصة، وإنما بوصفِي عشت جانبًا من هذه المعاناة، ورأيت كيف يمكن لمرضٍ يصيب فردًا واحدًا أن يجعل الأسرة كلها طرفًا في مواجهته. 


حين يصبح النسيان حالةً تحتاج إلى فهم

طبيًا، يُعدّ مرض الزهايمر أكثر أشكال الخَرَف شيوعًا، وهو يؤثر تدريجيًا في الذاكرة والتفكير والتواصل والسلوك والقدرة على أداء بعض شؤون الحياة اليومية. وتختلف الأعراض وتطورها من شخص إلى آخر، وقد تزداد الحاجة إلى المساعدة مع تقدّم الحالة. وهذه لمحة موجزة لا تتجاوز الجانب التعريفي؛ فالحديث هنا ليس عن التشخيص أو العلاج، وإنما عن الإنسان الذي يعيش المرض، وعن الذين يعيشون معه تبعاته. 


فالمريض قد لا يستطيع دائمًا أن يشرح ما يحدث في داخله. قد يبحث عن كلمة، أو ينسى اسمًا، أو يضطرب في مكان اعتاد أن يكون مألوفًا له، وقد تتغير طريقة تعبيره عن الخوف أو الغضب أو الحاجة. وما يبدو لمن حوله تصرفًا غير مفهوم قد يكون، في حقيقته، محاولةً للتعامل مع ارتباك لم يعد يعرف كيف يصفه.

وهنا يصبح الفهم جزءًا من الرعاية. 


الأسرة ليست خارج المرض

الزهايمر لا يرهق المريض وحده. فهو يغيّر إيقاع البيت، ويضع الأسرة أمام مسؤوليات جديدة: المتابعة، والمرافقة، والانتباه إلى ما قد يعرّض المريض للخطر، ومساعدته فيما لم يعد قادرًا على إنجازه، مع ترك مساحة لما يستطيع القيام به بنفسه.

ولهذا يصعب أن يحمل شخص واحد هذه المسؤولية طويلًا دون أن يتعب. 

الأسرة، في حاجة إلى أن تكون يدًا واحدة؛ تتقاسم الأدوار، وتتناوب الحضور، وتساند من يتحمل العبء الأكبر.

فمقدّم الرعاية يحتاج هو الآخر إلى الراحة والمساندة، ولا ينبغي أن يُنظر إلى تعبه بوصفه نقصًا في المحبة أو التقصير في الواجب.

والرعاية ليست طعامًا ودواءً ومراقبةً للحركة فقط. إنها أيضًا أن نعرف كيف نعيد الإجابة حين يتكرر السؤال، وكيف نهدئ الخوف حين يظهر، وكيف ننتبه إلى تغير غير مألوف، وكيف نطلب المشورة الطبية عندما تستدعي الحالة ذلك.

الاستعانة بالغير لا تعني التخلي عن المسؤولية

قد تضطر الأسرة إلى الاستعانة بمرافق أو مختص في الرعاية المنزلية، وهذا قد يكون أمرًا مفهومًا حين تتعذر الرعاية المستمرة على أفرادها. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الاستعانة بالغير إلى انسحاب كامل من المسؤولية.

فمريض الزهايمر لا يحتاج إلى شخص يقوم بخدمته اليومية فحسب؛ يحتاج أيضًا إلى وجوه يعرفها، وأصوات ألفها، وحضور يرتبط عنده بشيء من الأمان. قد تبقى في ذاكرته تفاصيل صغيرة لا نعرف قيمتها نحن: نبرة صوت، طريقة مناداة، يدٌ اعتادها، أو شخص ارتبط بسنوات من حياته.

ولهذا فإن وجود الأسرة لا ينبغي أن يصبح أمرًا ثانويًا لمجرد وجود شخص يتولى الرعاية، وإذا استعانت الأسرة بمن يساعدها، فتبقى مسؤوليتها قائمة: أن تعرف من يرعى المريض، وأن تتابع معاملته، وأن تنتبه إلى التغيرات في سلوكه وحالته، وألا تتركه في عهدة شخص لا تثق به.

والحذر هنا ليس مبالغة. فإساءة معاملة كبار السن قد تأخذ صورًا متعددة، منها الإيذاء الجسدي والنفسي، والإهمال، والهجر، والإهانة، وإهدار الكرامة. ويكون الأشخاص الذين يعانون ضعفًا إدراكيًا أو يعتمدون على غيرهم أكثر عرضة للخطر.

لذلك، لا يكفي أن نبحث عمّن يقوم بالخدمة؛ علينا أن نبحث عمّن يؤتمن على الإنسان.

بين الرعاية والاحتواء

قد يحتاج مريض الزهايمر إلى مراقبة مستمرة، لكن المراقبة لا ينبغي أن تتحول إلى حصار. يحتاج إلى من يحميه دون أن يشعره بأنه فقد كل قدرته، ويساعده دون أن يسلبه ما يستطيع فعله، ويصبر على تكراره دون أن يحوّل تكراره إلى مصدر للسخرية أو الضيق.

وفي المقابل، تحتاج الأسرة إلى من يساندها. فالرعاية المستمرة قد تكون مرهقة نفسيًا وجسديًا، ومن حق من يقوم بها أن يستريح وأن يطلب المساعدة وأن يتقاسم المسؤولية مع غيره. وتوصي منظمة الصحة العالمية مقدّمي الرعاية بطلب الدعم من الأسرة والأصدقاء والمهنيين، وأخذ فترات راحة والاهتمام بصحتهم هم أيضًا.

وهنا تظهر قيمة المحبة في صورتها العملية: صبرٌ على التكرار، هدوءٌ أمام الانفعال، حضورٌ عند الارتباك، وانتباهٌ لما قد لا يستطيع المريض أن يعبّر عنه. 


المجتمع شريكٌ في المسؤولية

ولا تنتهي المسؤولية عند حدود الأسرة.

فالمجتمع يحتاج إلى وعيٍ أكبر بهذا المرض، حتى لا يُنظر إلى بعض تصرفات المريض بعين الاستغراب أو الإدانة. مريض الزهايمر قد ينسى، وقد يضطرب، وقد لا يتعرف إلى شخص يعرفه منذ سنوات، وقد يتغير سلوكه. وهذه ليست دعوة إلى التغاضي عن المخاطر، بل إلى فهمها والتعامل معها بطريقة أكثر أمانًا وأقل قسوة.

وقد تكون مساعدة بسيطة من قريب، أو تفهّم من جار، أو كلمة هادئة في موقف مربك، سندًا حقيقيًا لأسرة تعيش رعايةً طويلة لا يراها الآخرون بكل تفاصيلها.

وفي البعد الديني... واجب لا مجاملة

أما من الناحية الدينية، فإن رعاية الكبير حين يضعف ليست فضلًا نتباهى به، بل باب من أبواب البرّ والإحسان وصلة الرحم. وحين تتراجع قدرة الإنسان على الاعتماد على نفسه، لا تتراجع قيمته، ولا يصبح أقل استحقاقًا للرحمة والاحترام.

بل لعلّ أصعب ما في هذه المرحلة أن الإنسان الذي اعتدنا أن نأخذ منه العطاء يصبح محتاجًا إلى عطائنا؛ فيتغير الدور، ويبقى الواجب. 


الإنسان قبل المرض

في النهاية، لا ينبغي أن نرى في مريض الزهايمر ذاكرةً تتراجع فحسب. خلف المرض إنسان له عمره، وتاريخه، وعلاقاته، وكرامته، وأثره في حياة من حوله.

قد لا يتذكر أسماءنا، لكن ذلك لا يمنحنا حق نسيان مكانته.

وقد يعجز عن تفسير غضبه أو خوفه، لكن عجزه عن الشرح لا يلغي حقه في أن نحاول فهمه.

وقد يحتاج إلى من يقوم عنه ببعض ما كان يفعله بنفسه، لكن ذلك لا يعني أن نستبعده من الحياة أو نتعامل معه وكأنه لم يعد حاضرًا فيها.

فالإنسان لا يُختصر في مقدار ما يتذكره.

ومن هنا، ربما نحتاج إلى أن يتجاوز وعينا بالزهايمر حدود الحديث عن المرض، إلى الحديث عن كيفية حماية المريض، ومساندة أسرته، وتوزيع مسؤولية الرعاية، والتأكد من أن من يتولى خدمته جدير بالثقة، وأن يبقى للمريض نصيب من أهله وبيته وحياته، مهما تراجعت قدرته على تذكّر تفاصيلها.

فإذا كان الطب يبحث في المرض وسبل التعامل معه، أفلا ينبغي لنا نحن أن نبحث أيضًا في كيفية جعل حياة المريض وأسرته أقل إرهاقًا، وأكثر أمانًا واحتواءً؟

وهل يمكن أن نصل إلى رعايةٍ لا تجعل المريض وحيدًا أمام ما يفقده، ولا تجعل الأسرة وحيدة أمام ما تتحمله؟

فحين تغيب الذاكرة، لا ينبغي أن يغيب الإنسان. 


هالة بن عامر تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق